مشاهدة النسخة كاملة : تفسير سفر المكابيين


st-athanasios
02-21-2009, 12:18 PM
الأصحاح الأول

رسالتان الى يهود مصر
أراد يهود أورشليم أن يشركوا أقرانهم فى مصر فرحتهم فى الاحتفال بالتدشين، فأرسلوا لهم يحثّونهم على ذلك شارحين الظروف والملابسات المتعلقة بهذه المناسبة التاريخية العظيمة، والتى لا يزال الاحتفال بها سارياً حتى اليوم وإن اتخذ مظاهراً مغايرة لما كان يجرى فى السنوات الأولى بعد تدشين الهيكل.

الرسالة الأولى الى يهود الأسكندرية
1 إلى إخوتهم اليهود الذين فى مصر سلام من إخوتهم اليهود الذين فى أورشليم وبلاد اليهودية أطيب السلام. 2 وليحسن الله إليكم ويذكر عهده مع إبراهيم وإسحق ويعقوب، عبيده الأمناء. 3 وليؤتكم جميعاً قلباً لأن تعبدوه وتعملوا بمشيئته بقلب كريم ونفس راضية، 4 ويفتح قلوبكم لشريعته ووصاياه ويحل السلام. 5 وليستجب لصلواتكم ويصالحكم ولا يخذلكم فى أوان السوء. 6 ونحن الآن ههنا نصلى من أجلكم. 7 كنا نحن اليهود قد كتبنا إليكم فى عهد ديمتريوس، فى السنة المئة والتاسعة والستين، ما يلى: "فى أثناء الضيق والشدة التى نزلت بنا فى تلك السنين، بعد ارتداد ياسون والذين معه عن الأرض المقدسة والمملكة، 8 فإنهم أحرقوا الباب وسفكوا الدم الزكى، فابتهلنا على الرب فاستجاب لنا، وقربنا الذبيحة والسميذ، وأوقدنا السرج وقدمنا الخبز". 9 فنكتب الآن إليكم بأن تعيدوا أيام الأكواخ التى
فى شهر كسلو.


تبدو الرسالة هنا مثل الرسائل الفصحية التى بدأ البابا أثناسيوس الرسولي فى توجيهها الى كنائس العالم لتحديد عيد الفصح، حيث كانت تلك الرسائل السنوية فرصة لمعالجة بعض الخلافات أو تصحيح بعض المفاهيم. هناك أمثلة لمثل تلك الرسائل اليهودية فى (أخبار الأيام الثاني 30: 1-9 واستير 9: 20-32) حيث ربطت الرسالتان بين الدعوة إلى التوبة ومراعاة الاحتفال بالعيد(1)
كانت الجالية اليهودية فى مصر أكبر الجاليات التى تسكن خارج أورشليم، ويرجع وجودها هناك إلى ما قبل القرن السادس، وقد جاء تعبير: اليهود الذين في مصر (آية 1): في اليونانية  ويعني: المبعدين في مصر. غير أن وجودهم فى مصر تأكد وتثبّت فى عهد البطالمة والذين منحوهم العديد من الامتيازات ليشجعونهم على الاستقرار هناك، فقد قام بطليموس فلادلفوس بترجمة التوراة إلى السبعينية، كما سمح بطليموس السادس لحونيا بن حونيا الثالث ببناء هيكل فى مصر سنة 150 ق.م. على غرار هيكل أورشليم، وكما شغل اليهود ثلاثة أحياء سكنية فى الإسكندرية من مجموع ثمانية أحياء، فقد شغلوا كذلك المناصب الرفيعة فى الجيش والبلاط الملكى، إضافة إلى وجود شريحة كبيرة منهم من الموسرين.
فقد كان من اليهود بعض من رجال البلاط سواء فى العاصمة أو الأقاليم، مثل أرسطوبولس المذكور فى هذا الأصحاح ودوسيتيوس Dositheos بن دريميلوس Drimylos والذى كان يشغل وظيفة مرموقة فى بلاط كل من بطليموس الثالث وبطليموس الرابع، فقد عمل كسكرتير للملك فى سنة 240ق.م، وكما كان أونياس موظفاً كبيراً ربما قائداً Strategos فى إقليم هليوبوليس. وقد سجّلت احدى البرديات خطاباً رقيقاً موجهاً إليه من هيرودس وزير مالية بطليموس السادس فيلوميتور الذى عرف عنه ميله إلى اليهود، حيث يبدو من الرسالة وكأن هذا القائد فى هليوبوليس يمت لهيرودس بصلة قرابة (1) كما كان رئيس الشرطة فى "أتريب" يهوديًا فى الغالب، وبعض رجاله كذلك.
كما شغل اليهود وظائفاً كبيرة فى الإدارة المالية مثل مديرى البنوك فى عهد بطليموس السادس وبطليموس الثامن، وكان أحد أولئك المديرين اليهود فى طيبة وآخر فى قفط . كما تولى أحدهم الاشراف على "مخزن التبن" ومنهم من كان جابياً للضرائب، ومع أن جمع الضرائب كانت مهنة تثير الكراهية ولا تمثل كسباً مادياً، إلاّ أنها تقرّب إلى الحكام، ومن هؤلاء اشتهر سمعان بن ألعازر. وكذلك شغل اليهود الكثير من المهن مثل النسيج والنجارة والفخار والنبيذ والزراعة وغيرها.
و برغم تخوف اليهود من بطليموس الثامن (يورجيتيس الثاني) إلا أن الأخير أصدر عفواً عاماً، فعمّ السلام فى البلاد حتى موته سنة 116 ق.م. ومن بعد وفاته ازداد نفوذ كليوبترا الثانية المناصرة لليهود، ومن بعد موتها استولت كليوبترا الثالثة ابنة السابقة وأرملة يورجيتيس على الحكم، حيث أعلنت تعاطفها مع اليهود وتحالفها مع الحونيين (نسل حونيا) رغم كراهية بطليموس التاسع -ابنها- لهم، و هكذا استمرّ دعم الحكام المصريين لليهود زمناً طويلاً.
كل ذلك يؤكد لنا اندماج اليهود فى المجتمع البطلمي، مما حدا بالبطالمة منحهم العديد من الامتيازات، منها الحق فى أن يعيشوا طبقاً لشريعتهم وتقاليدهم Tois patrias namois chresthai ، ويشير المؤرخ استرابون إلى أنه كان على رأس الجالية اليهودية هناك رئيس Ethnarches يباشر سلطات قضائية وإدارية، كما يرجّح أنه كان لهم "سنهدريم" على غرار الموجود فى أورشليم(1) ومع كل ذلك فإنه من المستبعد أن يكونوا قد حصلوا على حقوق "المواطنة" إذ كان ذلك يلزمهم بالاشتراك فى العبادة الوثنية والتخلى عن تمسكهم بإلههم (يهوه) ويرد فى كتاب المكابيين الثالث (سفر غير قانونى) أن بطليموس الرابع عرض على اليهود الحصول على المواطنة شريطة أن يعبدوا "ديونيسيوس" فلما رفضوا ذلك اضطهدهم كثيراً، غير أنه ندم فى وقت لاحق وسمح لهم بقتل كل يهودى استجاب لدعوته السابقة على الوثنية!.
وكما كان فى مصر هيكلاً كبيراً - كما سبق - فقد أقام اليهود أيضا العديد من المجامع فى أقاليم مصر، فيما يشبه الجاليات والتى كان يطلق عليها "بوليتوما" ولكن اكثر الأسماء التى ُاطلقت على دور العبادة Synagoague, proschoche (2) ومع عدم اعتراف اليهود بهيكل مصر المقام فى "لينتوبوليس" سنة 150م إلاّ انهم يرسلون إليهم يعزونهم ويشجعونهم، بسبب الاضطهادات التى يلاقونها على يد بطليموس الثامن(3).


التحية والسلام
استخدمت هذه التحية من زمن بعيد "شالوم" أى سلام، وفى السبت سلام خاص "شالوم شبات" أى سلام السبت، وهى التحية الكتابية الضاربة فى القدم، و التى تعنى السلام الآتى من الرب، فهو مصدر السلام الحقيقى، ويسأل يعقوب أب الأسباط أهل حاران عن لابان خاله قائلاً: "هل له سلامة فقالوا له سلام" (تكوين 29: 6) وكان السلام هو عطية الله لشعبه متى ساروا فى طرقه (لاويين 26: 6) هكذا يقول هرون للشعب "فيرفع الرب وجهه عليك ويمنحك سلاماً (العدد 6: 26) فى حين يقول الرب "لا سلام قال الرب للأشرار" (إشعياء 48: 22) . غير أن السلام الحقيقى قد تحقق للبشرية عندما صالحها الله بدم ابنه "وصار لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح" (أعمال 10: 36) بل صار هو نفسه "سلامنا الذى جعل الاثنين واحداً" (أفسس 2: 14). هذا وقد أرفق القديس بولس الرسول سلامه فى الرسائل بالنعمة فصارت تحيته للأمم عبر الرسائل، نعمة وسلام، حيث كانت النعمة هى تحية الرومان، راجع (رومية 1: 7 و كورنثوس الأولى 1: 3 و غلاطية 1: 3) وكانت تحية الرب يسوع لتلاميذه "سلام لكم" (لوقا 24 : 36 و يوحنا 20: 19 ، 21 ، 26). وقد التقطتها الكنيسة لتبدأ بها كل صلاة وكل خدمة ليتورجية، وفى كل مرة تسحب الكنيسة من ذلك الرصيد الذى تركه الرب يسوع لها "سلاماً أترك لكم سلامى أنا اعطيكم" (يوحنا 14: 27) وهكذا صارت التحية التقليدية بين الناس: "السلام والنعمة".
وفى الآيات العشر الأولى من هذا الأصحاح ترد كلمة السلام أربع مرات، فقد كان كل من يهود مصر وأورشليم أحوج ما يكون إلى هذه العطية فى تلك الأيام، مُلحّين على الله أن يذكر عهده مع ابراهيم واسحق ويعقوب فيحميهم ويزيد من رقعة أراضيهم ويكثر من نسلهم.

st-athanasios
02-21-2009, 12:19 PM
العبادة بقلب كريم ونفس راضية(آية 3):
وجاءت في اليونانية kardia megalh وهي ترجمة حرفية من الأصل العبري (بقلب كامل ونفس راضية)(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175548#_ftn1).
عندما تنحصر الصلاة فى تحريك الشفاه ورفع اليدين، فهى بذلك مازالت عند مستوى الفريسية وإتمام القانون فحسب، وأما العبادة الحقيقية فيعمل الحب كدافع خلفها. إن العبادة المقبولة هى تلك التى تأتى كتعبير عن الحب الموجود بالداخل من نحو الله مما يهبها الحرارة والفرح والسخاء!.. وبالتالى فهى ليست بدافع الخوف أو الرغبة فى العطايا أو جرياً لعادة "وأنت يا سليمان ابنى اعرف إله أبيك واعبده بقلب كامل ونفس راغبة لأن الرب يفحص جميع القلوب ويفهم كل تصورات الأفكار.. " (أخبار الأيام الأول 28: 9). ويمكننا أن نجد صدى لمضمون هذه الآية فى (تثنية 5 : 26 و إرميا 32 : 39).

القلب المفتوح على الوصية (آية 4):
إنه القلب الذى تجد فيه وصايا الرب الطريق ممهداً، تسكن فيه فتطهره وتتخذ لها فيه مكاناً، انه القلب الذى يجد فيه الله راحته قائلاً ههنا أسكن لأنّى اشتهيتها" (مزمور 132 : 14) وهو القلب الذى يوجد مستعداً دائماً ليفتح للرب حالما يطرقه فيدخل إليه وفيه يصنع منزلاً "إن أحبنى أحد يحفظ كلامى ويحبه أبى وإليه نأتى وعنده نصنع منزلاً" (يوحنا 14 : 23) وهكذا يحل السلام فى القلب. ويبدو هذا التحوّل فى المصطلح من "العينين" إلى "القلب" فى (مزمور 119: 18) والأذنين (هوشع 13: 6-8) "أشق شغاف قلبهم" ويظهر هذا الُمصطلح فى العهد الجديد فى (أعمال 16: 14) وبعض الصلوات اليهودية. وقد تحقق ذلك ليهود الإسكندرية ـ وهم أول جماعة مسيحية فى مصر - منذ حضورهم يوم الخمسين ثم بشارة القديس مرقس بينهم بالإنجيل.

المصالحة (آية 5):
يأتى تعبير يتصالح هنا ترجمة للكلمة العبرية "يغفر". والتعبيرات فى هذه الآية نجد لها شبيهاً فى: (ملوك أول 8: 30، 34، 36، 39، 49-50 ) راجع أيضاً: (أخبار الأيام الثاني ص 6). لقد تراءف الله فى ملء الزمان على البشرية الصارخة إليه عبر آلاف السنين، وتمّت المصالحة الحقيقية بدم يسوع المسيح فبعد هذا الزمان الذى تُقرأ فيه هذه الرسالة بقليل: ولد المسيح الحقيقى ليتم هذه المصالحة الفريدة، بعدما بدا أن الخصومة قد استحكمت ما بين السماء والأرض "ولكن الكل من الله الذى صالحنا لنفسه بيسوع المسيح وأعطانا خدمة المصالحة" (كورنثوس الثانية 5 : 18). وها نحن نطلب كل يوم من صلاحه ألاّ يخذلنا وألاّ يعاملنا بحسب خطايانا، وإنما بحسب بره وخيريته، وان كنّا فى احتياج إلى ذلك كل يوم فكم بالأحرى فى زمن السوء، عندما تهبط العزائم وينشب اليأس مخالبه ويشتكى الشيطان على بني الإنسان "الرب الإله إلهى معك. لا يخذلك ولا يتركك .." (1 أخ 28 : 20).


الصلاة لأجل الآخرين:
إنها وصيّة الرب نفسه "صلوا بعضكم لأجل بعض لكى ُتشفوا" (يعقوب 5 : 16) وفى العهد القديم يطلب الشعب إلى موسى أن يتوسّل إلى الرب عنهم ليرفع الحيات (العدد 21 : 7) وفى سفر صموئيل يرد: "وقال جميع الشعب لصموئيل صل عن عبيدك إلى الرب إلهك حتى لا نموت" (صموئيل الأول 12 : 19) وقد طلب الله من أصحاب أيوب أن يلتمسوا صلاته لأجلهم (أى 42 : 8).
إن محبتنا لبعضنا البعض وصلاة أحدنا عن الآخر تفرّح قلب الله فيستجيب الطلبة، بل يقول الآباء: (أنه من أجل محبة الذى لم يخطئ غفر الله للذى أخطأ) ذلك أن أحد الرهبان سقط فى خطيئة فلم يرد العودة إلى الدير إذ كان فى القرية لقضاء بعض الشئون، ولكن راهباً آخر من ديره قابله فى القرية وعرف منه ما حدث وعدم رغبتة فى العودة، فشجعه بأنه خاطئ مثله ولكنه ليس فى مثل اتضاعه لأنه أخطأ هو الآخر ولكنه لم يعترف بخطيئته كما فعل هو، وأشار عليه بالعودة معاً إلى الدير ليطرحا أمرهما قدام الشيوخ، والذين وضعوا على الاثنين قانوناً صعباً من الأصوام والميطانيات. وكان الراهب الذى لم يخطئ يقول أمام الله: يارب أنت تعرف أنه لا ذنب لى فى ذلك، ولكن احسب تعبى هذا لأخى. وقد ظهر الله لأحد الشيوخ معلناً له أن الله قبل توبة الخاطئ من أجل محبة الذى لم يخطئ.

زمن الاضطهاد (آيـة 7 ، 8):
الضيق والشدة : en th qliyei kai th akmh ، استخدم كاتب السفر هنا الاسلوب الكتابي في (صفنيا 1 : 15) : يَوْمُ ضِيقٍ وَشِدَّةٍ ، ووردت في الترجمة السبعينية (qliyiV kai anagkh) وفي الآرامية : (بعَقتا و بأولِصتانا )، و في الفولجاتا اللاتينية : (in angustiis et pressuris)، وقد أوضح العالم جريتس أن الكلمة اليونانية (akmh) من (anagkh).

كتب اليهود لإخوتهم في مصر في السنة المئة والتاسعة والستين، أي عام (144 – 143 ق.م) يتحدثون عمّا حدث في عهد أنطيوخس أبيفانيوس في سنة (168 – 165 ق.م).أمّا ديمتريوس المقصود في هاتين الآيتين فهو ديمتريوس الثاني الملك السلوقي (145-125 ق.م.) وهو ابن ديمتريوس الأول، استردّ عرش أبيه من الإسكندر بالاس حيث عضده فى ذلك بطليموس فيلوميتور ملك مصر، ولكن ديمتريوس الثاني هذا أساء إدارة البلاد وكان حكمه فاسداً، مما دفع بأحد قواده المقربين وُيدعى تريفون إلى المناداة بأنطيوخس الخامس ملكاً وكان ما يزال صبياً (1مكا11) وقد استمر ديمتريوس وهو بعيداً عن العرش فى محاولات متكررة لاسترداد عرشه غير أنه لم يفلح فى ذلك، بل حوصر فى النهاية فى صور من قِبل كليوباترا حيث أعدم هناك. وقد لاقى اليهود اضطهادات شديدة منه ولم تفلح المعاهدات المتعددة فيما بينه وبينهم فى اتقاء شروره، كما اتّسمت خطاباته إلى اليهود - حتى تلك المعتبرة وديّة - بالعجرفة والتعالى.
لقد كان بالفعل زمن ضيق وشدّة


إرتداد ياسون والذين معه (آيه 7):
بعد أن استولى منلاوس على رئاسة الكهنوت فرّ ياسون إلى أرض بنى عمون (4: 26) إلى حصن ابن عمومته "هركانوس الطوبى" ويرى بعض العلماء أمثال بول لاب Paul Lapp أن قصر هركانوس والذى ُيعرف الآن بـ " قصر العبد Qasr-el-Abd " كان هيكلاً وأن هناك وجه شبه بينه وبين هيكل مصر الذى شيّده حونيا الرابع (ابن شقيق ياسون)، فإذا كان هناك "هيكل انشقاقى" فى المكان المسمى "عرق الأمير" فى أرض بنى عمون فسيكون ذلك شرحاً لتمرد ياسون على الأرض المقدسة.
وقد يؤيد هذا الرأى الفكرة القائمة حينئذٍ من حيث أن هيكل أورشليم لم يصر بعد "الموضع الذى اختاره الرب" _ وذلك منذ السبي البابلي _ ومن ثم يمكن أن تنتشر هياكل عدة فى أنحاء مختلفة من البلاد، بل ربما اعتقد معارضى منلاوس فى أورشليم أن العبادة الانشقاقية فى أرض طوب هى شرعية، لاسيما وأنه يخدم فيها واحد من سلالة رؤساء الكهنة (ياسون) .
ولكن مرسلو الخطاب هنا يؤكدون على شرعية هيكل أورشليم وبالتالى فقد وقع ياسون فى خطية العصيان إذ أقام عبادة انشقاقية. وفي سفر التثنية يرد التحذير من إقامة هيكل آخر للمحرقات غير الذي يختاره الرب:" بَلِ المَكَانُ الذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ مِنْ جَمِيعِ أَسْبَاطِكُمْ لِيَضَعَ اسْمَهُ فِيهِ سُكْنَاهُ تَطْلُبُونَ وَإِلى هُنَاكَ تَأْتُونَ 6وَتُقَدِّمُونَ إِلى هُنَاكَ مُحْرَقَاتِكُمْ وَذَبَائِحَكُمْ وَعُشُورَكُمْ وَرَفَائِعَ أَيْدِيكُمْ وَنُذُورَكُمْ وَنَوَافِلكُمْ وَأَبْكَارَ بَقَرِكُمْ وَغَنَمِكُمْ " (تثنية 12: 5، 6) كما يشير سفر يشوع إلى أن إقامة مذبح للمحرقات فى عبر الأردن عمل من أعمال التمرد على الله (يشوع 22: 9-29).
فى هاتين الآيتين إشارة إلى رسالة سابقة أرسل بها يهود أورشليم إلى أقرانهم فى الإسكندرية سنة 142 ق.م. وفيها أطلعوهم على الشر الذى لحق بالأمّة من جراء ارتداد ياسون وأتباعه عن الشريعة وعن التقليد، كما سيجيئ فى (2مكا 4 : 7، 23-26 و 5: 5-7) حيث امتد خطرهم وأذاهم إلى القدس ذاته، من جهة أعمال التدمير والحرق التى شرعوا فيها(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175548#_ftn2)، مما نتج عنه تعطّل العبادة فى الهيكل.
ولقد أساء ملوك اليهود إلى بلادهم وأنزلت خطاياهم البشعة الضيقات بالشعب. راجع (إرميا 19: 4) ولاسيّما يربعام بن ناباط، والذى ُيطلق عليه "خاطئ خطاة اسرائيل" (الملوك الثاني 17: 21-23 و أخبار الأيام الثاني 13: 6). فقد أقام هياكلاً انشقاقية (منشقة) انظر (ملوك أول 12: 27-33) كما كان تمرد صدقيا على ملك بابل السبب المباشر فى كارثة يهوذا وأورشليم النهائية (الملوك الثاني 24: 20 و أخبار الأيام الثاني 36: 13-19 و إرميا 52: 3 و حزقيال 17: 15). بل ومنسّى أيضاً الذى دنّس الهيكل بأن أقام فيه مذابحاً وثنية، ووضع تمثال السارية هناك وسفك دماءً زكية كثيرة (الملوك ثانى 21: 10-17 و 24: 3 ،4).
وهكذا وعلى نفس القياس نزلت الشدائد بالبلاد بسبب تمرد ياسون.
كان العام 143 ق.م. هو أول فرصة مناسبة لدعوة يهود مصر إلى الاحتفال بعيد التدشين، حيث لم يستطع اليهود إرسال مثل هذه الرسالة في سنة 164 عقب انتصارات يهوذا المكابى، ثم انكمشت القوة العسكرية لليهود بحلول صيف 163 عقب هزيمة يهوذا المكابى، أعقب ذلك حصارهم فى الهيكل حتى يناير أو مارس 162 ق.م وبذلك كان من المستحيل إرسال خطاب عيدى إلى يهود مصر فى نوفمبر أو ديسمبر 163. وقبل انتهاء الحصار أو عند نهايته أصبح ألكيمس رئيساً للكهنة، وبسبب موالاته للسلوقيين، كان يعارض الاحتفال بذكرى الثورة المكابية. وفى سنة 150 ق.م حظى حونيا الرابع برضى بطليموس السادس، وأصبح من ثمّ زعيماً ليهود مصر حيث بدأ فى التفكير فى إقامة الهيكل الانشقاقى، ومن ثم لم يكن يهود مصر متحمسين للتعييد بعيد التدشين لهيكل أورشليم، لاسيما ولم يكن له رئيس كهنة، ولكنه ما أن تقلّد يوناثان المكابى رئاسة الكهنوت فى خريف سنة 152 (1مكا10: 21) حتى تحمس اليهود فى اليهودية للاحتفال بعيد التدشين. من جهة أخرى وعلى الصعيد المصرى فإنه بعد موت بطليموس السادس تعاطف الأونيين واليهود مع قضية شقيقته الأرملة كليوباترا الثانية، ضد شقيقها بطليموس الثامن (يورجيتيس الثاني) ورغم معاناة الفريق التابع لكليوباترا فى سنة 145 إلاّ أن قائديها اليهوديين حونيا ودوسيتيوس تمكنا من تحقيق تسوية سلمية لها، بحلول ربيع سنة 144، غير أن سلطتها تراجعت بحلول ربيع 142 ق.م وربما بلغت اليهودية أخبار تراجع مكانة راعية الأونيين (الحونيين) مما أتاح للمناهضين لهم والمتحمسين للاحتفال بالعيد أول فرصة حقيقية لإرسال خطابهم إلى يهود مصر.
وفى عجالة سريعة وعلى سبيل التذكرة بعناوين الرسالة السابقة، يشيرون كيف تضرعوا إلى الرب من أجل نجاة الهيكل واعلاء كلمة الشريعة واستئناف الخدمة والعبادة، وقد سمع الله لهم، فباشروا تقديم المحرقات والذبائح والتقدمات (1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175548#_ftn3).
وعادت المنارة الذهب من جديد لتنير بالزيت المقدس، وُشوهد خبز الوجوه فوق مائدته من جديد. وكان ايقاد السرج (خروج 27 : 20-21 و لاويين 24: 2، 3) وتقديم الخبز (خروج 25: 30 ولاويين 24: 5-9) من



(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175548#_ftnref1) kardia = كارديا: تعني أصلا قلب و هكذا في الآيات التى وردت فيها في العهد الجديد واستخدمت مرة كقاعدة للحياة الطبيعية (يملأ قلوبنا طعاما أع 14 : 17) ومرة أخرى كقاعدة للطبيعة الأخلاقية والحياة الروحية (يو 4 : 21 ، رو 9 : 2 ، 2كو2: 4).

(http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175548#_ftnref2)(1) أحرقوا الباب (آية 8): جاءت الكلمة في الأصل العبري بالجمع (الأبواب) وجاءت في اليونانية ( ton pulwna ) أي مفرد وليست مسبوقة بـ ( polh ) وهي أداة الجمع، لكنها في الأصل العبري (شعاريم = أبواب) أنظر: (1مك 4: 38).

(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175548#_ftnref3) الذبيحة والسميذ : جاءت في الأصل العبري (زِبَح و مِنحاه = الذبيحة والتقدمة)، وفي اليونانيـة ( semidalin = ذبيحة و دقيق) والسميذ Tamid هو"التقدمة اليومية المستمرة" والتى كانت تتألف من المحرقات وتقدمة الخضروات. أنظر )أخبار الأيام الثانى 13: 11 وخروج 29: 38-42 و عدد 28: 3-8. (

st-athanasios
02-21-2009, 12:21 PM
العبادة بقلب كريم ونفس راضية(آية 3):
وجاءت في اليونانية kardia megalh وهي ترجمة حرفية من الأصل العبري (بقلب كامل ونفس راضية)(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175549#_ftn1).
عندما تنحصر الصلاة فى تحريك الشفاه ورفع اليدين، فهى بذلك مازالت عند مستوى الفريسية وإتمام القانون فحسب، وأما العبادة الحقيقية فيعمل الحب كدافع خلفها. إن العبادة المقبولة هى تلك التى تأتى كتعبير عن الحب الموجود بالداخل من نحو الله مما يهبها الحرارة والفرح والسخاء!.. وبالتالى فهى ليست بدافع الخوف أو الرغبة فى العطايا أو جرياً لعادة "وأنت يا سليمان ابنى اعرف إله أبيك واعبده بقلب كامل ونفس راغبة لأن الرب يفحص جميع القلوب ويفهم كل تصورات الأفكار.. " (أخبار الأيام الأول 28: 9). ويمكننا أن نجد صدى لمضمون هذه الآية فى (تثنية 5 : 26 و إرميا 32 : 39).

القلب المفتوح على الوصية (آية 4):
إنه القلب الذى تجد فيه وصايا الرب الطريق ممهداً، تسكن فيه فتطهره وتتخذ لها فيه مكاناً، انه القلب الذى يجد فيه الله راحته قائلاً ههنا أسكن لأنّى اشتهيتها" (مزمور 132 : 14) وهو القلب الذى يوجد مستعداً دائماً ليفتح للرب حالما يطرقه فيدخل إليه وفيه يصنع منزلاً "إن أحبنى أحد يحفظ كلامى ويحبه أبى وإليه نأتى وعنده نصنع منزلاً" (يوحنا 14 : 23) وهكذا يحل السلام فى القلب. ويبدو هذا التحوّل فى المصطلح من "العينين" إلى "القلب" فى (مزمور 119: 18) والأذنين (هوشع 13: 6-8) "أشق شغاف قلبهم" ويظهر هذا الُمصطلح فى العهد الجديد فى (أعمال 16: 14) وبعض الصلوات اليهودية. وقد تحقق ذلك ليهود الإسكندرية ـ وهم أول جماعة مسيحية فى مصر - منذ حضورهم يوم الخمسين ثم بشارة القديس مرقس بينهم بالإنجيل.

المصالحة (آية 5):
يأتى تعبير يتصالح هنا ترجمة للكلمة العبرية "يغفر". والتعبيرات فى هذه الآية نجد لها شبيهاً فى: (ملوك أول 8: 30، 34، 36، 39، 49-50 ) راجع أيضاً: (أخبار الأيام الثاني ص 6). لقد تراءف الله فى ملء الزمان على البشرية الصارخة إليه عبر آلاف السنين، وتمّت المصالحة الحقيقية بدم يسوع المسيح فبعد هذا الزمان الذى تُقرأ فيه هذه الرسالة بقليل: ولد المسيح الحقيقى ليتم هذه المصالحة الفريدة، بعدما بدا أن الخصومة قد استحكمت ما بين السماء والأرض "ولكن الكل من الله الذى صالحنا لنفسه بيسوع المسيح وأعطانا خدمة المصالحة" (كورنثوس الثانية 5 : 18). وها نحن نطلب كل يوم من صلاحه ألاّ يخذلنا وألاّ يعاملنا بحسب خطايانا، وإنما بحسب بره وخيريته، وان كنّا فى احتياج إلى ذلك كل يوم فكم بالأحرى فى زمن السوء، عندما تهبط العزائم وينشب اليأس مخالبه ويشتكى الشيطان على بني الإنسان "الرب الإله إلهى معك. لا يخذلك ولا يتركك .." (1 أخ 28 : 20).


الصلاة لأجل الآخرين:
إنها وصيّة الرب نفسه "صلوا بعضكم لأجل بعض لكى ُتشفوا" (يعقوب 5 : 16) وفى العهد القديم يطلب الشعب إلى موسى أن يتوسّل إلى الرب عنهم ليرفع الحيات (العدد 21 : 7) وفى سفر صموئيل يرد: "وقال جميع الشعب لصموئيل صل عن عبيدك إلى الرب إلهك حتى لا نموت" (صموئيل الأول 12 : 19) وقد طلب الله من أصحاب أيوب أن يلتمسوا صلاته لأجلهم (أى 42 : 8).
إن محبتنا لبعضنا البعض وصلاة أحدنا عن الآخر تفرّح قلب الله فيستجيب الطلبة، بل يقول الآباء: (أنه من أجل محبة الذى لم يخطئ غفر الله للذى أخطأ) ذلك أن أحد الرهبان سقط فى خطيئة فلم يرد العودة إلى الدير إذ كان فى القرية لقضاء بعض الشئون، ولكن راهباً آخر من ديره قابله فى القرية وعرف منه ما حدث وعدم رغبتة فى العودة، فشجعه بأنه خاطئ مثله ولكنه ليس فى مثل اتضاعه لأنه أخطأ هو الآخر ولكنه لم يعترف بخطيئته كما فعل هو، وأشار عليه بالعودة معاً إلى الدير ليطرحا أمرهما قدام الشيوخ، والذين وضعوا على الاثنين قانوناً صعباً من الأصوام والميطانيات. وكان الراهب الذى لم يخطئ يقول أمام الله: يارب أنت تعرف أنه لا ذنب لى فى ذلك، ولكن احسب تعبى هذا لأخى. وقد ظهر الله لأحد الشيوخ معلناً له أن الله قبل توبة الخاطئ من أجل محبة الذى لم يخطئ.

زمن الاضطهاد (آيـة 7 ، 8):
الضيق والشدة : en th qliyei kai th akmh ، استخدم كاتب السفر هنا الاسلوب الكتابي في (صفنيا 1 : 15) : يَوْمُ ضِيقٍ وَشِدَّةٍ ، ووردت في الترجمة السبعينية (qliyiV kai anagkh) وفي الآرامية : (بعَقتا و بأولِصتانا )، و في الفولجاتا اللاتينية : (in angustiis et pressuris)، وقد أوضح العالم جريتس أن الكلمة اليونانية (akmh) من (anagkh).

كتب اليهود لإخوتهم في مصر في السنة المئة والتاسعة والستين، أي عام (144 – 143 ق.م) يتحدثون عمّا حدث في عهد أنطيوخس أبيفانيوس في سنة (168 – 165 ق.م).أمّا ديمتريوس المقصود في هاتين الآيتين فهو ديمتريوس الثاني الملك السلوقي (145-125 ق.م.) وهو ابن ديمتريوس الأول، استردّ عرش أبيه من الإسكندر بالاس حيث عضده فى ذلك بطليموس فيلوميتور ملك مصر، ولكن ديمتريوس الثاني هذا أساء إدارة البلاد وكان حكمه فاسداً، مما دفع بأحد قواده المقربين وُيدعى تريفون إلى المناداة بأنطيوخس الخامس ملكاً وكان ما يزال صبياً (1مكا11) وقد استمر ديمتريوس وهو بعيداً عن العرش فى محاولات متكررة لاسترداد عرشه غير أنه لم يفلح فى ذلك، بل حوصر فى النهاية فى صور من قِبل كليوباترا حيث أعدم هناك. وقد لاقى اليهود اضطهادات شديدة منه ولم تفلح المعاهدات المتعددة فيما بينه وبينهم فى اتقاء شروره، كما اتّسمت خطاباته إلى اليهود - حتى تلك المعتبرة وديّة - بالعجرفة والتعالى.
لقد كان بالفعل زمن ضيق وشدّة


إرتداد ياسون والذين معه (آيه 7):
بعد أن استولى منلاوس على رئاسة الكهنوت فرّ ياسون إلى أرض بنى عمون (4: 26) إلى حصن ابن عمومته "هركانوس الطوبى" ويرى بعض العلماء أمثال بول لاب Paul Lapp أن قصر هركانوس والذى ُيعرف الآن بـ " قصر العبد Qasr-el-Abd " كان هيكلاً وأن هناك وجه شبه بينه وبين هيكل مصر الذى شيّده حونيا الرابع (ابن شقيق ياسون)، فإذا كان هناك "هيكل انشقاقى" فى المكان المسمى "عرق الأمير" فى أرض بنى عمون فسيكون ذلك شرحاً لتمرد ياسون على الأرض المقدسة.
وقد يؤيد هذا الرأى الفكرة القائمة حينئذٍ من حيث أن هيكل أورشليم لم يصر بعد "الموضع الذى اختاره الرب" _ وذلك منذ السبي البابلي _ ومن ثم يمكن أن تنتشر هياكل عدة فى أنحاء مختلفة من البلاد، بل ربما اعتقد معارضى منلاوس فى أورشليم أن العبادة الانشقاقية فى أرض طوب هى شرعية، لاسيما وأنه يخدم فيها واحد من سلالة رؤساء الكهنة (ياسون) .
ولكن مرسلو الخطاب هنا يؤكدون على شرعية هيكل أورشليم وبالتالى فقد وقع ياسون فى خطية العصيان إذ أقام عبادة انشقاقية. وفي سفر التثنية يرد التحذير من إقامة هيكل آخر للمحرقات غير الذي يختاره الرب:" بَلِ المَكَانُ الذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ مِنْ جَمِيعِ أَسْبَاطِكُمْ لِيَضَعَ اسْمَهُ فِيهِ سُكْنَاهُ تَطْلُبُونَ وَإِلى هُنَاكَ تَأْتُونَ 6وَتُقَدِّمُونَ إِلى هُنَاكَ مُحْرَقَاتِكُمْ وَذَبَائِحَكُمْ وَعُشُورَكُمْ وَرَفَائِعَ أَيْدِيكُمْ وَنُذُورَكُمْ وَنَوَافِلكُمْ وَأَبْكَارَ بَقَرِكُمْ وَغَنَمِكُمْ " (تثنية 12: 5، 6) كما يشير سفر يشوع إلى أن إقامة مذبح للمحرقات فى عبر الأردن عمل من أعمال التمرد على الله (يشوع 22: 9-29).
فى هاتين الآيتين إشارة إلى رسالة سابقة أرسل بها يهود أورشليم إلى أقرانهم فى الإسكندرية سنة 142 ق.م. وفيها أطلعوهم على الشر الذى لحق بالأمّة من جراء ارتداد ياسون وأتباعه عن الشريعة وعن التقليد، كما سيجيئ فى (2مكا 4 : 7، 23-26 و 5: 5-7) حيث امتد خطرهم وأذاهم إلى القدس ذاته، من جهة أعمال التدمير والحرق التى شرعوا فيها(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175549#_ftn2)، مما نتج عنه تعطّل العبادة فى الهيكل.
ولقد أساء ملوك اليهود إلى بلادهم وأنزلت خطاياهم البشعة الضيقات بالشعب. راجع (إرميا 19: 4) ولاسيّما يربعام بن ناباط، والذى ُيطلق عليه "خاطئ خطاة اسرائيل" (الملوك الثاني 17: 21-23 و أخبار الأيام الثاني 13: 6). فقد أقام هياكلاً انشقاقية (منشقة) انظر (ملوك أول 12: 27-33) كما كان تمرد صدقيا على ملك بابل السبب المباشر فى كارثة يهوذا وأورشليم النهائية (الملوك الثاني 24: 20 و أخبار الأيام الثاني 36: 13-19 و إرميا 52: 3 و حزقيال 17: 15). بل ومنسّى أيضاً الذى دنّس الهيكل بأن أقام فيه مذابحاً وثنية، ووضع تمثال السارية هناك وسفك دماءً زكية كثيرة (الملوك ثانى 21: 10-17 و 24: 3 ،4).
وهكذا وعلى نفس القياس نزلت الشدائد بالبلاد بسبب تمرد ياسون.
كان العام 143 ق.م. هو أول فرصة مناسبة لدعوة يهود مصر إلى الاحتفال بعيد التدشين، حيث لم يستطع اليهود إرسال مثل هذه الرسالة في سنة 164 عقب انتصارات يهوذا المكابى، ثم انكمشت القوة العسكرية لليهود بحلول صيف 163 عقب هزيمة يهوذا المكابى، أعقب ذلك حصارهم فى الهيكل حتى يناير أو مارس 162 ق.م وبذلك كان من المستحيل إرسال خطاب عيدى إلى يهود مصر فى نوفمبر أو ديسمبر 163. وقبل انتهاء الحصار أو عند نهايته أصبح ألكيمس رئيساً للكهنة، وبسبب موالاته للسلوقيين، كان يعارض الاحتفال بذكرى الثورة المكابية. وفى سنة 150 ق.م حظى حونيا الرابع برضى بطليموس السادس، وأصبح من ثمّ زعيماً ليهود مصر حيث بدأ فى التفكير فى إقامة الهيكل الانشقاقى، ومن ثم لم يكن يهود مصر متحمسين للتعييد بعيد التدشين لهيكل أورشليم، لاسيما ولم يكن له رئيس كهنة، ولكنه ما أن تقلّد يوناثان المكابى رئاسة الكهنوت فى خريف سنة 152 (1مكا10: 21) حتى تحمس اليهود فى اليهودية للاحتفال بعيد التدشين. من جهة أخرى وعلى الصعيد المصرى فإنه بعد موت بطليموس السادس تعاطف الأونيين واليهود مع قضية شقيقته الأرملة كليوباترا الثانية، ضد شقيقها بطليموس الثامن (يورجيتيس الثاني) ورغم معاناة الفريق التابع لكليوباترا فى سنة 145 إلاّ أن قائديها اليهوديين حونيا ودوسيتيوس تمكنا من تحقيق تسوية سلمية لها، بحلول ربيع سنة 144، غير أن سلطتها تراجعت بحلول ربيع 142 ق.م وربما بلغت اليهودية أخبار تراجع مكانة راعية الأونيين (الحونيين) مما أتاح للمناهضين لهم والمتحمسين للاحتفال بالعيد أول فرصة حقيقية لإرسال خطابهم إلى يهود مصر.
وفى عجالة سريعة وعلى سبيل التذكرة بعناوين الرسالة السابقة، يشيرون كيف تضرعوا إلى الرب من أجل نجاة الهيكل واعلاء كلمة الشريعة واستئناف الخدمة والعبادة، وقد سمع الله لهم، فباشروا تقديم المحرقات والذبائح والتقدمات (1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175549#_ftn3).
وعادت المنارة الذهب من جديد لتنير بالزيت المقدس، وُشوهد خبز الوجوه فوق مائدته من جديد. وكان ايقاد السرج (خروج 27 : 20-21 و لاويين 24: 2، 3) وتقديم الخبز (خروج 25: 30 ولاويين 24: 5-9) من



(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175549#_ftnref1) kardia = كارديا: تعني أصلا قلب و هكذا في الآيات التى وردت فيها في العهد الجديد واستخدمت مرة كقاعدة للحياة الطبيعية (يملأ قلوبنا طعاما أع 14 : 17) ومرة أخرى كقاعدة للطبيعة الأخلاقية والحياة الروحية (يو 4 : 21 ، رو 9 : 2 ، 2كو2: 4).

(http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175549#_ftnref2)(1) أحرقوا الباب (آية 8): جاءت الكلمة في الأصل العبري بالجمع (الأبواب) وجاءت في اليونانية ( ton pulwna ) أي مفرد وليست مسبوقة بـ ( polh ) وهي أداة الجمع، لكنها في الأصل العبري (شعاريم = أبواب) أنظر: (1مك 4: 38).

(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175549#_ftnref3) الذبيحة والسميذ : جاءت في الأصل العبري (زِبَح و مِنحاه = الذبيحة والتقدمة)، وفي اليونانيـة ( semidalin = ذبيحة و دقيق) والسميذ Tamid هو"التقدمة اليومية المستمرة" والتى كانت تتألف من المحرقات وتقدمة الخضروات. أنظر )أخبار الأيام الثانى 13: 11 وخروج 29: 38-42 و عدد 28: 3-8. (

st-athanasios
02-21-2009, 12:22 PM
العبادة بقلب كريم ونفس راضية(آية 3):
وجاءت في اليونانية kardia megalh وهي ترجمة حرفية من الأصل العبري (بقلب كامل ونفس راضية)(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175550&posted=1#_ftn1).
عندما تنحصر الصلاة فى تحريك الشفاه ورفع اليدين، فهى بذلك مازالت عند مستوى الفريسية وإتمام القانون فحسب، وأما العبادة الحقيقية فيعمل الحب كدافع خلفها. إن العبادة المقبولة هى تلك التى تأتى كتعبير عن الحب الموجود بالداخل من نحو الله مما يهبها الحرارة والفرح والسخاء!.. وبالتالى فهى ليست بدافع الخوف أو الرغبة فى العطايا أو جرياً لعادة "وأنت يا سليمان ابنى اعرف إله أبيك واعبده بقلب كامل ونفس راغبة لأن الرب يفحص جميع القلوب ويفهم كل تصورات الأفكار.. " (أخبار الأيام الأول 28: 9). ويمكننا أن نجد صدى لمضمون هذه الآية فى (تثنية 5 : 26 و إرميا 32 : 39).

القلب المفتوح على الوصية (آية 4):
إنه القلب الذى تجد فيه وصايا الرب الطريق ممهداً، تسكن فيه فتطهره وتتخذ لها فيه مكاناً، انه القلب الذى يجد فيه الله راحته قائلاً ههنا أسكن لأنّى اشتهيتها" (مزمور 132 : 14) وهو القلب الذى يوجد مستعداً دائماً ليفتح للرب حالما يطرقه فيدخل إليه وفيه يصنع منزلاً "إن أحبنى أحد يحفظ كلامى ويحبه أبى وإليه نأتى وعنده نصنع منزلاً" (يوحنا 14 : 23) وهكذا يحل السلام فى القلب. ويبدو هذا التحوّل فى المصطلح من "العينين" إلى "القلب" فى (مزمور 119: 18) والأذنين (هوشع 13: 6-8) "أشق شغاف قلبهم" ويظهر هذا الُمصطلح فى العهد الجديد فى (أعمال 16: 14) وبعض الصلوات اليهودية. وقد تحقق ذلك ليهود الإسكندرية ـ وهم أول جماعة مسيحية فى مصر - منذ حضورهم يوم الخمسين ثم بشارة القديس مرقس بينهم بالإنجيل.

المصالحة (آية 5):
يأتى تعبير يتصالح هنا ترجمة للكلمة العبرية "يغفر". والتعبيرات فى هذه الآية نجد لها شبيهاً فى: (ملوك أول 8: 30، 34، 36، 39، 49-50 ) راجع أيضاً: (أخبار الأيام الثاني ص 6). لقد تراءف الله فى ملء الزمان على البشرية الصارخة إليه عبر آلاف السنين، وتمّت المصالحة الحقيقية بدم يسوع المسيح فبعد هذا الزمان الذى تُقرأ فيه هذه الرسالة بقليل: ولد المسيح الحقيقى ليتم هذه المصالحة الفريدة، بعدما بدا أن الخصومة قد استحكمت ما بين السماء والأرض "ولكن الكل من الله الذى صالحنا لنفسه بيسوع المسيح وأعطانا خدمة المصالحة" (كورنثوس الثانية 5 : 18). وها نحن نطلب كل يوم من صلاحه ألاّ يخذلنا وألاّ يعاملنا بحسب خطايانا، وإنما بحسب بره وخيريته، وان كنّا فى احتياج إلى ذلك كل يوم فكم بالأحرى فى زمن السوء، عندما تهبط العزائم وينشب اليأس مخالبه ويشتكى الشيطان على بني الإنسان "الرب الإله إلهى معك. لا يخذلك ولا يتركك .." (1 أخ 28 : 20).


الصلاة لأجل الآخرين:
إنها وصيّة الرب نفسه "صلوا بعضكم لأجل بعض لكى ُتشفوا" (يعقوب 5 : 16) وفى العهد القديم يطلب الشعب إلى موسى أن يتوسّل إلى الرب عنهم ليرفع الحيات (العدد 21 : 7) وفى سفر صموئيل يرد: "وقال جميع الشعب لصموئيل صل عن عبيدك إلى الرب إلهك حتى لا نموت" (صموئيل الأول 12 : 19) وقد طلب الله من أصحاب أيوب أن يلتمسوا صلاته لأجلهم (أى 42 : 8).
إن محبتنا لبعضنا البعض وصلاة أحدنا عن الآخر تفرّح قلب الله فيستجيب الطلبة، بل يقول الآباء: (أنه من أجل محبة الذى لم يخطئ غفر الله للذى أخطأ) ذلك أن أحد الرهبان سقط فى خطيئة فلم يرد العودة إلى الدير إذ كان فى القرية لقضاء بعض الشئون، ولكن راهباً آخر من ديره قابله فى القرية وعرف منه ما حدث وعدم رغبتة فى العودة، فشجعه بأنه خاطئ مثله ولكنه ليس فى مثل اتضاعه لأنه أخطأ هو الآخر ولكنه لم يعترف بخطيئته كما فعل هو، وأشار عليه بالعودة معاً إلى الدير ليطرحا أمرهما قدام الشيوخ، والذين وضعوا على الاثنين قانوناً صعباً من الأصوام والميطانيات. وكان الراهب الذى لم يخطئ يقول أمام الله: يارب أنت تعرف أنه لا ذنب لى فى ذلك، ولكن احسب تعبى هذا لأخى. وقد ظهر الله لأحد الشيوخ معلناً له أن الله قبل توبة الخاطئ من أجل محبة الذى لم يخطئ.

زمن الاضطهاد (آيـة 7 ، 8):
الضيق والشدة : en th qliyei kai th akmh ، استخدم كاتب السفر هنا الاسلوب الكتابي في (صفنيا 1 : 15) : يَوْمُ ضِيقٍ وَشِدَّةٍ ، ووردت في الترجمة السبعينية (qliyiV kai anagkh) وفي الآرامية : (بعَقتا و بأولِصتانا )، و في الفولجاتا اللاتينية : (in angustiis et pressuris)، وقد أوضح العالم جريتس أن الكلمة اليونانية (akmh) من (anagkh).

كتب اليهود لإخوتهم في مصر في السنة المئة والتاسعة والستين، أي عام (144 – 143 ق.م) يتحدثون عمّا حدث في عهد أنطيوخس أبيفانيوس في سنة (168 – 165 ق.م).أمّا ديمتريوس المقصود في هاتين الآيتين فهو ديمتريوس الثاني الملك السلوقي (145-125 ق.م.) وهو ابن ديمتريوس الأول، استردّ عرش أبيه من الإسكندر بالاس حيث عضده فى ذلك بطليموس فيلوميتور ملك مصر، ولكن ديمتريوس الثاني هذا أساء إدارة البلاد وكان حكمه فاسداً، مما دفع بأحد قواده المقربين وُيدعى تريفون إلى المناداة بأنطيوخس الخامس ملكاً وكان ما يزال صبياً (1مكا11) وقد استمر ديمتريوس وهو بعيداً عن العرش فى محاولات متكررة لاسترداد عرشه غير أنه لم يفلح فى ذلك، بل حوصر فى النهاية فى صور من قِبل كليوباترا حيث أعدم هناك. وقد لاقى اليهود اضطهادات شديدة منه ولم تفلح المعاهدات المتعددة فيما بينه وبينهم فى اتقاء شروره، كما اتّسمت خطاباته إلى اليهود - حتى تلك المعتبرة وديّة - بالعجرفة والتعالى.
لقد كان بالفعل زمن ضيق وشدّة


إرتداد ياسون والذين معه (آيه 7):
بعد أن استولى منلاوس على رئاسة الكهنوت فرّ ياسون إلى أرض بنى عمون (4: 26) إلى حصن ابن عمومته "هركانوس الطوبى" ويرى بعض العلماء أمثال بول لاب Paul Lapp أن قصر هركانوس والذى ُيعرف الآن بـ " قصر العبد Qasr-el-Abd " كان هيكلاً وأن هناك وجه شبه بينه وبين هيكل مصر الذى شيّده حونيا الرابع (ابن شقيق ياسون)، فإذا كان هناك "هيكل انشقاقى" فى المكان المسمى "عرق الأمير" فى أرض بنى عمون فسيكون ذلك شرحاً لتمرد ياسون على الأرض المقدسة.
وقد يؤيد هذا الرأى الفكرة القائمة حينئذٍ من حيث أن هيكل أورشليم لم يصر بعد "الموضع الذى اختاره الرب" _ وذلك منذ السبي البابلي _ ومن ثم يمكن أن تنتشر هياكل عدة فى أنحاء مختلفة من البلاد، بل ربما اعتقد معارضى منلاوس فى أورشليم أن العبادة الانشقاقية فى أرض طوب هى شرعية، لاسيما وأنه يخدم فيها واحد من سلالة رؤساء الكهنة (ياسون) .
ولكن مرسلو الخطاب هنا يؤكدون على شرعية هيكل أورشليم وبالتالى فقد وقع ياسون فى خطية العصيان إذ أقام عبادة انشقاقية. وفي سفر التثنية يرد التحذير من إقامة هيكل آخر للمحرقات غير الذي يختاره الرب:" بَلِ المَكَانُ الذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ مِنْ جَمِيعِ أَسْبَاطِكُمْ لِيَضَعَ اسْمَهُ فِيهِ سُكْنَاهُ تَطْلُبُونَ وَإِلى هُنَاكَ تَأْتُونَ 6وَتُقَدِّمُونَ إِلى هُنَاكَ مُحْرَقَاتِكُمْ وَذَبَائِحَكُمْ وَعُشُورَكُمْ وَرَفَائِعَ أَيْدِيكُمْ وَنُذُورَكُمْ وَنَوَافِلكُمْ وَأَبْكَارَ بَقَرِكُمْ وَغَنَمِكُمْ " (تثنية 12: 5، 6) كما يشير سفر يشوع إلى أن إقامة مذبح للمحرقات فى عبر الأردن عمل من أعمال التمرد على الله (يشوع 22: 9-29).
فى هاتين الآيتين إشارة إلى رسالة سابقة أرسل بها يهود أورشليم إلى أقرانهم فى الإسكندرية سنة 142 ق.م. وفيها أطلعوهم على الشر الذى لحق بالأمّة من جراء ارتداد ياسون وأتباعه عن الشريعة وعن التقليد، كما سيجيئ فى (2مكا 4 : 7، 23-26 و 5: 5-7) حيث امتد خطرهم وأذاهم إلى القدس ذاته، من جهة أعمال التدمير والحرق التى شرعوا فيها(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175550&posted=1#_ftn2)، مما نتج عنه تعطّل العبادة فى الهيكل.
ولقد أساء ملوك اليهود إلى بلادهم وأنزلت خطاياهم البشعة الضيقات بالشعب. راجع (إرميا 19: 4) ولاسيّما يربعام بن ناباط، والذى ُيطلق عليه "خاطئ خطاة اسرائيل" (الملوك الثاني 17: 21-23 و أخبار الأيام الثاني 13: 6). فقد أقام هياكلاً انشقاقية (منشقة) انظر (ملوك أول 12: 27-33) كما كان تمرد صدقيا على ملك بابل السبب المباشر فى كارثة يهوذا وأورشليم النهائية (الملوك الثاني 24: 20 و أخبار الأيام الثاني 36: 13-19 و إرميا 52: 3 و حزقيال 17: 15). بل ومنسّى أيضاً الذى دنّس الهيكل بأن أقام فيه مذابحاً وثنية، ووضع تمثال السارية هناك وسفك دماءً زكية كثيرة (الملوك ثانى 21: 10-17 و 24: 3 ،4).
وهكذا وعلى نفس القياس نزلت الشدائد بالبلاد بسبب تمرد ياسون.
كان العام 143 ق.م. هو أول فرصة مناسبة لدعوة يهود مصر إلى الاحتفال بعيد التدشين، حيث لم يستطع اليهود إرسال مثل هذه الرسالة في سنة 164 عقب انتصارات يهوذا المكابى، ثم انكمشت القوة العسكرية لليهود بحلول صيف 163 عقب هزيمة يهوذا المكابى، أعقب ذلك حصارهم فى الهيكل حتى يناير أو مارس 162 ق.م وبذلك كان من المستحيل إرسال خطاب عيدى إلى يهود مصر فى نوفمبر أو ديسمبر 163. وقبل انتهاء الحصار أو عند نهايته أصبح ألكيمس رئيساً للكهنة، وبسبب موالاته للسلوقيين، كان يعارض الاحتفال بذكرى الثورة المكابية. وفى سنة 150 ق.م حظى حونيا الرابع برضى بطليموس السادس، وأصبح من ثمّ زعيماً ليهود مصر حيث بدأ فى التفكير فى إقامة الهيكل الانشقاقى، ومن ثم لم يكن يهود مصر متحمسين للتعييد بعيد التدشين لهيكل أورشليم، لاسيما ولم يكن له رئيس كهنة، ولكنه ما أن تقلّد يوناثان المكابى رئاسة الكهنوت فى خريف سنة 152 (1مكا10: 21) حتى تحمس اليهود فى اليهودية للاحتفال بعيد التدشين. من جهة أخرى وعلى الصعيد المصرى فإنه بعد موت بطليموس السادس تعاطف الأونيين واليهود مع قضية شقيقته الأرملة كليوباترا الثانية، ضد شقيقها بطليموس الثامن (يورجيتيس الثاني) ورغم معاناة الفريق التابع لكليوباترا فى سنة 145 إلاّ أن قائديها اليهوديين حونيا ودوسيتيوس تمكنا من تحقيق تسوية سلمية لها، بحلول ربيع سنة 144، غير أن سلطتها تراجعت بحلول ربيع 142 ق.م وربما بلغت اليهودية أخبار تراجع مكانة راعية الأونيين (الحونيين) مما أتاح للمناهضين لهم والمتحمسين للاحتفال بالعيد أول فرصة حقيقية لإرسال خطابهم إلى يهود مصر.
وفى عجالة سريعة وعلى سبيل التذكرة بعناوين الرسالة السابقة، يشيرون كيف تضرعوا إلى الرب من أجل نجاة الهيكل واعلاء كلمة الشريعة واستئناف الخدمة والعبادة، وقد سمع الله لهم، فباشروا تقديم المحرقات والذبائح والتقدمات (1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175550&posted=1#_ftn3).
وعادت المنارة الذهب من جديد لتنير بالزيت المقدس، وُشوهد خبز الوجوه فوق مائدته من جديد. وكان ايقاد السرج (خروج 27 : 20-21 و لاويين 24: 2، 3) وتقديم الخبز (خروج 25: 30 ولاويين 24: 5-9) من



(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175550&posted=1#_ftnref1) kardia = كارديا: تعني أصلا قلب و هكذا في الآيات التى وردت فيها في العهد الجديد واستخدمت مرة كقاعدة للحياة الطبيعية (يملأ قلوبنا طعاما أع 14 : 17) ومرة أخرى كقاعدة للطبيعة الأخلاقية والحياة الروحية (يو 4 : 21 ، رو 9 : 2 ، 2كو2: 4).

(http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175550&posted=1#_ftnref2)(1) أحرقوا الباب (آية 8): جاءت الكلمة في الأصل العبري بالجمع (الأبواب) وجاءت في اليونانية ( ton pulwna ) أي مفرد وليست مسبوقة بـ ( polh ) وهي أداة الجمع، لكنها في الأصل العبري (شعاريم = أبواب) أنظر: (1مك 4: 38).

(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175550&posted=1#_ftnref3) الذبيحة والسميذ : جاءت في الأصل العبري (زِبَح و مِنحاه = الذبيحة والتقدمة)، وفي اليونانيـة ( semidalin = ذبيحة و دقيق) والسميذ Tamid هو"التقدمة اليومية المستمرة" والتى كانت تتألف من المحرقات وتقدمة الخضروات. أنظر )أخبار الأيام الثانى 13: 11 وخروج 29: 38-42 و عدد 28: 3-8. (

st-athanasios
02-21-2009, 12:24 PM
الطقوس الدائمة والتى ُاشير إليها أيضاً فى (أخبار الأيام الثاني 13: 11) وان كان خبز التقدمة يتغيّر كل سبت وليس يومياً (لاويين 24: 8).
أما تقديم البخور والذى لم يرد ذكره هنا والمنصوص عليه فى (خروج 30: 7، 8 و أخبار الأيام الثاني 13: 11 و 1مكا 4: 50 و 2مكا 10: 3) فيرجع السبب فيه إلى أن أنطيوخس أبيفانيوس كان قد استولى على المجامر من الهيكل سنة 169 ق.م. (1مكا 1: 21) ولكن ذلك على ما يبدو لا يعنى منع تقديم البخور. (راجع التعليق على 2مكا 2: 5 و 10: 3 و 1مكا 1: 45). هذا ويتفق ما ورد فى (1مكا 4: 50-52 مع 2مكا 10: 3) فى ترتيب مجموعة الإجراءات الطقسية : البخور، السرج، خبز التقدمة، كما يتفقان مع (الآية 8 هنا) باستثناء البخور.
ويعنى هذا ضمناً أن الله عاد فاختار هيكل أورشليم من جديد بعد رفضه عند سبى بابل فى سنة 586 ق.م. وبالتالى يؤكد يهود أورشليم فى رسالتهم هذه على أن الهيكل المركزى فى أورشليم، ومن ثم فإن الهيكل الحونى (الأونى) فى مصر ليس شرعياً، وهو الأمر الذى طلبوا المغفرة من الله ليهود مصر بسببه (آية 5).
ومن المؤكد أن حونيا (أونيا) الرابع والموالين للهيكل الذى فى لينتوبوليس Lentopolis لم يعتمدوا فقط على ما ورد فى (إشعياء 19: 18-19) بل اعتبروا اليهودية غير الآمنة، وكذلك الهيكل الذى فى أورشليم يفتقر إلى الكثير(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175551&posted=1#_ftn1) ومن ثم اعتبر حونيا هيكله فى لينتوبوليس مساوياً فى الشرعية لهيكل أورشليم (راجع تثنية 12: 8-14 و إرميا 7: 3-15 و حزقيال 24: 21 و مراثى 2: 7) بل ربما اعتبر أتباعه أن هيكلهم أكثر شرعية من هيكل أورشليم لأن فيه كرسى نسل رؤساء الكهنة الشرعيين. ولكن يهود أورشليم يؤكدون أنه بحلول زمن التطهير فى سنة 164 كان الله بالفعل قد ردّ لاسرائيل الميراث الذى لأرض الموعد (2: 4، 17).
جاء ذلك بعد الكفاح المقدس للمكابيين والذى أرغم الحكام على منح اليهود الحرية الدينية والتى من أجلها ثارت تلك الحرب، وقد تمّت أعمال التدشين فى ديسمبر (كسلو) راجع (1مكا 4 : 59).

عيد الأكواخ "أيام المظال" (آيـة 9): وقد ُسمى بهذا الاسم (أو العيد الذى يشبه الأكواخ) أو المظال، نظراً للتشابه فى مظاهر الاحتفال بين كلا العيدين، هذا ويقع عيد المظال أساساً فى أكتوبر / تشرين (10 : 6، لاويين 23 : 34 وما بعده) ففى عيد المظال توقد الشموع ثمانية أيام وهكذا عيد التجديد والذى سمى بعد ذلك عيد الأنوار، وفى عيد المظال يحملون السعف والثمار وكذلك فى عيد التجديد وغيرها من المظاهر المشتركة (كما سيجئ لاحقاً) (1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175551&posted=1#_ftn2).

هذا وتشير الرسالة الأولى (آية 2-6) إلى أن أحد الكهنة الأونيين (أتباع حونيا هو الذى أسس الهيكل المنشق فى مصر، بينما توضح الآيات (7-9) أن خطية العصيان هى خطية ياسون الأونى Jason the Oniad)) .



الرســالة الثانيــة
10فى السنة المائه والثامنة والثمانين من الذين في أورشليم واليهودية، والشيوخ ويهوذا، إلى أرسطوبولس مستشار بطليمس الملك والذي من ذريّة الكهنة المسحاء، وإلى اليهود الذين في مصر سلام وعافية.11بعد أن أنقذنا الله من أخطار جسيمة، نشكره جزيل الشكر على وقوفنا فى وجه الملك، 12فهو الذى دحر الذين قاتلونا فى المدينة المقدسة. 13فإن قائدهم ذهب إلى فارس فى جيش يقال إنه لا يقاوم فسُحقوا فى هيكل النّناية، بحيلة احتالها عليهم كهنة النّناية. 14 وذلك أنه جاء أنطيوخس ومن معه من أصدقاء إلى هناك متظاهراً بأنه يريد الزواج من الآلهة، وفى نفسه أن يأخذ الأموال على سبيل المهر. 15 كان كهنة النناية قد عرضوا الأموال، فدخل هو مع نفر يسير إلى داخل المعبد، فلما دخل أنطيوخس، أغلقوا الهيكل 16وفتحوا باباً سرياً فى السقف وصعقوا القائد راجمين إياه بالحجارة. ثم قطعوه قطعاً وحَزّوا رأسه وألقوه إلى الذين كانوا فى خارج الهيكل. 17 ففى كل شئ تبارك إلهنا الذى أسلم الكفرة إلى الموت.



هذه الرسالة والتى تبدو أقدم من السابقة بأربعين عاماً، هى دعوة للاحتفال بعيد التدشين (آية 18) والذى تم فى الخامس والعشرين من شهر ديسمبر سنة 164 ق.م، وفى هذه الرسالة يعرضون لملابسات هذا الاحتفال حتى يقف اخوتهم فى مصر على جميع ما جرى فى أورشليم من أحداث مثيرة، وكيف وقف الله معهم وعضدهم فى جهادهم لمباشرة العبادة فى الهيكل، هذا وقد أرسلت هذه الدعوة باسم يهود أورشليم واليهودية ثم مجلس السنهدريم (الشيوخ) ويهوذا المكابى والذى تدور أحداث السفر الثاني كله حول دوره هو فى الأحداث المكابية(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175551&posted=1#_ftn3).
وقد جاء تعبير "من الذين في أورشليم" في الأصل العبري ( الشعب الذي في أورشليم ) وفي اليونانية هكذا: ( oi en IeosalumoiV = من أورشليم) وجاءت في اللاتينية كالأصل العبري (populus qui est jerosalim = الشعب الذي في أورشليم). وأمّا كلمة "الشيوخ" فقد جاءت في اليونانية (gerousia) وفي اللاتينية (سيناتوس).

أرسطوبولسAristobolus : اسم يونانى معناه (خير مشير) وهو يهودي سكندري من نسل كهنوتي، وبحسب ما أورده القديس كليمندس السكندري والمؤرخ يوسابيوس، فهو أرسطوطاليا (يتبع فلسفة أرسطو)، وقد عمل كمستشار لبطليموس السادس فيلوميتور (180 ـ 145 ق.م.) قام أرسطوبولس بكتابة تفسير رمزى للتوراه وأهداه لبطليموس، ويبدو أنه كان أكبر شخصية يهودية فى مصر فى ذلك الوقت (عميد اليهود) إذ عُنونت الرسالة باسمه(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175551&posted=1#_ftn4)، وإذا كان فيلوميتور قد ملك حتى سنة 145 فإن هذه الرسالة ستكون سابقة على هذا التاريخ.

سـلام وعافيـة: لعلها المرة الأولى التى يرد فيها لفظة عافية كتحية، وقد أتت بعد ذلك فى (أعمال 15 : 19) " فنعماً ما تفعلون . . كونوا معافين" وأيضاً فى (23 : 30) " كن معافى .. " وهى التحية التى أصبحت دارجة بين الكثيرين لاسيما عامة الناس..

نهاية أنطيوخس (ote AntiokoV):
بينما يدور نقاش كبير حول هويّة الملك المقصود فى هذه الفقرة، تبرز عدة اقتراحات، فمن قائل أن المقصود هنا هو أنطيوخس الكبير الثالث، حيث يذكر له التاريخ حادثة محاولة نهب هيكل وموته بسبب ذلك، ومن قائل أنه أنطيوخس أبيفانيوس إذ أنه هو المعنِي بالرسالة وهو صاحب الدور الرئيسى فى اندلاع الثورة المكابية. والأرجح هو الرأى الأخير ويؤكد ذلك العالم "كنابينباور Knabenbauer" ويقول أن الوصف يخصّ أنطيوخس أبيفانيوس، وإن كان الكاتب يعتمد على رواية أنطيوخس الكبير لا سيما بالرجوع إلى (2مكا 9 : 2) وقد يكون فى ذلك نوع من التمويه على غرار ما حدث فى سفر الرؤيا، حيث أحسن أنطيوخس الكبير معاملة اليهود، وبالتالى فإن القراء سوف يستنتجون الشخص الآخر المقصود، بمعنى أنه: هكذا يعاقب الله كل من يناهض شعبه!.
وكان من الممكن أن تتشوّه الأنباء الأولى عن موت الملك والتى وصلت إلى أورشليم بفعل الشائعات، خاصةً فى ظل موت أنطيوخس الثالث السابق له، ويجب أن ُيؤخذ فى الاعتبار دقة التواريخ للأحداث وترتيبها وفقاً لتسلسلها الزمني، فقد توفى أنطيوخس أبيفانيوس قرب أصفهان سنة 164/163 ق.م. وأعلنت وفاته فى بابل فى الشهر التاسع من السنة البابلية

st-athanasios
02-21-2009, 12:26 PM
وكان من الممكن أن تتشوّه الأنباء الأولى عن موت الملك والتى وصلت إلى أورشليم بفعل الشائعات، خاصةً فى ظل موت أنطيوخس الثالث السابق له، ويجب أن ُيؤخذ فى الاعتبار دقة التواريخ للأحداث وترتيبها وفقاً لتسلسلها الزمني، فقد توفى أنطيوخس أبيفانيوس قرب أصفهان سنة 164/163 ق.م. وأعلنت وفاته فى بابل فى الشهر التاسع من السنة البابلية (فيما بين 20 نوفمبر و18 ديسمبر سنة 164 ق.م.، ومن المنطقى أن يكون خبر وفاته قد أعلن فى أورشليم فى وقت لاحق لإعلانه فى بابل، ومن المؤكد أيضاً أن ليسياس - الحاكم فى ذلك الوقت – وأتباعه قد حجبوا خبر موته لأسابيع.
أما عن وصول الرسالة إلى مصر، فقد كانت المسافة بين أورشليم والاسكندرية 350 ميلاً تقطع فى ظروف صعبة، وكانت العلاقات بين الإمبراطوريتين السلوقية والبطلمية سيئة خلال عام 164 ق.م. كما لم يكن من الممكن ليهود مصر أن يعبروا "أدومية" (2مكا 12: 32-37 و 1مكا 5: 58-66) كذلك لم تكن لهم وسيلة للوصول إلى أىّ من الموانئ البحرية، إذ كانت هناك عداوة بينهم وبين أهل يافا (12: 3-7) ويمنيا (12: 8، 9) وأشدود (1مكا 5: 68) والبطالمة (2مكا 6: 8). وعلى ذلك لم تكن هناك خدمة بريدية سريعة ما بين أورشليم والإسكندرية (كانت سرعة الرسول العادى تبلغ 60 كم/يوم (37.5 ميل) وبالتالى كانت الرسالة ترسل قبل موعدها بأسبوعين.

نشكره جزيل الشكر (آية 11):
الله الذى يستحق كل الشكر . . فهو سيد التاريخ، والتاريخ الكتابى يمكن تسميته: "عمل الله مع شعبه" فهو السيد المطلق، وجميع الأحداث تجرى بسماح منه وهو مع ذلك يمنح شعبه الحرية الإرادية ويستخدم كل شئ لخير شعبه، والله لا يمكن أن يترك مصير شعب أو حتى شخص فى يد أى شخص آخر أو ُقوى أخرى، لقد مات جميع المضطهِدين بينما بقيت الكنيسة وبقى الكتاب المقدس علماً وصخرة تتحطم فوقها جميع الآلات التى ُصورت ضدهما على مر التاريخ . . وجدير بأولاد الله ألاّ يستسلموا للاحباط أو يتشككوا فى تدخله، فإن خلاصه قريب . . ويؤمن الشعب أن كل ما يتعرض له من ضيق واضطهاد هو لتأديبه وسيؤول إلى خلاصه.

هيكـل الننايةNanaea :
ورد هذا الإسم في المخطوطات اليونانية هكذا (Nannaia) وهي الإلهة الفارسية أناهيت أرطاميس أو أفروديت والهيكل المقصود هنا هو هيكل "برسابوليس persepolic" وهو هيكل أشورى كان يعبد فيه إله سومري قديم يدعى "إله المحبة" ثم أطلق عليه بعد ذلك "عشتار" السورية وهي تقابل ديانا "أرطاميس" فى أفسس أو أفروديت، هذا وقد عرف الفينيقيون "عشتار" بأنها إلهة الخصب والحب، وقد سمّى الإيرانيين (الفارسيين) هذا الإله " أنوهيت" كإله للحب والجمال أيضاً، وأسماه الرومان: "فينوس" إله الحب والجمال، وعرف الهيكل فى برسابوليس خلال القرن الثاني قبل الميلاد بـهيكل " أرطاميس " (1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175552#_ftn1).
أقيم الهيكل على هضبة تسمى "بيلوس" بالقرب من ألمايس (عيلام)، وكان أنطيوخس الكبير قد خضع لجزية ثقيلة وضعها عليه الرومان ضمن شروط الصُلح عقب هزيمتهم له، ولذلك فقد قضى السنوات التالية لهزيمته باحثاً عن المال أينما وجد لتأدية تلك الجزية السنوية، فلما سمع بما فى ذلك الهيكل من كنوز ـ وهو فى نطاق مملكته ـ سعى للاستيلاء عليها، وكان الهيكل زاخراً بالفعل بالأرفف الذهبية والثياب المرصعة بالجواهر وأسلحة كثيرة تركها هناك الاسكندر للذكرى.
ولكن كنوز الهياكل والمعابد تحرسها ضمائر الناس ويتولون الدفاع عنها بكل قوتهم، ولا يسمحون بإنفاقها فى أى اتجاه، وقد تكررت مثل تلك المحاولات لنهب الهياكل أكثر من مرة فى أورشليم ذاتها، وهناك دافع القائمون على الهيكل عن كنوزه حتى الموت. ومن هنا فقد احتال كهنة هيكل النناية عليه مثلما احتال هو عليهم.
فقد حاول إقناعهم بأنه يريد مصاهرة الآلهة، وقد كانت هذه الفكرة منتشرة على نطاق واسع فى ذلك الزمان ـ لاسيما فى مصر ـ ويظهر ذلك من الألقاب التى كانت تُنسب لبعض الملوك مثل بطليموس ثيوّس (أى المؤلّه) أو كليوباترا ثيا (أى المؤلّهة)، وعندما زار الإسكندر مصر قام كهنة معبد آمون بتنصيبه ملكاً فى ذلك الهيكل باعتباره ابناً لآمون: ومن هنا أيضاً جاءت فكرة عبادة الأباطرة والملوك باعتبارهم سلالة الآلهة، ولعل السبب الحقيقى وراء ذلك، أن يفرض الملك تقدير الشعب له خوفاً من الآلهة!.

طقس زواج الملوك من الآلهة
وكان زواج ملك من إحدى الإلهات طقس له تاريخ طويل فى بلاد ما بين النهرين والمناطق المحيطة، وقد قيل عن أنطيوخس أبيفانيوس أنه تزوج على هذا المنوال فى سورية وأنه أخذ كنوز المعبد.
كان طقس تمثيلية زواج الملك من الكاهنة العظمى للإلهة إنانا (عشتار) قديم جدا جدا وكان الملك يقوم فيه بتمثيل دور الإله (دموزي) والكاهنة العظمى (للإلهة إنانا ) فإن الزواج المقدس في رأي بعض الباحثين لم يتخذ شكلا واضحا إلا في زمن الملك دموزي في حدود 2700 ق.م. رابع ملوك سلالة الوركاء الأولى .... يعتقد الأستاذ كريمر مؤلف كتاب "طقوس الزواج المقدس " أن فكرة الزواج المقدس كانت بدعة أوجدها كهنة الوركاء وذلك عندما جعلوا من ملكهم دموزي زوجا للإلهة إنانا التي كانت مركز عبادتها في مدينة الوركاء.

ولكن الزواج بين الآلهة في العقيدة الدينية لسكان وادي الرافدين كان معروفاً، وكان زواج دموزي من إنانا واحداً من الأمثلة الشهيرة له، إذ من المعروف عن سكان وادي الرافدين أنهم جعلوا لكل مدينة إلها وجعلوا له زوجة، و أنهم كانوا يحتفلون سنويا بزواج الإله من إلهة مدينتهم وذلك إيمانا منهم بأن ذلك الزواج الإلهي سيحقق ـ على غرار زواج دموزي من إنانا ـ زيادة في العطاء والخيرات في مظاهر الحياة الطبيعية. وترجع أقدم الأدلّة المكتوبة على هذا الزواج الإلهي إلى زمن كوديا (في حدود 2150 ق.م) أمير سلالة لجش الثانية، والذي يتحدّث في أحد نصوصه عن زواج ننكرسو، إله مدينة لجش من الإلهة باؤو. وهناك إشارات كذلك إلى زيجات إلهية أخرى نذكر منها زواج الإله ننا من الإلهة ننجال في أور .....، إن هذه الأمثلة وغيرها تدل بوضوح على وجوب التمييز بين نوعيين من الزواج المقدس أولهما ، ولا شك أنه الأقدم، وهو ما يمكن تسميته بالزواج الإلهي الذي يتعلق بزواج إله المدينة من إلهتها . والثاني هو صورة تقليدية للأول، وهو ما يسمى بالزواج المقدس (Heiros Gamos) والذي من خلاله يقوم الملك بدور الزوج – الإله، بينما تقوم الكاهنة بدور الزوجة – الإلهة. وُيظهر ذلك أن الزواج المقدس مع طقوس واحتفالات دينية أخرى صار في الألف الأول ق.م. جزءا من الأكيتو أي أعياد رأس السنة التي كانت تستمر
مدة 11 يوما . وكانت مراسم الزواج المقدس (الملك من الكاهنة) تقام عادة، مثل غيرها من الطقوس الدينية، في المعبد وتحت إشراف الكهنة(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175552#_ftn2).

هكذا يتضح أمامنا الآن أن حجة أخذ الأموال كانت: دفع المهر‍!! ولكن الكهنة والذين أدركوا مبكراً نيته الحقيقية فطنوا لذلك، إذ بينما بقى الجيش بالخارج دخل الملك وحاشيته، وقد جعل الكهنة فى عرض الأموال والكنوز الطُعم الذى يصطادونه به(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175552#_ftn3)، وأغلب الظن أن الملك وحاشيته قد دخلوا الحجرة (الخزينة) التى تحتوى على الكنوز والأسلحة، فلما أصبحوا داخلها، أغلق الكهنة الأبواب وصعدوا على سطحها حيث أمطروا الملك ورجاله بوابل من الأحجار، وتبعوا ذلك بقطع رأسه هو ومن معه وألقوها لرجاله من أعلى السور حتى يوقعوا الرعب فى قلوبهم . . وهكذا انتقم الله لليهود من المضطهد الشرير(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175552#_ftn4).


(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175552#_ftnref1) النّناية: هي إلهة سومرية بابلية الأصل ، لها العديد من النقوش على مختلف القطع فخارية و الخواتم وتحت صورتها كتب ( نانا – نانيا ) وهي زوجة الإله بيل في ميثولوجيا آسيا الصغرى ، ومن هذه الآية ومن مصادر عديدة أخرى نرى علاقة عيلام (ألمايس) بالإله بيل نفسه، إذ كان هيكل النناية في مدينة ألمايس المقدسة للإله بيل. راجع (بوليبيوس 31 : 2 ويوسيفوس 12 فصل 1:9). ويقدم الدكتور فاضل عبد الواحد على في كتابه عشتار و مآساة تموز (الفصل الأول صفحة 22 – 29) بحثاً قويا في أصل تسمية الإلهة نانا بهذا الإسم. وراجع أيضا: كريمر، صموئيل نوح : الأساطير السومرية 1979م.وبالنسبة للإسم الفارسي القديم أناهيت : هو إسم الإلهة عشتار (إنانا: ربة الخصب والجنس قديما)، ومازال هذا الاسم منتشراً بكثرة عند الأرمن، إذ أنهم يطلقونه على البنت الجميلة جدا.

(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175552#_ftnref2) انظر كتاب: "عشتار و مآساة تموز" للدكتور فاضل عبد الواحد على، وأيضا: " الأساطير السومرية" كريمر ، صمؤيل نوح 1979م.

(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175552#_ftnref3) كان أنطيوخس قدعمل مكيدة أيضا في هيكل الإلهة ديانا في سوريا لكي يسرق أمواله على سبيل المهر ( وهذا ما أكده جرانيوس ليسانيوس – إصدار بليسيس 1904م / الجزء الأول xxviii )

(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175552#_ftnref4) وحَزّوا رأسه: جاءت هذه الترجمة في الأصل العبري بالجمع (وحزوا رؤوسهم ) وليس (رأسه) أي رجال أبيفانيوس الذين ُقتلوا في هذا المكان لأن أبيفانس نفسه لم يقتل في هذا المكان ولكنه أصيب بشدة وكان في خطر عظيم، ونرى أنه مات في طريق عودته عندما كان يعبر النهر (1مكا 6).

st-athanasios
02-21-2009, 12:27 PM
النار المقدسة
18 إننا مزمعون أن نعيد عيد تطهير الهيكل، فى اليوم الخامس والعشرين من شهر كسلو، فرأينا من واجبنا أن نعلمكم بأن تعيدوا أنتم أيضاً عيد الأكواخ والنار التى ظهرت حين أعاد نحميا بناء الهيكل والمذبح وقدم الذبائح. 19 فإنه حين جُلِى آباؤنا إلى فارس، أخذ بعض أتقياء الكهنة من نار المذبح، وخبّأوها سراً فى جوف أشبه ببئر لا ماء فيها، وحافظوا عليها بحيث بقى المكان مجهولاً عند جميع الناس. 20 وبعد انقضاء سنين كثيرة، حين شاء الله، أرسل ملك فارس نحميا إلى هنا فأرسل سليلي الكهنة الذين خبأوا النار للبحث عنها. إلا أنهم، كما شرحوا لنا، لم يجدوا ناراً، بل ماءً خائراً. فأمرهم أن يغرفوا منه ويأتوا به. 21 ولما أحضر كل شئ للذبائح، أمر نحميا الكهنة أن يرشوا بهذا الماء الخشب وما وضع عليه. 22 فصنعوا كذلك، ولما أشرقت الشمس، بعد أن كانت حيناً محجوبة بالغيوم، اتقدت نار عظيمة، حتى تعجب جميع الحاضرين.


هذه القصة المثيرة والممتعة معاً عن تطهير الهيكل (في اليونانية: ton kaqarismon tou ierou وفي "مكا 2 :16" ton katarismon) يرويها يهود أورشليم لنظرائهم فى الإسكندرية، فى إطار إطلاعهم على الظروف المحيطة بهذا الاحتفال، أي قصة العثور على النار المقدسة من بعد مرور فترة زمنية كبيرة عندما حدث السبي البابلي، وهى النار التى ُانزلت أولاً من عند الرب لتشتعل فى الذبيحة فوق المذبح (لاويين 9: 24) حيث ظلت مشتعلة من خلال المنارة لتستخدم فى إيقاد الذبائح، ولذلك فإن أية نار تؤخذ من مكان آخر لإشعال الذبيحة أو إيقاد المنارة تعد "نار غريبة" وفى بعض المواقف التالية حين لم يكن مذبح ولا خيمة وكانت الذبيحة مقدسة للرب، فإن الرب كان يرسل ناراً من عنده، كما حدث مع ذبيحة جدعون (قضاة 6: 19 ـ 21) وكذلك داود (1 أخ 21: 26) وسليمان ( 2 أخ 7: 6) وهكذا لم يفقد الهيكل أي من امتيازاته حتى بعد كل ما تعرض له من البابليين. وتعد ظروف تدشين الهيكل بعد تدنيسه نفس الظروف الخاصة بفترة ما بعد السبى كما يظهر ذلك من سفري (حزقيال ونحميا) ويرجح أن تكون الأخبار الواردة هنا فى السفر عن نحميا واكتشاف النار، مأخوذة عن "سجلات وتذكارات نحميا" وهو كتاب تاريخي مفقود.
بالرغم من أن السبى قد تم فى عهد البابليين، فإن السفر يشير إلى مكان السبى هنا باعتباره فارس، ولا غرابة فى ذلك فإن المكان هو هو بينما تغيرت أسماء البلاد والملوك (من آشور إلى بابل إلى فارس..) ومن آشور بانيبال وسنحاريب إلى نبوخذ نصر إلى كورش المذكور هنا. كما أن منطقة بابل كانت قد دخلت ضمن الامبراطورية الفارسية بزوال ممكلة بابل، وحتى العصر الروماني كانت تلك المنطقة تعرف باسم فارس ، وهو أسلوب معروف في الكتاب المقدس إذ ُينسب الحدث أحيانا إلى اسم المنطقة الجديد، على الرغم من أن ذلك الإسم لم يكن موجودا أو معروفا أثناء الحدث، كحبرون ولوز وبيت إيل ....

ماءً خائراً (آية20): أماّ ما أخذه الكهنة الأتقياء مادة للإشعال فقد سميت نفطار فيما يشبه المواد الملتهبة، وجاءت في كتاب يوسيفون(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175553&posted=1#_ftn1) أنهم وجدوا: " ماء مشحم – ماء مزيّت " أي ماء ثقيل القوام، كثيف، غليظ. وجاءت في اليونانية (to udwr = كالنفط)، وهو ما يفسر لنا معنى الماء الثقيل القوام المشحّم. كما جاءت الكلمة في أغلب المخطوطات اليونانية الأخرى (Nefuqaei = نفطاي) وهي مأخوذة من الكلمة اليونانية (Nefqar) التي تعني نفط، (راجع التعليق على آية 36).

وهناك نص قديم منسوب إلى أونيا الرابع ُيفيد بأن إرميا النبى أمر أولئك الذين اقتيدوا إلى السبي بأن يأخذوا معهم قدراً من النار، وأنه أعطاهم نسخة من التوراة ثم حذّرهم ألاّ يغفلوا وصايا الرب وألاّ يسمحوا بأن تزوغ قلوبهم إذا ما رأوا تماثيل الذهب والفضة والزينة التى عليها، وألاّ تفارق الشريعة قلوبهم. ويذكر ذلك النص أن إرميا ما أن تلقّى الرؤية الإلهية حتى أمر بضرورة أن يأخذوا معهم الخيمة والتابوت، ثم خرج إرميا إلى الجبل الذى صعد عليه موسى ليرى أرض الموعد وهناك رأى حجرة كهفية فوضع داخلها الخيمة والتابوت ومذبح البخور، ثم سدّ مدخلها، ثم جاء بعض ممن كانوا معه ليضعوا علامات للطريق إلى تلك الحجرة ولكنهم لم يهتدوا إليها، فلما علم إرميا بذلك وبخهم بقوله "سوف يظل الموضع مجهولاً حتى يجمع الله شعبه معاً فى زمن الرحمة، وعندئذ سوف يظهر الله هذه الأشياء ثانيةً وسوف يُرى مجد الله والسحابة كما كانا يظهران فوق موسى" (1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175553&posted=1#_ftn2) .

نحميا وبناء الهيكل
المعروف أن زربابل هو الذى أعاد تدشين المذبح سنة 536 ق.م. ثم ترميم الهيكل سنة 515 ق.م. (عزرا 2: 1، 2 و 3 و 6: 14-17 وما يليه وزكريا 4: 8)(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175553&posted=1#_ftn3) أما نحميا فقد قام سنة445- 425 ق.م. بالاشتراك مع عزرا بتأسيس الجماعة اليهودية الجديدة، وأوقف منع البناء فى أورشليم بمقتضى الأوامر التى صدرت فى عهد أرتحثشتا الأول، وُيعرّف ابن سيراخ نحميا بأنه المشيّد المجيد وذلك فى سياق يوحي للقاريء الفطن بأنه يطابق نحميا بـ زربابل (سيراخ 49: 11-13) بل لقد ظن بعض يهود مصر – حيث كان سفر ابن سيراخ منتشراً بينهم فى ذلك الوقت – أن زربابل هو اسم آخر لنحميا!.
وبالرغم من وجود سجلات خاصة بنحميا والتى ُتعد "سفراً مفقوداً" يربط فيه ما بين نحميا وإعادة تدشين الهيكل، إلاّ أن نحميا ربما يكون قد اضطلع بمهمة مواصلة أعمال الترميم والتجديد فى أورشليم والهيكل، من خلال مشروعه الضخم (هلمّ نبنى أسوار أورشليم ولا نكون بعد عارا)(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175553&posted=1#_ftn4).
ولما أرسل ملك فارس وهو فى الغالب ارتحتشتا (464 ـ 424 ق.م.) نحميا، كلف هذا بدوره شيوخ الكهنة وهم أبناء وأحفاد الكهنة الذين كانوا موجودين فى عهد السبي، وعرفوا من خلال التقليد المتوارث ذلك المكان الذى خبأت فيه بعض أدوات الهيكل ومنها "النار" غير أنهم لم يجدوا سوى ماءاً متخثّراً، فأحضروا منه ورشّوه على خشب فوق المذبح، وظهرت الشمس - مكانها أيضاًَ بفعل إلهي لإتمام الطقس - لأنها كانت محتجبة خلف الغيوم لفترة، وقد أشعلت النيران فأكلت الذبائح الموضوعة، مما طمأن الشعب بأن الرب قد قبل ذبائحهم، وكان ذلك أيضاً إيذاناً ببدء استئناف الخدمة من جديد، وهكذا جاء اشتعال النار فى هذه الحالة كمعجزة إلهية " فسقطت نار الرب وأكلت المحرقة والحطب والحجارة والتراب ولحست المياه التى فى القناة " (ملوك أول 18 : 38).
كما تجدر الإشارة إلى أن اليهود يقيمون علاقة ما بين تدشين المذبح على يد زربابل وعيد الأكواخ.أمّا عن علاقة بين عيد المظال والنار مذكورة في العديد من الآيات منها "ملوك أول 8:2 " (فَاجْتَمَعَ إِلَى الْمَلِكِ سُلَيْمَانَ جَمِيعُ رِجَالِ إِسْرَائِيلَ فِي الْعِيدِ فِي شَهْرِ أَيْثَانِيمَ. هُوَ الشَّهْرُ السَّابِعُ) وفي " أخبار الأيام الثاني 1:7" (وَلَمَّا انْتَهَى سُلَيْمَانُ مِنَ الصَّلاَةِ نَزَلَتِ النَّارُ مِنَ السَّمَاءِ وَأَكَلَتِ الْمُحْرَقَةَ وَالذَّبَائِحَ وَمَلأَ مَجْدُ الرَّبِّ الْبَيْتَ).

صلاة نحميا

23وعند إحراق الذبيحة، كان الكهنة يصلون، فكان الكهنة مع يوناتان يبدأون، والباقون يجيبون مثل نحميا. 24صلاة نحميا: أيها الرب، الرب الإله، خالق الكل، المرهوب القوى العادل الرحيم، يا من هو وحده الملك والصالح، 25يا من هو وحده الكريم، وحده العادل القدير الأزلى، يا من يخلص إسرائيل من كل شر، يا من جعل من آبائنا مختاريه وقدسهم، 26تقبل هذه الذبيحة من أجل كل شعبك إسرائيل، واحفظ ميراثك وقدسه، 27وأجمع شتاتنا واعتق المستعبدين عند الأمم، وانظر إلى المحتقرين



(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175553&posted=1#_ftnref1) كما ورد في أعمال جينزبورج/ باب الكهنة 48.
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175553&posted=1#_ftnref2) Jonathan A. Goldsten, II Macc., p. 156
(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175553&posted=1#_ftnref3) يرد فى سفر عزرا الأول (سفر غير قانونى) كيف استطاع زربابل إنهاء إعاقة بناء الهيكل، وذكر كاتب السفر أن زربابل وأتباعه قد نفذوا فى عهد داريوس، أوامر كورش التى لم تكن قد نفذت حتى ذلك الوقت، ويورد ما جاء فى عزرا 2: 1- 4: 5، 4: 24 إلى عهد داريوس (أنظر عزرا (أسدراس) الأول 5: 7-71) راجع Jonathan A. Goldcten, II Macc. P. 175 . يلاحظ أيضاً أنه قد ورد ذكر شخص إسمه نحميا معاصر لزربابل فى سفر عزرا الأول 5: 8 (راجع عزرا 2: 2 و نحميا 7: 7) وهو غير نحميا المعروف لنا (لمرجع السابق).
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175553&posted=1#_ftnref4) حين أعاد نحميا بناء: جاءت في اليونانية (oikodomhsaV = عندما بنى)، وورد نفس الشيء عن يهوذا المكابي: "بنوا على جبل صهيون" (1مكا 4:6) حيث جاءت في النسخ اليوناني (wkodomhsan) .

st-athanasios
02-21-2009, 12:44 PM
23وعند إحراق الذبيحة، كان الكهنة يصلون، فكان الكهنة مع يوناتان يبدأون، والباقون يجيبون مثل نحميا. 24صلاة نحميا: أيها الرب، الرب الإله، خالق الكل، المرهوب القوى العادل الرحيم، يا من هو وحده الملك والصالح، 25يا من هو وحده الكريم، وحده العادل القدير الأزلى، يا من يخلص إسرائيل من كل شر، يا من جعل من آبائنا مختاريه وقدسهم، 26تقبل هذه الذبيحة من أجل كل شعبك إسرائيل، واحفظ ميراثك وقدسه، 27وأجمع شتاتنا واعتق المستعبدين عند الأمم، وانظر إلى المحتقرين والممقوتين، ولتعلم الأمم أنك إلهنا، 28وعذِّب الظالمين والشاتمين بوقاحة، 29وأغرس شعبك فى مكانك المقدس، كما قال موسى.



يبدو لنا من السياق أن هذه الصلاة رتّبها نحميا، بينما يرتّلها الُمحتفلون هنا بالتبادل (أنتيفونال) وهى واحدة من خدمات التسبيح فى الهيكل حيث كان الكثير من فقرات التسبيح تتم بالمبادلة.. (مثل مرد المزمور: لأن إلى الأبد رحمته) وقد مثل الفريق الأول يوناثان الكاهن ومعه بقية الكهنة، بينما كان الفريق الثاني هو نحميا وبقية المصلين، ويجدر بالذكر أن هناك اثنان باسم يوناثان فى عهد نحميا الأول هو يوناثان بن مليكو (نحميا12: 14) وهو المقصود هنا، والآخر هو يوناثان بن شمعيا وهو أحد نافخي الأبواق (نحميا 12 : 35)(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175554#_ftn1).
غير أن بعض المفسرين يرون أن يوناتان المقصود هنا هو شخص معاصر ليهوذا المكابي، وأن خدمة التسبيح المذكورة هنا بالتالي هي التي تمّت خلال احتفالات التدشين، وكانت على طقس التسبيح الذي تمّ في أيام نحميا، لأن "مثل نحميا" لا تعني أنه كان في أيامه بل أنهم ساروا على نفس ترتيب نحميا الذي وضعه، إذ جاء تعبير "مثل نحميا" في الأصل العبري: " كما صنع نحميا" وهذا مذكور في حانوكا حوما (كتاب طقسي يهودي عن عيد الحانوكا)، وفي التلمود الأورشليمي أيضا: أن نحميا أوقف خورسان عظيمان يجيبان بعضهم بعضا بهذا النشيد (نحميا 12: 27 – 31). بل قال رابي كاهانا في تفسيره لهذا الجزء من السفر أن المقصود هنا هو يوناتان أخو يهوذا، لأنه كان يقوم بدور الكاهن الأعظم، ولكنه بالطبع ليس يوناتان المكابي لأنه لم يكن حتى ذلك الوقت قد أصبح رئيس كهنة بعد.

أيها الرب الرب الإله خالق الكل:
تأكيد على وحدانية الله، أو استخدام أداة التعريف هنا تفيد أنه هو الإله الوحيد والرب الوحيد، و قد قيل ذلك فى وقت كانت تنتشر فيه عبادات وثنية كثيرة وآلهة من الأصنام (راجع إرميا 10: 16 و 51: 19 و إشعياء 45: 9). إنهم هنا يؤكدون ولاءهم لله وإيمانهم به.
من الطريف أن نذكر هنا أن الصيغة التكرارية الرب الرب .. (خروج 34: 6، 7 و متى 7: 21، 22 ولوقا 6: 46) والتى تأتى للتأكيد والترجّي .. استخدمها الفريسيون فى أيام المسيح على نحو ترديد الكلام باطلاً، مما استوجب توبيخهم من الرب باعتبار أن ذلك لن يكفى لدخول الملكوت، كما استخدمت بكثرة فى صلوات يوم الكفارة. ومن هنا ُتصلي الكنيسة فى مدخل الأجبية: "ابشويس ناى نان . ابشويس ناى نان .. يارب ارحم . يارب ارحم" أى أنها تلتمس الملكوت من خلال رحمة الرب لا البر الذاتي .. !!

المرهوب القوى العادل الرحيم:
هذا التعبير الموسيقى المبهج يعكس تكامل صفات الله الذى نعبده، فهو قوى مثلما هو رحيم، وهو لا يستخدم قوته بالبطش بالناس، فهو رحيم بهم من أجل عدله استخدم رحمته وهذه الصفات الأربع موجودة فى صلاة نحميا (9: 31-33) راجع أيضاً: (تثنية 10: 17 و إرميا 32: 18)
بل لقد تغلبت رحمته على عدله والحديث معه بدالة، بل أن رهبته وقوته هى لتهذيبنا وخيرنا، وفى المقابل لدفع شر الأشرار عنا. وفى ذلك إشارة غير مباشرة إلى المضطهِد القاسي الذى يدّعى الألوهية: أنطيوخس أبيفانيوس ثيوس (أى المؤلّه) وكم كان عنيفاً مرعباً للشعب، بينما ترفق الله بهم. وتؤكد هذه الفكرة الآية التالية " يا من هو وحده الملك والصالح" فهو صالح بقدر ما هو مالك الكل (كل أحد وكل شئ) ولم يمنعه سلطانه كملك من إفاضة الحب وممارسة الصلاح، بل أن الصلاح هو صفة لملكه فهو الملك الصالح.

هو وحده الكريم: فهو يعطى بسخاء ولا يعيّر، وهو يتميز بهذه الفضيلة وحده بشكل مطلق، كما أن عطاياه لا تتوقف على بر الشعب أو شره، بل يعطى على أساس تحننه وصلاحه، كما أن خطايانا مهما بلغت فإنها لن تقدر أن تحجب عنا عطاياه ومراحمه.

يخلص اسرائيل من كل شر: ليس لنا خلاص إلاّ به، فإنه وحتى الانتصارات التى حققها المكابيين فى مطلع جهادهم، كانت بمؤازرة الله وليس بقوتهم الجسدية أو حكمتهم البشرية فقط، كانت الحرب مقدسة لأنها تهدف إلى العودة إلى العمل بالشريعة وممارسة الليتورجية، فى حين أخفق المكابيون بعد ذلك مراراً عندما انحرف الركب عن هدفه. لقد اختار الله أصفيائه من اليهود وجعل من جدودهم نواة لشعب دون غيرهم من الأمم، راجع: (تكوين 48: 16) ومازال اليهود يفتخرون بهذا الامتياز، وإن كانوا قد فقدوه برفضهم للمسيح المخلّص صالبين إياه.

اختيار الآباء وتقديسهم: يقصد بالتقديس هنا التخصيص لله، راجع: (إشعياء 41: 8 و 44: 1، 2 و نحميا 9: 7) كما يعني تخلصهم من المؤثرات الوثنية، ويتنبأ حزقيال النبى بأن الناس سوف يتقدسون ثانية، راجع: (حزقيال 20: 12 و 37: 8 و خروج 31: 13 و لاويين 20: 8 و 22: 32 و إرميا 2: 3) .

ولتكن الذبيحة مقبولة (آية 26): هكذا نصلى مراراً فى القداس الإلهي خلال الصلوات السرية " لتكن ذبيحتنا مقبولة أمامك . . عن خطاياي وعن شعبك..." إن قيمة الذبيحة المقدمة، لا فى ثمنها أو نوعها وإنما قيمتها الحقيقية مكتسبة من قبول الله لها، فقد رفض الله الكثير من الذبائح لأنها لم تقدم باتضاع وقلب نقى، كما لم تعبّر عن حب وخضوع حقيقى لله باتضاع.

احفظ ميراثك وقدسه: إن الميراث الحقيقى للشعب، نصيبي هو الرب قالت نفسى . . إسرائيل هو نصيب الرب . . والتقديس هنا يعني التنقية والتبرير بقدر ما يعنى التخصيص . . أى ليكن الشعب هو "خاصة الله".

الشتات والعتق (آية 27): يطلب اليهود هنا عن اخوتهم المتبعدين عند الأمم(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175554#_ftn2) وقد بدأ شتات اليهود منذ السبى الأشوري واشتد في عهد نبوخذ نصر ثم وصل إلى ذروته فى سنة 70م. تحقيقاً لنبوة المسيح حتى أنه يندر أن توجد دولة لم يصل إليها اليهود فى شتاتهم، وناهيك عن تشتتهم فقد لاقوا آلاماً واضطهادات لا توصف فى أكثر الأماكن التى استقروا فيها بقدر ما سبّبوا لتلك البلاد من متاعب، والصفات الثلاث الواردة فى الآية (الاستعباد - الاحتقار - المقت) واردة فى: (إشعياء 49: 7) وفى أقدم وثيقة ليتورجية صلّى اليهود قائلين: وكما كان هذا الخبز قمحاً مبعثراً على التلال والجبال ثم جُمع فى واحد هكذا اجمع شتات شعبك . ." والآن تضم إسرائيل ثلث عدد يهود العالم ويتبقى الثلثين خارج إسرائيل إذ يصل العدد الكلى خمسة عشر مليوناً، راجع (تثنية 30 : 11 و نحميا 1 : 5 ،8 و مزمور 147: و إشعياء 49 : 6).

وتشير (الآية 28) إلى الذين تفوّهوا على الموضع المقدس مثل أنطيوخس أبيفانيوس ثم نكانور، وغيرهم من الجنود السلوقيين الذين أقاموا فى "قلعة عكره". وعندما يطلب اليهود هنا العذاب لأولئك المجدفين فإن ذلك مرتبط بالنهاية الرهيبة التى لحقت بأنطيوخس.. فليكن كأنطيوخس جميع أعداء اليهود " فليكن كنابال أعداؤك والذين يطلبون الشر لسيدى" (1صم 25 : 26) أنظر أيضاً (إشعياء 49: 25، 26 وقارن مع 29: 5 وإرميـا 50: 33).

إغرس شعبك فى مكانك المقدس: طلبة تقليدية فى صلوات اليهود من قديم الزمن، إنها شهوة قلوبهم على مرّ الوقت، وكان موسى النبي قد طلبها من الرب عقب عبور البحر الأحمر ونجاة الشعب من العبودية المرة، وكما رفعهم (نزعهم) من أرض الغربة والشقاء فليغرسهم فى جبل قدسه " ..تجيء بهم وتغرسهم فى جبل ميراثك المكان الذى صنعته يارب لمسكنك المقدس الذى هيأته يداك يارب" (خروج 15: 17) وها نحن نصلي كل يوم.. كما رتبت الكنيسة والتى التقطت هذه الآية منذ البداية لتجعلها ضمن التسبحة اليومية.. فنصلي أن يغرسنا الله فى مسكنه المقدس هنا كنيسته، وأخيراً فى أورشليم السمائية(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175554#_ftn3).

بئر النفطار يتحول الى مزار سياحى

30 وكان الكهنة يرنمون بالأناشيد. 31 ولما أحرقت الذبيحة، أمر نحميا بأن يريقوا ما بقى من الماء على حجارة كبيرة. 32 فلما فعلوا، اتقد لهيب امتصه النور المماثل المنبعث من المذبح. 33 فشاع ذلك وأخبر ملك فارس أن المكان الذى خبأ فيه الكهنة النار حين جلائهم قد ظهر فيه ماء طهر به نحميا والذين معه تقادم الذبيحة، 34 فسيجه الملك بعد التحقيق وجعله مقدساً. 35وأعطى الملك الذين سلمهم إياه نصيباً من الدخل الذى كان يجنيه منه. 36 وسمى نحميا والذين معه هـذا السائل "نفطـار" أى تطهير. ولكنه يعرف عند كثيريـن بالنفـط.

مازال الكهنة هنا يسبحون فى غمرة من الفرح والرضى وجو من العاطفة الروحية الجياشة، وفى أثناء ذلك أمر نحميا بسكب ما تبقّى من الماء الذى أخذوه من البئر ليسكبوه فوق حجارة كبيرة فى القدس، وعند ذلك إذا بنار عظيمة تتقد ولكن النور المنبعث من نار المذبح طغى عليها! هكذا يخطف المذبح والذبيحة الأضواء والاهتمام، ولعل فى ذلك إشارة وتعليم هام حول ضرورة الانتباه إلى الذبيحة والالتفات إليها وعدم الانشغال بشئ آخر حتى ولو كان ظهوراً أو نوراً.. حيث كثيراً ما ينشغل المصلى بأشياء أخرى غير الذبيحة.
أما الملك (وهو فى الغالب ارتحثشتا) والذى سمع بُاعجوبة البئر والماء المعجزى، أرسل ليتحقق الأمر فلما تحقّق تعجب لذلك وأمر بإقامة سياج حول البئر ليجعل منه مزاراً ويضع له رسوماً للزيارة والتبرك بحيث يوهبون القائمون عليه من الحراس نسبة من الدخل بينما يورّد الباقى (أغلب الظن) إلى الملك فى فارس. ولا شك أن الملك والذى كان يعرف عبادة النار والتى كانت منتشرة فى أكثر من مكان (لاسيّما لدى الفرس)، كانت مثل هذه البئر والماء المعجزى الذى فى باطنه كفيلة بأن تبهره.

نفطـار: Nephthar , Naphtha وفي اليونانية (Nefqar):
يتحدث سترابو المؤرخ عن سائل يدعى نفثا إذا قرب من النار اشتعل، وأصل الكلمة "ظلمة"، وربما كانت فارسية الأصل، كما تدعى أيضاً "نفطار" حسبما يرد فى النص هنا (أسموه نفطار أى تطهير).
وهكذا وبحسب ما ورد فى هذا النص، فإن الاسم الشائع للبترول وهو النفط هو عبرى الأصل ُعرف من واقعة نحميا العجيبة، فإن نفطـار جاءت في العبرية ( نطهار = ُمطهّر - تطهير) وهكذا هي في المدراش إذ يكتب بجانبه (kaqarismoV) أي (المّطَهِر)، وهناك الكلمة الأكادية Naptu والتى تحوّلت فى العبرية إلى نفط Nepht وفى الأرامية نفتا Nephta أو Naphta أو(جونفطار)، وكتبت أحيانا (نفطاي). والمعنى الحرفي للكلمة هو "طليق" أو "أعلن ُخلوه من أى التزام" ومنها جاء المعنى "طاهر أو تطهير"(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175554#_ftn4).
ولم تكن هذه هي المرة الأولى التى ُيكتشف فيها النفط، بل لقد ُعرف البترول عند السامريين والبابليين والمصريين وذلك بحلول عام 2000 ق.م.



(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175554#_ftnref1) ظن البعض أن المقصود هنا هو متنيا بن زبدى بن آساف (كاتب المزامير) وأنه كان مرتلاً فى الهيكل، لاسيما وأن معنى إسم يوناثان هو "الرب أعطى" فى حين أن معنى اسم متنيا هو "عطية الرب"! وبذلك يرى أن الإسمان هما لشخص واحد : Jonathan A. Goldsten, II Macc. P. 178
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175554#_ftnref2) جاء التعبير" المستعبدين عند الأمم" )آية 27( في النسـخ اليونانيـة (en toiV eqnesin) وهي تورية ذات معنيين 1- الموجودين كعبيد في أراضي الأمم 2- الذين يعبدون آلهة الأمم، وفي المخطوطة اللاتينية L جاءت هكذا : qui serviunt gentilus contemnetntibus et abominandis )respice) وفي بعض النسخ اليونانية جاءت هكذا : oiV ezouqenousai kai bdeluktoiV).
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175554#_ftnref3) مثل هذه الصيغ من الصلوات كانت مستخدمة بالفعل فى الطقوس اليومية بأورشليم.
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175554#_ftnref4) Jonathan A. Goldstain, II Macc. P. 181

st-athanasios
02-21-2009, 12:48 PM
الاصحاح الثانى

تدشين الهيكل امتداد لعمل سليمان وأرميا ونحميا
يورد هذا الأصحاح وثيقة هامة عن وجود مكتبة للأسفار فى عهد المكابيين، قام يهوذا المكابى بجمعها على غرار ما فعله نحميا المصلح العظيم، ذلك على الرغم من تدمير رجال أنطيوخس ابيفانيوس للكثير من الأسفار والكتب فى سعيهم إلى أغرقة اليهودية، والاقتباس الوارد هنا من تلك الأسفار أو السجلات يتعلق بعناصر الهيكل الرئيسية، وقد أورده يهود أورشليم فى سياق شرح خلفية الاحتفال بعيد التدشين .

السجلات


1 جاء فى السجلات أن إرميا النبى أمر أهل الجلاء أن يأخذوا ناراً، كما ذُكر، 2 وأن النبى أوصى أهل الجلاء بعد أن أعطاهم الشريعة، أن لا ينسوا وصايا الرب وأن لا يضلوا فى أفكارهم، إذا رأوا تماثيل الذهب والفضة وما عليها من الزينة. 3ومما حثهم عليه أن لا يدعوا الشريعة تبتعد عن قلوبهم.



تأتى كلاً من كلمة السجلات (آية1) والكتابة (آية 4) بمعنى نص وفى ترجمة يونانية قديمة (دانيال 21:10) تأتى بمعنى "وثيقة سماوية هامة" كما تأتى كلمة Graphe بمعنى "الكتاب المقدس"(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175556#_ftn1)
وأما كلمة جاء أو وجد (آية 1) فتأتى فى العبرية والآرامية والتوارة اليونانية بمعنى التأكد من واقعة من خلال الوثائق (نحميا1:13 و استير 2:6 و دانيال 1:12 ) وفى النصوص الكلاسيكية القديمة استخدمت كثيراً العبارة "وجدنا أنه مكتوب"(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175556#_ftn2).

ُفقد العديد من الأسفار والكتب الوثائقية الهامة، خلال عملية تدمير أورشليم وسبى شعبها، بل أن الاحتفاظ بأحد الأسفار كان يعد جريمة يُعاقَب عليها بالموت، ونقرأ فى الأسفار التاريخية للعهد القديم إشارات عديدة إلى أسفار أصبحت مفقودة، مثل سفر ياشر وسفر عدو، وسفر أخبار حروب إسرائيل ويهوذا، وغيرها. وفى السفر الأول للمكابيين نقرأ عن كتاب أخبار يهوذا وكتاب آخر عن يوحنا هركانوس رئيس الكهنة (1مكا 16: 23). غير أن بعض الرقوق والأدراج القديمة احتفظت لنا ببعض من تلك الأسفار، ولكن تلك الكتب المفقودة وان لم تكن كتبًا ُموحى بها من الله، لأن الله يحفظ كلمته من الزوال (السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول) إلا أنها ُتعد مرجعاً هاماً للتاريخ اليهودي القديم والأدب الرؤيوي، مثل تلك التي ُعثر عليها فى مغائر قمران ومجمع عزرا فى القاهرة: الجنيزا (2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175556#_ftn3) وكذلك تلك البرديات التى ُعثر عليها فى آثار مستعمرة إلفنتين فى أسوان بمصر.


وصايا الـرب :
كان من المتوقع أن يتأثّر اليهود فى السبى بالعبادات الوثنية هناك لسببين: أولهما بُعدهما عن الهيكل ومراكز التعليم وندرة وجود الأسفار المقدسة، وثانيهما هو الضغط العقيدى الوثنى الذى سيتعرضون له هناك من البابليين لمحو هويتهم الدينية وبالتالى القومية، فقد كانت سياسة تلك البلاد هى تشتيت المسبيين داخل بابل نفسها لمنع التكتلات الدينية أو العرقية، وبذلك يسهل صهرهم فى بوتقة بابل بما فيها من ثقافة ولغة ودين. ولكن اليهود والذين كانوا يشكلون نسبة كبيرة كوّنوا جاليات ضخمة متماسكة لها شرائعها ومحاكمها وتقاليدها، ومع الوقت منح لهم الحكام المزيد من الحقوق بما لا يتعارض مع قانون البلاد، ويلاحظ ذلك من خلال قصة سوسنة الواردة فى تتمة سفر دانيال، حيث حاكم اليهود هناك سوسنة داخل بابل نفسها بقوانينهم هم وذلك من خلال الشيوخ المنتَخبون من بينهم.
لذلك كان لزاماً على إرميا النبى أن يحذّر الشعب ـ قبل وقوع السبي ـ إلى ضرورة التمسك بكلمة الله وهى كفيلة بحفظهم من الانحرافات هناك وتربطهم بالله فتمنحهم التعزية فى زمن الغربة، وسراج يضيء لهم ظلام تلك السنين الآتية عليهم هم وأولادهم. انظر (باروخ6:1، 7—10).

الأصنـام :
كانت عبادة الأصنام راسخة فى بابل ولها قوانينها ولها مدافعون عنها ولهم بدورهم فلسفتهم، بل ولها من يكرز بها أيضاً، ومن بين المخاطر التى يتعرض لها الغرباء هناك هو ما يبدو لتلك الأوثان من مصداقية وذلك بسبب الاحتفالات الصاخبة الكثيرة التى تقام لها، وكذلك كثرة الذبائح والهدايا والأموال التى توهب لها، ليس من عامة الناس فحسب بل ومن الملوك والأمراء أنفسهم، إضافة إلى التماثيل البديعة لتلك الآلهة والأحجار الكريمة المرصعة بها، ليس كل ذلك فحسب، بل وتعرّض الغرباء هناك إلى الضغط والاضطهاد للاشتراك فى العبادة، وإلاّ ُاعتبروا مناهضين للدولة ولحكامها، ليس بسبب صعوبة الفصل بين الدين والدولة فى ذلك الوقت، بل وكثيراً ما كانت هناك أشكال من عبادة الملك ذاته!!. وبالتالى فمن يرفض الاشتراك فهو مناهض للملك شخصياً كما كان يحدث مع المسيحيين.

إخفاء الأدوات


4 وجاء فى هذه الكتابة أن النبيّ، بمقتضى وحى صار إليه، أمر أن يُذهَب معه بالخيمة والتابوت، عندما خرج إلى الجبل الذى صعد إليه موسى ورأى ميراث الله. 5 ولما وصل إرميا، وجد مسكناً بشكل مغارة، فأدخل إليه الخيمة والتابوت ومذبح البخور، ثم سَدّ الباب. 6فأقبل فى وقت لاحق بعض من كانوا معه ليضعوا علامة فى الطريق، فلم يستطيعوا أن يجدوه. 7 فلما علم بذلك إرميا، لامهم وقال: "إن هذا المكان سيبقى مجهولاً، إلى أن يجمع الله شمل شعبه ويرحمهم.



بمقتضى وحى صار إليه: جاءت في اليونانية: ( crhmatismou genh qentoV autw = كان الكلام من السماء).
أفادت بعض الأسفار والسجلات ما يفيد اخفاء أدوات الخدمة الهيكيلية قبيل استيلاء البابليين على أورشليم، وقد ورد فى كتاب غير قانونى ُيدعى "مراثى إرميا" (1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175556#_ftn4) ما يلى: "حسناً يارب نحن نعلم الآن أنك ستسلم المدينة إلى أيدى أعدائها وأنهم سيقودون الشعب إلى بابل، فماذا نفعل بأشيائك المقدسة الخاصة بعبادتك. ماذا تريد أن نفعل بها. فأجاب الرب: "خذها واعهد بها إلى الأرض والمذبح قائلاً: "إسمعى أيتها الأرض صوت الذى خلقك فى وفرة المياه والذى ختمك بسبعة أختام فى سبعة أوقات، والتى بعد ذلك ستحصلين على حليتك، احفظى أدوات العبادة فى حضور المحبوب" . . . ودخل إرميا وباروخ إلى الهيكل وعهد للأرض بآنية العبادة كما كان الرب قد طلب منهما وسرعان ما ابتلعتها الأرض. عندها جلس الاثنان وبكيا (أصحاح 3: 7-8 ، 14).
وبعد أن أخذ إرميا مفاتيح الهيكل خرج من المدينة ورماها فى وجه الشمس قائلاً "اننى أقول لك أيتها الشمس خذى مفاتيح هيكل الله واحفظيها إلى اليوم الذى يسألك عنها الرب لأننا لم نكن أهلاً للاحتفاظ بها، فقد كنا حراساً غير مخلصين (أصحاح4: 3،4).
كما يرد فى نبوة باروخ (كتاب باروخ الثانى)( (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175556#_ftn5)1): "لأننى (الملاك) مرسل لكى أعطى أولاً للأرض أمراً وأنقل لها ما أمرنى به الرب العلى، ورأيته ينزل فى قدس الأقداس ويأخذ منه الوشاح والأفود المقدس ومائدة تابوت العهد والطاولتين وثياب الكهنة المقدسة ومذبح العطور (البخور) والثمانية وأربعين حجراً ثميناً التى يرتديها الكاهن وكافة الآنية المقدسة فى الخيمة، وصرخ فى الأرض بصوت عظيم: "أيتها الأرض. أيتها الأرض. أيتها الأرض: إسمعى كلام الله القدير وتلقى الأشياء التى عهد بها إليك واحفظيها حتى الدهور الأخيرة لتعيديها عندما تتلقين أمراً بذلك، حتى لا



(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175556#_ftnref1) Jonathan Goldsten II Macc /P.182
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175556#_ftnref2) في بعض الترجمات اللاتينية ُيذكر اسم إرميا بأكثر وضوح هكذا (Invemtur autem in de************************************************ ************************************************io nibus iussit Jeremiate prophetae quod …. ) وجاءت في النسخ الآرامية هكذا : (مشتكَح دين بِختافاه دِه إرميا نافيا دِه فقد).
(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175556#_ftnref3) الجنيزا هي المكان الذي كانت ُتدفن فيه الأسفار التي أصابها تلف، إذ لم يكن من الممكن اعدامها.
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175556#_ftnref4) مخطوطات البحر الميت، التوراه / ُكتب ما بين العهدين. الجزء الثالث.ص 606، 706 - تحقيق جان ريو، اصدار دار الطليعة الجديدة.
( (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175556#_ftnref5)1) كتاب غير قانوني: المرجع السابق ص 383 .

st-athanasios
02-21-2009, 12:52 PM
كما يرد فى نبوة باروخ (كتاب باروخ الثانى)( (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175557#_ftn1)1): "لأننى (الملاك) مرسل لكى أعطى أولاً للأرض أمراً وأنقل لها ما أمرنى به الرب العلى، ورأيته ينزل فى قدس الأقداس ويأخذ منه الوشاح والأفود المقدس ومائدة تابوت العهد والطاولتين وثياب الكهنة المقدسة ومذبح العطور (البخور) والثمانية وأربعين حجراً ثميناً التى يرتديها الكاهن وكافة الآنية المقدسة فى الخيمة، وصرخ فى الأرض بصوت عظيم: "أيتها الأرض. أيتها الأرض. أيتها الأرض: إسمعى كلام الله القدير وتلقى الأشياء التى عهد بها إليك واحفظيها حتى الدهور الأخيرة لتعيديها عندما تتلقين أمراً بذلك، حتى لا يستولى عليها الغرباء، لأن الوقت الذى ستسلم فيه أورشليم لوقت معين حتى يقال أنها رحمت إلى الأبد. وفتحت الأرض فاها وابتلعتها " (أصحاح 4: 6-10).
ويقصد فى الآية الرابعة ـ من سفر المكابيين هنا ـ بالخيمة والتابوت محتوياتهما من الأدوات الموجودة داخل التابوت، والأخرى المستخدمة فى الخدمة بالخيمة، وأن الخيمة نفسها قد ألغيت منذ بنى سليمان الهيكل.

رحله تابوت العهد (1)
كان التابوت والذى صنع من خشب السنط وغُشىّ بالذهب، يحوى لوحى الشريعة (خروج 34 : 28 ،29) ثم قسط المن (خروج 16: 33 ،34) ثم عصا هرون (عد 17: 8-10) وغطى التابوت بغطاء ُسمى كرسى الرحمة وهو مصنوع من الذهب ويسمى أيضاً مكان الكفارة، يظلله كاروبيمان، وقد سمى الهيكل كله والخيمة من قبله بـ "بيت الغطاء" إذ ينضح عليه الدم للتكفير مرة كل عام. وقد رافق التابوت بنى إسرائيل أثناء ترحالهم فى البرية وكان مجد الرب يظهر لهم من بين الكاروبيمان، وهكذا كان التابوت يمثل الحضور الإلهى بحيث كان الوقوف أمامه يمثل الوقوف قدام الله، ولكن عندما اعتبر اليهود أن التابوت يحوى الله داخله اسلم الله التابوت إلى الفلسطينيين، بل كان الرب يتكلم مع موسى من فوق الغطاء (سفر العدد 7: 89) وكان التابوت يوضع فى الخيمة التى تأسست فى العام التالى للخروج (خروج 20: 20 ،21) بينما فى الارتحال كان بنو قهات يحملونه من خلال العصى (سفر العدد 4: 15) ورافقهم فى انتصاراتهم وعبر به الكهنة أولاً نهر الأردن عند دخول أرض الموعد (يشوع 3 : 17) وداروا به فيما بعد حول أسوار أريحا (يشوع 6، 7) ثم استقر التابوت فى الجلجال ثم فى شيلوه (يشوع 4 : 18) حيث استمر فى عهد القضاه هناك، وقد أخذ التابوت من بنى إسرائيل ليستقر فى أشدود وعقرون سبعة أشهر لدى الفلسطينيين (صموئيل أول 6 : 1) وبعد ذلك نقل إلى قرية يعاريم (صموئيل أول 7 : 1) وبعد فترة من إهمال شاول للتابوت نقله داود إلى صهيون عاصمة ملكة الجديرة، وبعد موت عزيا بسبب لمسه للتابوت أثناء نقله بقى فى بيت عوبيد الحثي ثلاثة أشهر (صموئيل ثان 6 : 11) ثم جاء به داود إلى داخل خيمة نصبها له على جبل صهيون حيث أنشد مزامير خاصة بذلك مثل (24 ، 47 ، 122).
ثم فى مرحلة تالية وهامة بنى سليمان الهيكل على جبل الموريا ونقل التابوت إلى قدس الأقداس (1مل 6 : 19) ثم صنع له كاروبيمان من الخشب المصفح بالذهب، ثم نقل مؤقتاً فى عهد منسى الملك الشرير (2 أخ 35: 3 ، 33 :7) حتى جاء نبوخذ نصر وأحرق الهيكل.
ورغم التقليد اليهودى القائل بوجود تابوتين للعهد، الأول به لوحى الشريعة اللذين كسرا والآخر يحوى الاثنين اللذين جاءا بدلاً منهما، إلا أن الحقيقة الكتابية تقضى بوجود تابوت واحد فقط، هذا وتحوي المجامع اليهودية اليوم ما يشبه تابوت العهد، وهو عبارة عن صندوق خشبى ُيوضع داخله نسخة من التوراه فقط حيث توضع التوابيت تجاه أورشليم. وبعد السبي كان اجتماع اليهود الحقيقى حول كلمة الله، وفى النهاية يجد القديس يوحنا اللاهوتى فى رؤياه تابوت عهد الرب فى هيكله (رؤيا 11: 18 ،19) رمزاً لتمام عهد الله بالخلاص والحضور الإلهى.
وتفيد بعض التقاليد أن إرميا سبى إلى بابل بصحبة باروخ، وتفيد تقاليد أخرى أن إرميا عندما أخذ عنوة إلى مصر عند السبى، مرَ فى طريقه على جبل سيناء فى الموضع ـ من على جبل نبو ـ الذى صعد عليه موسى ليرى الموضع من بعيد حيث سيرث بنى إسرائيل أرض الموعد (تث 34: 1).

متى يظهر مجد الرب من جديد؟
8 وحينئذ يُظهر الرب هذه الأشياء، ويَظهر مجد الرب والغمام، كما ظهر فى أيام موسى وحين سأل أن يُقدس المكان تقديساً بهياً. 9 وكانوا يُخبرون أيضاً كيف أنه قدم، بفضل حكمته، ذبيحة تدشين الهيكل وإنجازه. 10وكما أن موسى دعا الرب فنزلت النار من السماء وأكلت مواد الذبيحة، كذلك دعا سليمان فنزلت النار من السماء وأفنت المحرقات. 11 وكان موسى قد قال: "إنما أفنيت ذبيحة الخطيئة لأنها لم تُؤكَل". 12 وكذلك عيد سليمان عيد التدشين ثمانية أيام.



هنا يشرح إرميا النبى كيف يحلَ مجد الرب فيرضى عن شعبه ويقبل منهم الذبيحة، وعندما أراد البعض وضع علامة على الكهف الذى اختفت فيه عناصر الهيكل لم يجدوا الموضع، فقد اختفى بفعل إلهى وسيظهر بفعل إلهى أيضاً، عندما يعود الرب ليظهر رضاه عن الأمه ويعيد إليها مجدها الحقيقى من خلال استئناف الليتورجية،(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175557#_ftn2) حيث يظهر مجد الرب فى الغمام وهو علامة الحضور الإلهى كما حدث فى جبل سيناء(خروج 24: 16 و 40: 34 و لاويين 9: 23) عندما حلّ الله على الجبل وسط انبهار الشعب، كما حدث أيضاً الشئ ذاته عند تدشين الهيكل فى أيام سليمان (ملوك أول 8: 10 ،11) حين تمنّى سليمان أن يتقدس المكان، فقدّم الذبيحة (1مل 8: 11، 62 ،63 و9: 3) و 2 أخ 5: 14 و 7: 2 ،12، 16 و إشعياء 40: 5).
على أنه يجب ألاّ ُيفهم ذلك على أن الله سُيظهر تلك الأدوات في نهاية الأيام، ويجمع شتات اليهود ومن ثمّ ُتستئنف الذبيحة، إذ أنه بمجيء المسيح يسوع "الذبيحة الحقيقيـة" بطلت الذبائح اليهوديـة وانتهى دور الهيكل اليهودي(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175557#_ftn3). فإن المقصود هنا هو زمن ما بعد السبي وحتّى مجيء السيد المسيح. "هذا الذي أصعد ذاته ذبيحة مقبولة على الصليب عن خلاص جنسنا" (ثيئوتوكية الأحد).

وفى إطار حضور الله وقبوله الذبيحة كعلامة رضى، يشير الكاتب إلى دعوة موسى إلى الله لكى تنزل ناراً من السماء لأكل الذبيحة (لاويين 9: 24) وهو الأمر ذاته الذى تكرر أيام سليمان (2 أخ 1:7) وقد نزلت النار وأكلت ذبيحة الخطية لأنها لم تُؤكل " وأماّ تيس الخطية فإن موسى طلبه فإذا هو قد احترق، فسخط على ألعازار وإيثامار ابنى هرون الباقيين وقال مالكما لم تأكلا ذبيحة الخطية فى المكان المقدس لأنها قدس أقداس وقد أعطاكما إياها لتحملا اثم الجماعة تكفيراً عنهم أمام الرب (لاويين 10: 16 ،17).
وفى سفر اللاويين (10: 16-20) أمر هرون بحرق لحم جدى ذبيحة الخطية، وبالرجوع إلى خروج (29: 33-37) وبالمقارنــة مـــع لاويين (8: 31-35) نجد أنه فى غضون تواصل مراسم تقديس الكهنة والمذبح ينبغى أن يأكل الكهنة جزءاً من كل من تلك الأشياء التى تمت بها الكفارة أى من كل ذبائح الخطية، وأن ما يبقى من كل من ذبائح الخطية دون أن يؤكل حتى فجر اليوم التالى ينبغى أن يُحرق، وعلى ضوء هذا التفسير يجعل سفر الخروج (29 : 33) ذبيحة الخطية الخاصة بمراسم التقديس فريدة بين ذبائح الخطية الأخرى التى ذكرت فى التوراة، حيث أن خروج (29: 33) هو النص الوحيد فى الشريعة الذى يحتم بوضوح على الكاهن أن يأكل لحم ذبيحة الخطية، وفى النصوص الربّانية (تقليد الحاخامات) يرد أنه لا ذبيحة إثم تمنح كفارة ما لم يأكل الكاهن منها.

ثم يشير السفر إلى أوجه التشابه ما بين احتفالات التدشين وتقديس الرب وحضوره، سواء من خلال النار المقدسة أو الضباب (مجد الرب) وتدشين الهيكل هنا فى عهد المكابيين والذين يرون أنه حدثٌ لا يقل عن ذاك الذى حدث فى عهد كل من موسى وسليمان، فقد عيّد سليمان عيد التدشين فى ثمانية أيام إذ تصادف مجئ التدشين فى مناسبة عيد المظال (1مل 8: 65،66) والذى يعيد فيه ثمانية أيام (لاويين 23: 36 ،39).

ثمانية أيام الاحتفال :
ُاعتبرت أيام التكريس التى قام بها موسى ثمانية، وذلك بإضافة اليوم الثامن مع السبعة كيوم ينطبق فيه الحكم الخاص على ذبيحة الخطية، وكما دامت مراسم تكريس موسى ثمانية أيام هكذا حدث فى أيام سليمان، والتى من المفترض أن أيام التكريس قد اشتملت علـى يـوم الاعتكـاف الثامـن (2اخ 7: 9) وفي سفر اللاويين نقرأ الآتي: " وَمِنْ لَدُنْ بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ لاَ تَخْرُجُونَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ إِلَى يَوْمِ كَمَالِ أَيَّامِ مَلْئِكُمْ لأَنَّهُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ يَمْلأ أَيْدِيَكُمْ " (لاويين 8 : 33) وفي اليوم الثامن بدأ هارون في الخدمة (لاويين 1:9) وعن سليمان قيل: " وَعَيَّدَ سُلَيْمَانُ الْعِيدَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَجَمِيعُ إِسْرَائِيلَ مَعَهُ، جُمْهُورٌ كَبِيرٌ مِنْ مَدْخَلِ حَمَاةَ إِلَى وَادِي مِصْرَ أَمَامَ الرَّبِّ إِلَهِنَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَسَبْعَةَ أَيَّامٍ، أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْماً. 66وَفِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ صَرَفَ الشَّعْبَ " (ملوك أول 8 : 65-66). راجع ايضاً أيام التطهير الثمانية التى لـ حزقيا (2اخ 28: 22 - 30 :37). والكاتب هنا في سفر المكابيين الثاني اقتبس ما قيل في ( 2 أخ 7:8-9) " وَعَيَّدَ سُلَيْمَانُ الْعِيدَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَكُلُّ إِسْرَائِيلَ مَعَهُ وَجُمْهُورٌ عَظِيمٌ جِدّاً مِنْ مَدْخَلِ حَمَاةَ إِلَى وَادِي مِصْرَ. وَعَمِلُوا فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ اعْتِكَافاً لأَنَّهُمْ عَمِلُوا تَدْشِينَ الْمَذْبَحِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَالْعِيدَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ ".



( (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175557#_ftnref1)1) كتاب غير قانوني: المرجع السابق ص 383 .
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175557#_ftnref2) حدث مثل ذلك عندما اختفت مغارة كل من القديس ابانفر السائح والقديس مرقس الترمقى ،وذلك عقب نياحتهم، فلم يجدها الاباء.
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175557#_ftnref3) يقول جماعة الأخوة: أنه بعد إختطاف الكنيسة إلى السماء سينتهي تدبير عصر النعمة وسيرجع الله يعامل شعبه الأرضي القديم بموجب شرائعه من خلال الهيكل مرة أخرى والذبيحة .... وهي نفس الدعاية الصهيونية التي يروجها الأخوة في مطبوعاتهم. إذ يرون أن المقصود بشجرة التين التي قال عنها المسيح (متى رأيتم شجرة التين أخرجت أوراقها تعلمون أن الصيف قريب) هو إسرائيل وإخراج الأوراق هو ظهورها كأمة في أرضها.

st-athanasios
02-21-2009, 01:17 PM
مكتبه نحميا
13 فى هذه المؤلفات وفى ذكريات نحميا، كانوا يخبرون بأن نحميا أنشأ مكتبة جَمَعَ فيها الأسفار المختصة بالملوك والأنبياء وداود، ورسائل الملوك فى التقادم. 14 وكذلك جمع يهوذا كل ما بُعثر من الأسفار فى الحرب التى حدثت لنا، وهو عندنا. 15 فإن كنتم فى حاجة إلى ذلك، فأرسلوا من يأخذه إليكم.



هنا يسجّل السفر إشارة هامة خاصة بالأسفار، فقد ُجمعت أكثر الأسفار فى عهد عزرا الكاتب، وبالتالى فمن المنطقي أن تكون قد تكوّنت مكتبة ضخمة للأسفار والكتب الأخرى، حيث ضمّ عزرا من تلك الأسفار كل ما هو قانونى - وموحى به ومستوفى كافة الشروط القانونية للأسفار المقدسة - إلى قائمة أسفار العهد القديم، بينما ترك الآخر ليعمل ككتب مساعدة سواء فى التاريخ أو الأدب الروحى والرؤيوى أو الحروب، كما سبق الإشارة، مثل حروب داود وأخبار وسليمان ومن قَبلهم من القضاة ومن بعدهم بعد انقسام المملكة، مع الوضع فى الاعتبار أن بعض أسفار العهد القديم ظهرت بعد عهد عزرا مثل يشوع بن سيراخ والمكابيين.
ومن الملفت للنظر تلك الرسائل الخاصة بالتقادم (التقدمات / آية 13) ولعلها تحوى الذكريات والظروف الخاصة ببعض التقدمات والذبائح التى قدمت مرتبطة ببعض الأحداث مثل الانتصارات والنجاة من الكوارث وغيرها(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175558&posted=1#_ftn1).
وُتلقى هذه الفقرة من السفر الضوء على كيفية العثور على الأسفار الأبوكريفية غير المعترف بها ـ من كافة الكنائس ـ ككتب قانونية ، ولكننا بدأنا فى الاطلاع عليها الآن بفضل بعض المهتّمين بهذا التراث الهام(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175558&posted=1#_ftn2).
كانت مثل تلك السجلات ُتحفظ بمعرفة الكهنة في أماكن حفظ أرشيفات، أو في الخزانة مع كنوز الهيكل، مثلما حفظ الكهنة الفراعنة قوائم التسلسل التاريخي للملوك المصريين في معابدهم.
أما نحميا فمن الممكن أن يكون قد جمع مكتبة، احتوت على كتب (أسفار) الملوك وكتب الأنبياء وبعض المزامير، وبعض رسائل الملوك الوثنيين الذين أرسلوها مع هداياهم الثمينة للهيكل، ويبدو لنا هنا أيضاً أنها اشتملت على أسفار أخبار الأيام وعزرا ونحميا بالشكل الذي لدينا.
أما سبب ذكر ذلك فى السفر، فهو وجود شبه بين عمل نحميا هذا، وعمل يهوذا المكابى هنا، والذى اضطلع بتكوين مكتبة للأسفار والوثائق ومختلف الكتب، لاسيما تلك السجلات المتعلقة بكفاح المكابيين وأعمالهم، وهى المكتبة التى اطلع عليها بلا شك كاتب سفر المكابيين الأول جنباً إلى جنب مع سجلات الهيكل التى تحوى المكاتبات الرسمية ين رئيس الكهنة والقادة الأجانب، كما استفاد بهذه المكتبة أيضاً ياسون القيرينى صاحب مصدر سفر المكابيين الثانى، وأخيراً الكاتب الذى لخّص عن ياسون. كل ذلك على الرغم من قيام السلطات السلوقية بإتلاف العديد من الأسفار والسجلات إبان فترة الاضطهاد الرئيسية (من سنة 176 ـ حتى سنة 164 ق.م.) راجع (1مكا 1 : 56 ،57).

الدعوة إلى الأحتفال بعيد التدشين
16 ولما كنا مزمعين أن نُعَيد عيد التطهير، فقد كتبنا إليكم. وإنكم تُحسنون عملاً، إذا عيدتم هذه الأيام. 17 والله الذى خلص كل شعبه ورد إليه كله الميراث والملك والكهنوت والتقديس، 18كما وَعَدَ فى الشريعة، نرجو منه أن يرحمنا قريباً ويجمعنا مما تحت السماء إلى المكان المقدس، فإنه قد أنقذنا من شرور جسيمة وطهر المكان المقدس.




بموجب الانتصارات التي حققها اليهود على يد يهوذا المكابي، استعادت الآن مكانتـها بعد أن كانت قد فقدت أهم ما تملك وتفخر به مثل الميراث (1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175558&posted=1#_ftn3)، والملك، والكهنوت .. حتى وان كان كل ذلك قد تم جزئياً إلا أنه كان البداية لاستقلال كامل بل وأكثر، وذلك بالتدريـج علـى يـد يهـوذا ثم يوناثان ثم سمعان ثم يوحنا هركانوس والذى اتسعت مملكة البهود فى أيامه جداً ... انظـر (زكريا 8 : 7 ،12) وقارن مع (اشعياء 49 : 7 ، 8 ).
أراد يهود أورشليم أن يقولوا لاخوتهم في مصر: حتى وإن كنا مشتتين ولم يسمح الله لنا بعد بلمْ شملنا، فلنعيّد معاً بروح واحدة فى توقيت واحد، فإن هيكل أورشليم هو مركز العالم ونقطة تلاقى الله مع شعبه، وهو رمز اليهودية ومكان حضور الله، ويقول الربيين اليهود "إن كان العالم يمثل جسد الإنسان فإن أورشليم تمثل العين بينما يمثل الهيكل حدقة العين" وكل هيكل آخر فى أى بقعة من العالم لا يعد شيئاً بجوار هيكل أورشليم كما لا يعترف به اليهود (مثل هيكل مصر اليهودي). أما المجامع فهى شيء مختلف إذ أنها مراكز للتعليم والتسبيح وليس لتقديم الذبائح.
هذه هى الفكرة التى دفعت يهود أورشليم إلى مراسلة إخوتهم فى مصر للاشتراك معهم فى الاحتفالات ومقاسمتهم فرحتهما. أمّا الميراث الذى ردّه الله إلى اليهود فهو أورشليم والتى صارت حرة مقدسة، وقد رأوا أن ذلك تحقق بانسحاب ليسياس من اليهودية ونهاية الاضطهاد، كما أقر بذلك الملوك السلوقيون فى رسائلهم إلى القادة اليهود، ولا سيّما رسالة ديمتريوس الثاني (1مكا 13: 36 ـ 42) وقد كمُل هذا الميراث بتطهير القلعة السلوقية فى



(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175558&posted=1#_ftnref1) ورسائل الملوك فى التقادم : جاءت في اليونانية ( peri (anaqematwn.  جمع نحميا رسائل ملوك الفرس الخاصة بهيكل أورشليم (عزرا 7 : 11- 26).
(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175558&posted=1#_ftnref2) هذه الأسفار مثل آدم وحواء، الآباء الاثنى عشر، رؤيا أخنوخ، باروخ، مراثى إرميا، الحروب، وغيرها كثير جداً، حيث عثر على أكثرها فى مغارات قمران بجوار البحر الميت.
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175558&posted=1#_ftnref3) أو الأرض المسلوبة (إشعياء 49: 8 و ارميا 3 :19 و 12 : 15) قارن مع ( زكريا 8 :12 و مراثي 5 : 2 و 1مكا 15 : 33 ،34).

st-athanasios
02-21-2009, 01:19 PM
أورشليم والتى كانت تمثل الوجود الوثنى فى المدينة (1مكا 13: 51 ،52) وأماَ المُلك الذى نالوه، فهو عودة القيادة للمكابيين، وإن كان أول ملك فعلى للحشمونيين هو يوحنا هركانوس بن سمعان المكابى آخر الأخوة المكابيين الخمسة، أما الكهنوت الذى استردوه فقد جاء بعد انصراف الكهنة لسنوات عن خدمتهم وممارساتهم الطقسية وانشغالهم بأمور أخرى، نظراً لتوقف العبادة فى الهيكل، فقد عادوا للانتظام فى وظائفهم، واستئناف الخدمة في الهيكل وأماَ التقديس ويقصد به الهيكل "القدس" بتجديده وتطهيره وتقديم الذبائح من جديد واستئناف الخدمة والتقدمات ومباشرة الاحتفال بالأعياد.
وفى النهاية يرجو الكاتب أن يجمع الله شمل الجميع ليحتفلوا معاً (خروج 19: 5 ،6 ؛ تثنية 30: 3-5). وإلى هنا ينتهى نص الرسائل المرسلة إلى اليهود والتى تحمل الدعوة للاحتفال.

الكاتب يشرح دوره
19 إن أخبار يهوذا المكابى وإخوته، وتطهير المقدس العظيم، وتدشين المذبح، 20 والحروب التى وقعت بينه وبين أنطيوخس إبيفانيوس وإبنه أوباطور، 21والآيات التى ظهرت من السماء لصالح البُسلاء الذين حاربوا عن دين اليهود، حتى إنهم مع قلتهم نهبوا البلاد بجُملتها وطردوا جماهير الأعاجم، 22 واستردوا المقدس الذى اشتهر ذكره فى المسكونة بأسرها، وحرروا المدينة، وأحيوا الشرائع التى كادت تُلغى، لأن الرب وفقهم بكل رفقهِ.



هنا يبدأ الكاتب شرح قصة صراع المكابيين من أجل الحق والوصية، وهو العرض الذى استخلصه بدوره عن مؤلفات ياسون القيرينى والذى هو أيضاً موضوع الرسائل السابقة، والتى عملت كمدخل هام للسفر، ومثل هذه الإعلانات التي كان يستهل بها قدامى الكتاب والمؤرخين، كانت تعمل كمدخل مشوق للكتاب أو الرسالة وكمختصر لها، وقد قرأ (المُلخِّص) نص ياسون القيريني وأعاد صياغته دون المساس به، وذلك من خلال جهد كبير، الهدف منه امتاع القارئ والوقوف به على قصة ذلك التاريخ الرائع دون إسهاب ممل.
وهذه الآيات فى هذه الفقرة من الأصحاح هى عنوان لما هو آت فى (3 : 14 و 5: 2 و10: 29 و 11: 8) وكيف أعان الله المكابيين فى حروبهم مع أنطيوخس أبيفانيوس (1مكا 1: 10) ومن بعده ابنه أنطيوخس أوباطور (2 مكا 10:10).
ويلاحظ في الآية (20) أنه لم يذكر سلوقس الرابع، ربما لأن مهمة هليودوروس رئيس وزرائه (ص 3) لم تكن حربية وإن كانت سيئة، كما لم يذكر أن ديمتريوس الأول رغم أن قائده نيكانور خاض معاركاً عدة مع اليهود ( 14: 16، 17، 29 – 46 و 15: 1-30) بل أن يوم نكانور صار عيداً هاماً ربما لأن ديمتريوس عاد فهادنهم وعرض عليهم عروضاً سخية، لقد ركّز السفر على انطيخوس وابنه أوباطور لأهميتهما كقضيبي غضب الله الذين بتجاوزاتهما وبسقوطهما جلبا عهد المعجزات العظيم الجديد. أنظر (دانيال 7: 11) فعندما حاصر أنطيوخس الخامس وليسياس الهيكل، رأى الأتقياء اليهود الحادثة على أنها تواصل للمتاعب التي وضعها دانيال في (11: 33 – 36) وقد اعتبر ديمتريوس شخصاً غير مضطهد، إذ ساند ألكيمس بطريق الخطأ (14: 11-13، 27) ولكنه لم يسئ إلى الديانة اليهودية، فلولا خطايا ألكيمس لكان رئيس كهنة شرعي (14: 3) وهكذا كان خطأ ديمتريوس أقل بشاعة منه فبتحريض من ألكيمس مارس ديمتريوس ضغطاً على نكانور قائده، ولكن الأخير هو الذي جدّف على الهيكل من تلقاء نفسه وليس بإيعاز من ديمتريوس.
وقد أيّد الله جهادهم برؤى سمائية لتشجيعهم، أما المقصود بـ "نهبوا البلاد" فهو الاستيلاء عليها (آية 21) رغم قلة عددهم مقابل القوات المعادية، وربما كان المقصود هو نهب ممتلكات اليهود الأشرار (الهيلينين) وُحماتهم الوثنيين، وبالجملة فقد أعانهم الله وترفّق بهم حتى استعادوا الهيكل وانتصروا للشريعة والتى كانت قد ُاهملت (2مكا 6: 6-11).

الأعاجــم (آية21):
جاءت في اليونانية ( to Barbara plhqh ) وقد استخدم اليونانيين لفظ " أعجمي" للإشارة إلى غير اليونانيين، فالكلمة اليونانية بربري Barbarous تعني: المتحدث بلغة أجنبية. وبالنسبة لليهود كانت الجيوش السلوقية تتحدث بلغة أجنبية، والكلمة تستخدم في السفر أيضاً بمعنى "متوحش" (4: 25 و 5: 22 و 10: 4 و 15: 2) وفي المقابل يستخدم السفر هنا كلمة Ioudaismos أي يهودية في سياق كلمة أعجم، وربما يريد أن يذكر المثقفون اليونايون بصراع هليوس Helleues الوفي ضد الفرس الأعاجم وضد فجور medioum اليونانيين المتعاملين مع الامبراطورية الفارسية. في هذه الآية أيضاً يرد تعبير: دين اليهود، وهي المرة الأولى الذي يستخدم فيه هذا اللقب، وجاء في اليونانية (IoudaismoV).

ولقد كان هيكل أورشليم فى ذلك الوقت بالفعل أغنى وأعظم وأشهر هيكل على وجه الأرض، لدرجة بهرت الإسكندر الأكبر فأهداه عطايا ثمينة.

st-athanasios
02-21-2009, 01:24 PM
ولذا فقد أصبح مطمعاً للكثير من الحكام، كما بُهر به تيطس الرومانى أيما انبهار، وسعى ـ بعد اقتحام أورشليم ـ بكل قوته حتى لا يُدمّر، ولكن الجنود والذين كان قد نفذ صبرهم بسبب عناد اليهود ومقاومتهم، أحالوه إلى رماد.
هنا يؤكد السفر على أهمية هيكل أورشليم وتفوقه على هيكل السامرة (انظر 6 : 2) وهيكل الأونيين (نسل أونيا) في لينتوبوليس بمصر والمعابد الأخرى للمنشقين(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175580&posted=1#_ftn1).

الحاجه إلى تلخيص كتب ياسون
23 تلك الأمور التى عرضها ياسون القيرينى فى خمسة كتب سنُحاول اختصارها فى مُجلد واحد. 24 ولما رأينا كثرة الأرقام والصعوبة التى تعترض من أراد الخوض فى أخبار التاريخ لغزارة المواد، 25 كان من همنا أن نوفر المتعة للمطالع والسهولة للحفاظ والفائدة للجميع. 26 فلم يكن يكلفنا هذا التلخيص أمراً سهلاً، بل تم بالعرق والسهر، 27 كما أن الذى يُعِد مأدبة ويبتغى منفعة الناس لا يكون الأمر عليه سهلاً. غير أننا لمنفعة الكثيرين سنتحمل هذا العمل الشاق عن طيبة نفس، 28 تاركين التدقيق فى تفاصيل كل من الأحداث لأهل التاريخ، وملتزمين التقيد بقواعد التلخيص. 29 فإنه كما ينبغى لمن يُهندس بيتاً جديداً أن يهتم بمُجمل البناء، ولمن يقوم بتزيينه برسوم مدهونة أن يدقق النظر فى ما يناسب قواعد التزيين، فهكذا يكون أمرنا على ما أرى. 30 فإن تقصى الأمور والإحاطة بالمسائل والبحث عن جزء فجزء من شأن مصنف التاريخ. 31 وأما الملخِّص فمرخص له أن يسوق الحديث بإيجاز، مع إهمال استنفاد الموضوع.



ياسون القيرينى ( القيروانى )
جاءت صفة القيرواني باليونانية (tou kurhnaiou)، وهي مدينة في شمال أفريقيا كان يهود كثيرين يسكنونها(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175580&posted=1#_ftn2). أمّا ياسون فهو يهودى سكندرى من شتات القيروان، وضع كتبه الخمسة فى زمن قريب من الأحداث، أى بعد سنة 160 ق.م. بقليل، وهو مطَلع بشكل جيد على الأحوال فى أورشليم والدوائر الحكومية للسلوقيين وموظفيها وألقابهم، وإلى جانب كونه يهودياً راسخ الإيمان فهو أيضاً ذو ثقافة يونانية كبيرة، ومن علامات تقواه تسجيله للصلوات التي ُرفعت قبل البدء فى المعارك وبعدها.
أما الملخِّص نفسه فقد كان عمله مضنياً، إذ لم يكن مناليسير وضع الكتب الخمسة فى كتاب واحد، تسهل مطالعته والاستمتاع به، معفياً القارئ من التفاصيل الرقمية ودقائق الأحداث، مركزاً على جهاد المكابيين ودورهم الروحى والليتورجى والقومى فى التاريخ اليهودى خلال فترة ما بين العهدين.

كثرة الأرقام :
ترد فى بعض الترجمات "بحر من الكلمات" وفى أخرى "كم متدفق من الأعداد" كان العدد وحدة تتألف من حوالى 16 مقطعا من الكتابة، وهو المعيار القياسى للطول فى الكتب اليونانية التى كتبت على هيئة نُظم (أبيات شعر) طولها حوالى 16 مقطع، وكان أقدمها قصائد هوميروس(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175580&posted=1#_ftn3).
وهكذا جاء السفر ُممتعاً للقاريء العادى كعمل كتابي أدبي حتى لغير المؤمنين، ومادة سهلة غير مركبة لمن يودّ الاحتفاظ بمحتوياته فى ذاكرته، وفى كلتا الحالتين وبالنسبة للنوعين فهو عمل مفيد مع كافة مستويات المطالعين للسفر. هذا وقد كلفه ذلك جهداً كبيراً إذ قد يكون التأليف من جديد أسهل فى بعض الأحيان من إعادة الصياغة والتشكيل(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175580&posted=1#_ftn4)، لا سيّما وأن أمام الملخص عدة اعتبارات كل منها أهم من الأخرى مثل الحفاظ على خط الوحى طوال السفر، ثم الاهتمام بإيراد جميع الأحداث الهامة فى مساحة محسوبة، وهو الأمر الذى يحتاج إلى عدة محاولات على مدار فترة زمنية كبيرة، ذلك بالطبع دون المساس بالوحى وإنما الصياغة فقط، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الكتاب المقدس كلمة الله، تظهر فى ثلاث أشكال أو تحتوى على ثلاثة مستويات:
v اللوغوس: وهو الكلمات التى تعبر عن الله نفسه وحضوره مثل "أنا هو" (إيجو إيمي)
v الريمـا : وهى كلمة الله إلى البشر: مثل هكذا قال الرب: افعل . . اذهب . . لا تخف . . أنا معك . . .
v أحـداث : مثل أن يورد الوحى أحداثاً بعينها جرت، ومنها أحداث قتل أو سرقة أو خطايا، وهو لا يوافق عليها بالطبع وإنما يؤكد فقط على أنها حدثت بالفعل.

لقد التزم الملخِّص جيداً بقواعد التلخيص (آية 28) بحيث لا يكون هناك عيباً (من جهة التقصير المخلّ أو التطويل المملّ) وذلك عن طيب خاطر مبتغياً منفعة الأكثرين وتاركاً التفاصيل التاريخية للمتخصّصين لكى يطّلعوا على المصادر التاريخية وهى كثيرة فى ذلك الوقت. وكما أن التلخيص له قواعده، فإن التصرّف له قواعده أيضاً، ويورد الكاتب هنا عدة أمثلة ليدللّ بها على فكرة مشروعه:
وفى الآيـة 29: يقصد الكاتب أنه قام بمجمل البيت أى المضمون، وجاءت الكلمة في اليونانية (kataBolh = وضع الأساس) بينما ترك التفاصيل للمهندس المعمارى، الذى يهتم بتفاصيل الألوان وتناسقها وتركيب الألوان والديكورات والزخارف وغيرها، جاءت عبارة التزيين في اليونانية: (egkainein = وضع النقش)، وجاءت في العبرية بنفس المعنى. لقد كان عمل ياسون القيرينى وهو الكاتب الأصلى، مثل البنّاء الذى ينجز عمله فى (أبعاد ثلاثة) أما المختصِر فهو مثل مسئول الطلاء الذى يتعامل مع (بعدين فقط)(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175580&posted=1#_ftn5) ويشبّه المؤرخ اليوناني تيمايوس Timaeus التاريخ بـ "ذلك الفن ثلاثي الأبعاد" بينما الخطيب: " ثنائى الأبعاد" وهكذا تُترك تفاصيل الأحداث والتواريخ والقصص الجانبية للمؤرخين فى حين مسموح للملخص بالالتزام بصلب الموضوع.
وفـى النهـايـةيختتم الكاتب ديباجة المقدمة بضرورة الإسراع فى مباشرة السفر، إذ أنه من غير المفيد الإسهاب فى المقدمة مما قد يؤثر على الموضوع ذاته.




(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175580&posted=1#_ftnref1) لا شك أنه كانت هناك هياكلا رائعة مثل أبوللو وأرطاميس، وفي مصر هيكل حورس. ولكنه بالإضافة لجمال هيكل أورشليم إلا أن شهرته التي طبقت الآفاق ترجع لإختلافه عن بقية المعابد الأخرى إذ لا تماثيل فيه ويقبل اليهود بإستماتة الموت عنه الأمر الذي جعل الكثيرين يفكرون ما عسى هذا
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175580&posted=1#_ftnref2) أنظر: ( تاريخ اليهود في القيروان لفريدمان (k.Friedman, Le foati per la storia degli ebrei L. Cirenaica nell
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175580&posted=1#_ftnref3) Jonathan A. Goldsten, II Macc. في التعليق على هذه الفقرة من الأصحاح
(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175580&posted=1#_ftnref4) يقول كاليماخوس Callimachus الشاعر السكندرى الذى عاش فى القرن الثالث ق.م. فى قصيدته المختتمة بفكرة بارعة رقم 29 إن مهمة الاختصار تتطلب سهر الليالى (المرجع السابق).

(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175580&posted=1#_ftnref5) يقصد فى الآية 29 بـ الرسوم المدهونة رسوم بألوان شمعية مثبتة بالحرارة، وهو أسلوب يونانى للطلاء يستخدم فيه الشمع الملون الساخن انظر: Jonathan A. Goldsten, II Macc.

st-athanasios
02-21-2009, 02:34 PM
الأصحاح الثالث

لأن الذى يسكن السماء هو يسهر على هذا المكا ن

مع أن هليودورس وزير الملك سلوقس الرابع كان مكلفاً بشكل رسمى بنقل كنوز الهيكل إلى خزينة المملكة، إلاّ أن الله دافع عن الهيكل وعاقب هليودورس على نحو غير مسبوق، مما حدا به إلى تقديم ذبيحة سلامة لله فى الهيكل ذاته، كما راح يشهد لإله السماء أمام الكل. وهى قصة ممتعة غنية بالصور المتعددة للتقوى والتوبة، وإن كان أجمل ما فيها هو أن الدموع والانسحاق يستدران عطف الله وحنوّه.

حالة من الأستقرار

1 حين كانت المدينة المقدسة عامرة آمنة، والشرائع محفوظة غاية الحفظ، لما كان عليه أونيا عظيم الكهنة من الورع والبُغض للشر، 2 كان الملوك أنفسهم يعظمون المكان المقدس ويكرمون الهيكل بأفخر العطايا، 3 حتى إن سلوقس، ملك آسية، كان يؤدى من دخله الخاص جميع النفقات
المختصة بخدمة الذبائح.



يعود بنا السفر هنا إلى ما قبل عصر أنطيوخس أبيفانيوس ( وهو الشخصية الوثنية المحورية فى كلا السفرين ) فى تلك المرحلة السابقة عليه كانت اليهودية تنعم بالحرية النسبية، وذلك نظراً لرغبة كل من السلوقيين والبطالمة فى استمالة اليهود إلى جانبهم، وهكذا فإن السلوقيين والذين آلت إليهم اليهودية على يد أنطيوخس الكبير سنة 200 ق.م. أظهروا تعاطفاً مع اليهود مانحين إياهم مزيداً من الحريات.

سلوقس فيلوباتير الرابع (187ـ 175 ق.م.):
هو الابن الأكبر لأنطيوخس الثالث الكبير، وشقيق أنطيوخس الرابع أبيفانيوس والذى خلفه على العرش، وأبو ديمتريوس الأول (1مكا 7: 2 و2 مكا 14: 1) وفى بداية حكمه شرع بطليموس أبيفانيوس المصري فى محاربته، ولكنه قُتل بالسم على أيدى رجاله.
ويدعى سلوقس (فى الآية 3) هنا : ملك آسية، وهو اللقب الذى أحبّ الملوك السلوقيين دوماً خلعه على أنفسهم، ذلك على الرغم من كثرة هزائمهم، والتى لم تترك لهم المساحة التى يطلق عليها آسيا كلها. هذا وقد حاول كل من أنطيوخس الكبير وسلوقس ابنه هذا، التصالح مع الحزب اليهودي المؤيّد للبطالمة، وهو الحزب الذى كان يرأسه أسرة أونيا رئيس الكهنة والذى يسمىّ اصطلاحاً "بيت أونيا" أو "أسرة أونيا" فى حين كان الحزب المنافس له هو حزب طوبيا "بيت طوبيا" والذى يمثل الفكر الهيليني (الحضارة الهيلينية) وهو الحزب الذى سعى رجاله دوماً فى شق الطريق إلى السلطة وذلك بكسب ودّ السلطات السلوقية، حتى وان كان فى ذلك خيانة للشريعة والتقاليد والقيم اليهودية.
وكان من بين علامات الودّ بين سلوقس واليهود، تقديره لهيكلهم وشعائرهم، فقد كان يتكفّل بنفقات الذبائح والاحتفالات لا سيما فى الأعياد الثلاثة الرئيسية، وكان مثل هذا المسلك بلا شك يشعر اليهود بالامتنان، فقد كانت كافة الشعوب وما تزال ُتولي اهتماماً خاصاً بالجانب الديني، وبالتالي يمكن كسب ودها من خلال ذلك، فالوطن والدين ُيعدان من أقدس ما يخصّ الشعب. وكان أنطيوخس أبيه قد سبقه فى هذا المسلك (1مكا 10 : 39). إذ أغدق الكثير من الامتيازات على اليهودية وأورشليم إزاء تعاون اليهود معه.
كما قام كل من بطليموس الثانى الملك المصري ومن بعده بطليموس الثالث بتكريم الهيكل من عطاياهم وأموالهم، حيث احتاجت العبادة فى الهيكل كميات كبيرة من الحيوانات والحبوب والخمر والزيت والبخور، وهى باهظة التكلفة لولا كرم أولئك الملوك.
ومن جهة أخرى كان هؤلاء الملوك يسرون بزيادة شعبيتهم من خلال إظهار كرمهم للمعابد، سواء اليونانية منها أو غير اليونانية، كلّما سمحت مواردهم بذلك، وأما سلوقس الرابع فربما يكون قد واصل ممارسات ملوك إسرائيل ويهوذا فى القيام بنفقات الذبائح (حزقيال 45: 17) والملوك الفرس (عزرا 6 : 9 ،10 و 7: 20-23) أما فى أيام نحميا فقد قرّر اليهود أن يتحمّلوا النفقات الخاصة بتقديم الذبائح (نحميا 10: 33-34). ربما بسبب أن الملك قد توقّف عن تمويلها. وتشير بعض النصوص الربانية إلى أن الربيين أصروا على قيام الشعب بتحمل نفقات الذبائح، بينما رأى الصدوقيين أن يتحمل هذه النفقات بعض الأثرياء، ولكن وجهة النظر الفريسية هى التى سادت، وقد أشار يوسيفوس إلى ذلك (1 (http://www.st-athanasios.com/vb/newreply.php?do=postreply&t=21469#_ftn1)).

أونيـا: المقصود هناهو أونيا الثالث Onias III ابن سمعان الثاني وحفيد أونيا الثاني (وليس ابنه) كان رئيساً للكهنة فى عهد سلوقس الرابع المذكور هنا، وهو ينتمى إلى ذرية صادوق (2صم 8 : 17 و 1أخ 5: 27) بل يرجع أصل هذه العائلة إلى أيام يشوع نفسه (نحميا 12: 10) وقد امتدحه يشوع بن سيراخ فى سفره (50: 1) كما أثنى عليه السفر هنا كثيراً (4 : 5-6 و 15 : 12) ومن الصفات التى تُنسب إليه: الرجل الصالح / المحب لأمته / المحب للفضيلة / عديم الغش / الساعى فى خير أمته، وسوف تكتسب هذه الصفات بعداً هاماً ومعنىً جليلا، إذا ما ُقورن أونيا برؤساء الكهنة الثلاثة الذين أعقبوه على التوالى.
خدم أونيا فى عهد سلوقس الرابع وأنطيوخس الرابع، وعندما رأى أونيا أن شر سمعان - الوكيل الخائن - يتزايد، أرسل إلى الملك يطلب إليه التدخل لسلام الأمة، ولكن الملك كان قد عَيّن ياسون للتو رئيساً للكهنة، ولم يكن أونيا يعرف، فجاءه ردّ الملك باعفائه من منصبه (7:4) وسريعاً ما أعقب ياسون، شخص آخر يدعى منلاوس حصل على رئاسة الكهنوت عن طريق الرشوة أيضاً، وبسبب الخوف من التنافس اتفق مع شخص يدعى أندرونيكس على قتل أونيا (4: 33-38) ومن بعد موته ظهر مع إرميا النبى ليهوذا المكابي يشجعه قبل حرب التحرير التى خاضها الأخير (15:12-14). بينما يرى يوسيفوس أن أونيا مضى إلى مصر حيث رحب به الملك هناك ومنحه مكاناً لإقامة هيكل لليهود على غرار الذى فى أورشليم.
+ + +
كان الأمن فى البداية مستتباً فى المدينة، كما كانت الخدمة والاحتفالات تتم فى الهيكل بصورة طبيعية، وكذلك الذبائح تقدم فى مواعيدها بكمياتها التقليدية، وهكذا سادت هناك حالة من الرخاء والطمأنينة، ولكنها لم تدم طويلاً، فلم يهنأ اليهود كثيراً على مدار تاريخهم طويلاً، إذ لا يلبثوا بين الحين والآخر أن يتعرضوا للاستعمار والقتل والنهب والقهر، بسبب مطامع الغرباء، هذا من جهة، ومن الجهة الآخرى فكثيراً ما كانت تنهشهم الخلافات الداخلية والصراعات على السلطة المدنية أو الدينية، غير أن أسوأ ما فى الأمر هو وشاية البعض وخيانتهم لأمتهم كما سنرى.
يتحدث السفر هنا عن كرم سلوقس الرابع بهدف المقارنة ما بين أونيا الثالث وأعدائه، فإن تقوى أونيا تحثّ الملك ذاته على الإسهام بمبالغ كبيرة للهيكل، بينما يسعى سمعان الخائن إلى محاولة مَلَكِيّة للاستيلاء على الودائع التى بالهيكل (آية 5- 11) كما سعى ياسون رئيس الكهنة المرفوض إلى زيادة الضريبة المفروضة على اليهود للمملكة السلوقية (4: 7-9) مثلما زاده أيضاً منلاوس رئيس الكهنة المرفوض أيضاً، بقدر أكبر (4: 24) وسرق من الهيكل ليرشي موظفي الملك (4 : 32-34 و 39-46) وكان دليلاً لأنطيوخس الرابع عندما سلب مقتنيات الهيكل.

وشايه سمعان الوكيل

4 وإن رجلاً اسمه سمعان، من سبط بلجة، كان مقلداً الوكالة على الهيكل، وقع بينه وبين عظيم الكهنة خلاف فى أمر المحافظة على أمن أسواق المدينة. 5 وإذ لم يمكنه التغلب على أونيا، ذهب إلى أبلونيوس، بن ترساوس، وكان إذ ذاك قائداً فى بقاع سورية وفينيقية، 6وأخبره ِأن الخزانة التى فى أورشليم مشحونة بما لا يستطاع وصفه من الأموال، حتى إن الدخل لا يحصى لكثرته، وأن ذلك لا يتناسب مع نفقة الذبائح، فيمكن إدخال ذلك كله فى حوزة الملك.

سمعـان: هو شخص من سبط بلجة (بنيامين) وتأتى بلجة فى بعض النصوص اليونانية واللاتينية والفولجاتا والسريانية: بنيامين Benjamin، بينما تأتى فى اللاتينية القديمة Balcea، وفى النص الأرامى Balgei، وفى النص الماسوري Bilgah. وقد ُاشير إلى بلجة في (نحميا 12: 5 ،18 و 1أخ 24 : 12) وتأتى بمعنى عشيرة، كذلك تعنى كلمة Trib سبط أو عشيرة Clan، وهكذا تعنى كلمة "فيلي Phyle" سبط أو قبيلة (عشيرة). وهكذا فمن المرجّح أن يَكون سمعان من سبط بنيامين وعشيرة أو قبيلة بلجة ومن المرجّح أيضاً أن يكون سمعان هو شقيق منلاوس رئيس الكهنة (الخائن) وهكذا فكلاهما ينتميان إلى بيت طوبيا، الممثل للاتجاه الهيليني فى البلاد، وكان سمعان ينتمي إلى الطبقة الراقية فى تلك العائلة. ولا يُعرف على وجه الدقة طبيعة وظيفته.
ولكن التعبير المستخدم هنا "وكالة" Chief guardian استخدم فى المجال العسكري والديني، وقد استخدم فى قصة البعل والتنين فى تتمة سفر دانيال، وفى إحدى البرديات المصرية اشارة إلى كاهن هناك فى
سنة 164 ق.م. ُيوصف بأنه "القائد المدبر للهيكل"(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/newreply.php?do=postreply&t=21469#_ftn2) ، كما جاءت أيضاً بمعنى "قائد" فى (1أخ 27: 31 و 29 : 6 و 2 أخ 8 : 10) وأما فى (2أخ 24 : 11) فقد جاءت بمعنى "مراقب دواوين الملك". وهو نفس المصطلح (قائد) الذى ورد فى (1مكا 14: 47) حين رضى سمعان المكابي أن يكون رئيس كهنة وقائد ورئيس لأمة اليهود والكهنة. ووردت فى سيراخ (45 : 24) "رئيس للهيكل والشعب" وفى سفر العدد (25 : 22) وكذلك فى إشارة رئيس حافظ الأبواب فى (1 أخ 9 : 20). كما شمل التعبير أيضاً فى مواضع أخرى من الكتاب المقدس رئيس الكهنة، وكاهن ورئيس قبيلة، وأما بحسب يوسيفوس وأسفار العهد الجديد فقد يكون "قائد جند الهيكل" (أعمال 4 : 1 و 5 : 24 ، 26) وهى الوظيفة التى تناسب المقام هنا.
إن اللقب المنسوب إلى سمعان هنا يأتى فى اليونانية Prostates بمعنى حارس أو رئيس أو وصي، وقد ورد لقب مشابه فى سفر دانيال لوصف كبار مديري الهيكل المسئولين عن العطايا من الأطعمة المقدمة للإله (بل / بعل) كما ورد المصطلح Prostates فى إشارة كاهن مصري إلى نفسه باعتباره المدير الأعلى (رئيس الموكلين) لأحد المعابد، راجع (أخبار الأيام الأول 27 : 31 و 29 : 6 "رؤساء الأملاك أو أشغال الملك" وكذلك 2أخ 8 : 10 "رئيس الموكلين"). وغيره كثير من المواضع فى الكتاب المقدس. وفى العهد الجديد يفيد المصطلح Prostates: "الآمر" فى الهيكل، وفى الأدب العبرى المتأخر ُيمنح الكاهن التالي لرئيس الكهنة فى الرتبة لقب (Segan الكهنة) ولا يمنح أبداً لقب (Segan الهيكل).
إذن فقد كان سمعان كاهناً بل وهو الرجل الثاني بعد رئيس الكهنة "Segan" ويرى يوسيفوس أن كلٍ من أونيا وياسون ومنلاوس وسمعان هم جميعاً أولاد سمعان الثاني رئيس الكهنة، ولا ُيعرف على وجه الدقة طبيعة ذلك الخلاف الذى نشأ بين الاثنين، وما هى مهمة المحافظة على الأسواق فى المدينة ؟ هل كان بحكم وظيفته كقائد لكتيبة من الجنود تابعة للهيكل، مسئولاً عن حفظ النظام داخل الهيكل وحوله مثلما يحدث الآن فى أغلب الكنائس والكاتدرائيات ؟ ثم امتدت مسئوليته إلى الحفاظ على أمن أسواق المدينة ؟ وهل كان هناك كسب مادى من وراء ذلك ؟. أياً كان الأمر فإن سمعان عندما فشل فى فرض سيطرته على رئيس الكهنة لجأ إلى الوشاية. وفى الأزمنة التالية أعتبر اليهود عشيرة بلجة خِزياً بسبب أعمال العقوق التى اقترفها أفرادها خلال فترة حكم أنطيوخس أبيفانيوس الرابع.
أبـولونيـوس بن ترساوس Appolonius of Therseus :
ويأتى الاسم فى ترجمات أخرى Tharsseas, Tharsai ومعناه: جرئ أو شجاع، وقد ُذكر أبولونيوس في الأصحاح الرابع على أنه إبن مسنتاؤس (4:4)، ويرجّح الكثير من الشراح أن يكون اسمه: "أبولونيوس الطرسوسي بن مسنتاؤس" أو "أبولونيوس بن مسنتاؤس الطرسوسي" (4: 4، 21). وهو قائد إقليم البقاع (قول سوريا) وهى منطقة تشمل: اليهودية وإقليم سلوقية، ومناطق ما بين الفرات والمتوسط (الخاضعة لسلوقية) والمدن اليونانية فى شمال سوريا. وقد ورد فى الآية تعبير "إذ ذاك" (أو فى ذلك الزمان) للتمييز بينه وبين كثيرين يحملون ذات الاسم.
وبقدر ما كانت وشاية سمعان رديئة وخطيرة، إلاّ أن سلوقس قد رأى فيها مخرجاً من المأزق الذى تركه له أبوه، بسبب الديون الثقيلة المستوجبة على المملكة للرومان بعد معركة مغنيسيا، بل وكثيراً ما كانت خزينة المملكة تفرغ لأسباب مختلفة، راجع: (1مكا 3: 29 و 8 : 7 و 2مكا 8 : 10) أما الأموال التى كانت فى خزانة الهيكل فى ذلك الوقت، فقد كانت تفوق أي توقع، ما بين أموال سائلة وودائع لأرامل وأيتام ورجال أعمال، وسبائك ذهبية وأخرى فضية، وهو ما يعادل فى مجموعة مليون جنيه استرلينى (سنة 1900) ([1] (http://www.st-athanasios.com/vb/newreply.php?do=postreply&t=21469#_ftn3)).


كما كان جزء من هذه الأموال عبارة عن صندوق خيري، إضافة إلى الودائع، لا سيّما ودائع بيت طوبيا، إذ يبدو أن هرقانوس المذكور هنا كان أحد أشراف ومليونيرات تلك العائلة. وهكذا كان فى وشاية سمعان خيانة لرفقائه بنى طوبيا وكذلك للفقراء !.
وتشير المصادر اليهودية المتأخرة إلى أن المتبرع بأموال الذبائح، كان يفقد كل حق لاستعادة ما قد تبرع به منذ لحظة إعلانه عن ذلك بل منذ لحظة اتخاذه مثل ذلك القرار ذهنياً، أما القانون اليوناني فقد نصّ على أن تكون مثل هذه الأموال غير قابلة للسلب أو الاسترداد، وإن كان ذلك يسري فقط منذ لحظة اتخاذ القرار بالتخصيص أو الاستلام الرسمي، مثل قيام كاتب الهيكل بتدوين المبلغ المتبرع به بدفتر حسابات الهيكل.
من هنا فإن أية أموال ُقدمت من سلوقس الرابع لأجل الذبائح، لابد وأن يكون قد تم استلامها بطريقة رسمية من قبل الهيكل، وبذلك تصبح غير قابلة للاسترداد، ولكن الملك كان بمقدوره مقاضاة العاملين بالهيكل بما فيهم رئيس الكهنة إذا ُاسئ استخدام تلك الأموال، ولكنه ليس هنا أي دليل على أن القانون اليهودي قد سمح للكهنة بالتصرف بحرية فى الأرصدة الفائضة من الأموال المتبرَّع بها للذبائح.
الودائع فى الهيكل:
كشف سمعان عن وجود ودائع خاصة، وبينما كان بوسع الشخص اليونانى تكريس أموال لأحد الآلهة لحفظها بهيكله والتعامل مع هذه الأموال وكأنها وديعة عادية، إلاّ أن اليهودى لم يكن يتاح له ذلك، فإذا كرس اليهودي مالاً يكون بذلك قد وهبه بصفة نهائية للهيكل.
وقد اعتبر سمعان أن الذبائح وهى أهم ما يحتاج إلى المال من خزانة الهيكل، هى ما يجب الاحتفاظ باحتياجاتها، ولكن ما هذا إلى جوار تلك الأكداس من المال، يضاف إلى ذلك أن الملك نفسه كان مهتماً بذبائح الهيكل كما مر بنا (آية 2 ، 3) وبالتالى فمن حق الملك تحويل تلك الأموال إلى خزانته !.

st-athanasios
02-21-2009, 02:42 PM
الأصحاح الثالث

لأن الذى يسكن السماء هو يسهر على هذا المكا ن

مع أن هليودورس وزير الملك سلوقس الرابع كان مكلفاً بشكل رسمى بنقل كنوز الهيكل إلى خزينة المملكة، إلاّ أن الله دافع عن الهيكل وعاقب هليودورس على نحو غير مسبوق، مما حدا به إلى تقديم ذبيحة سلامة لله فى الهيكل ذاته، كما راح يشهد لإله السماء أمام الكل. وهى قصة ممتعة غنية بالصور المتعددة للتقوى والتوبة، وإن كان أجمل ما فيها هو أن الدموع والانسحاق يستدران عطف الله وحنوّه.

حالة من الأستقرار

1 حين كانت المدينة المقدسة عامرة آمنة، والشرائع محفوظة غاية الحفظ، لما كان عليه أونيا عظيم الكهنة من الورع والبُغض للشر، 2 كان الملوك أنفسهم يعظمون المكان المقدس ويكرمون الهيكل بأفخر العطايا، 3 حتى إن سلوقس، ملك آسية، كان يؤدى من دخله الخاص جميع النفقات
المختصة بخدمة الذبائح.



يعود بنا السفر هنا إلى ما قبل عصر أنطيوخس أبيفانيوس ( وهو الشخصية الوثنية المحورية فى كلا السفرين ) فى تلك المرحلة السابقة عليه كانت اليهودية تنعم بالحرية النسبية، وذلك نظراً لرغبة كل من السلوقيين والبطالمة فى استمالة اليهود إلى جانبهم، وهكذا فإن السلوقيين والذين آلت إليهم اليهودية على يد أنطيوخس الكبير سنة 200 ق.م. أظهروا تعاطفاً مع اليهود مانحين إياهم مزيداً من الحريات.

سلوقس فيلوباتير الرابع (187ـ 175 ق.م.):
هو الابن الأكبر لأنطيوخس الثالث الكبير، وشقيق أنطيوخس الرابع أبيفانيوس والذى خلفه على العرش، وأبو ديمتريوس الأول (1مكا 7: 2 و2 مكا 14: 1) وفى بداية حكمه شرع بطليموس أبيفانيوس المصري فى محاربته، ولكنه قُتل بالسم على أيدى رجاله.
ويدعى سلوقس (فى الآية 3) هنا : ملك آسية، وهو اللقب الذى أحبّ الملوك السلوقيين دوماً خلعه على أنفسهم، ذلك على الرغم من كثرة هزائمهم، والتى لم تترك لهم المساحة التى يطلق عليها آسيا كلها. هذا وقد حاول كل من أنطيوخس الكبير وسلوقس ابنه هذا، التصالح مع الحزب اليهودي المؤيّد للبطالمة، وهو الحزب الذى كان يرأسه أسرة أونيا رئيس الكهنة والذى يسمىّ اصطلاحاً "بيت أونيا" أو "أسرة أونيا" فى حين كان الحزب المنافس له هو حزب طوبيا "بيت طوبيا" والذى يمثل الفكر الهيليني (الحضارة الهيلينية) وهو الحزب الذى سعى رجاله دوماً فى شق الطريق إلى السلطة وذلك بكسب ودّ السلطات السلوقية، حتى وان كان فى ذلك خيانة للشريعة والتقاليد والقيم اليهودية.
وكان من بين علامات الودّ بين سلوقس واليهود، تقديره لهيكلهم وشعائرهم، فقد كان يتكفّل بنفقات الذبائح والاحتفالات لا سيما فى الأعياد الثلاثة الرئيسية، وكان مثل هذا المسلك بلا شك يشعر اليهود بالامتنان، فقد كانت كافة الشعوب وما تزال ُتولي اهتماماً خاصاً بالجانب الديني، وبالتالي يمكن كسب ودها من خلال ذلك، فالوطن والدين ُيعدان من أقدس ما يخصّ الشعب. وكان أنطيوخس أبيه قد سبقه فى هذا المسلك (1مكا 10 : 39). إذ أغدق الكثير من الامتيازات على اليهودية وأورشليم إزاء تعاون اليهود معه.
كما قام كل من بطليموس الثانى الملك المصري ومن بعده بطليموس الثالث بتكريم الهيكل من عطاياهم وأموالهم، حيث احتاجت العبادة فى الهيكل كميات كبيرة من الحيوانات والحبوب والخمر والزيت والبخور، وهى باهظة التكلفة لولا كرم أولئك الملوك.
ومن جهة أخرى كان هؤلاء الملوك يسرون بزيادة شعبيتهم من خلال إظهار كرمهم للمعابد، سواء اليونانية منها أو غير اليونانية، كلّما سمحت مواردهم بذلك، وأما سلوقس الرابع فربما يكون قد واصل ممارسات ملوك إسرائيل ويهوذا فى القيام بنفقات الذبائح (حزقيال 45: 17) والملوك الفرس (عزرا 6 : 9 ،10 و 7: 20-23) أما فى أيام نحميا فقد قرّر اليهود أن يتحمّلوا النفقات الخاصة بتقديم الذبائح (نحميا 10: 33-34). ربما بسبب أن الملك قد توقّف عن تمويلها. وتشير بعض النصوص الربانية إلى أن الربيين أصروا على قيام الشعب بتحمل نفقات الذبائح، بينما رأى الصدوقيين أن يتحمل هذه النفقات بعض الأثرياء، ولكن وجهة النظر الفريسية هى التى سادت، وقد أشار يوسيفوس إلى ذلك (1 (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175607&posted=1#_ftn1)).

أونيـا: المقصود هناهو أونيا الثالث Onias III ابن سمعان الثاني وحفيد أونيا الثاني (وليس ابنه) كان رئيساً للكهنة فى عهد سلوقس الرابع المذكور هنا، وهو ينتمى إلى ذرية صادوق (2صم 8 : 17 و 1أخ 5: 27) بل يرجع أصل هذه العائلة إلى أيام يشوع نفسه (نحميا 12: 10) وقد امتدحه يشوع بن سيراخ فى سفره (50: 1) كما أثنى عليه السفر هنا كثيراً (4 : 5-6 و 15 : 12) ومن الصفات التى تُنسب إليه: الرجل الصالح / المحب لأمته / المحب للفضيلة / عديم الغش / الساعى فى خير أمته، وسوف تكتسب هذه الصفات بعداً هاماً ومعنىً جليلا، إذا ما ُقورن أونيا برؤساء الكهنة الثلاثة الذين أعقبوه على التوالى.
خدم أونيا فى عهد سلوقس الرابع وأنطيوخس الرابع، وعندما رأى أونيا أن شر سمعان - الوكيل الخائن - يتزايد، أرسل إلى الملك يطلب إليه التدخل لسلام الأمة، ولكن الملك كان قد عَيّن ياسون للتو رئيساً للكهنة، ولم يكن أونيا يعرف، فجاءه ردّ الملك باعفائه من منصبه (7:4) وسريعاً ما أعقب ياسون، شخص آخر يدعى منلاوس حصل على رئاسة الكهنوت عن طريق الرشوة أيضاً، وبسبب الخوف من التنافس اتفق مع شخص يدعى أندرونيكس على قتل أونيا (4: 33-38) ومن بعد موته ظهر مع إرميا النبى ليهوذا المكابي يشجعه قبل حرب التحرير التى خاضها الأخير (15:12-14). بينما يرى يوسيفوس أن أونيا مضى إلى مصر حيث رحب به الملك هناك ومنحه مكاناً لإقامة هيكل لليهود على غرار الذى فى أورشليم.
+ + +

st-athanasios
02-21-2009, 02:44 PM
كان الأمن فى البداية مستتباً فى المدينة، كما كانت الخدمة والاحتفالات تتم فى الهيكل بصورة طبيعية، وكذلك الذبائح تقدم فى مواعيدها بكمياتها التقليدية، وهكذا سادت هناك حالة من الرخاء والطمأنينة، ولكنها لم تدم طويلاً، فلم يهنأ اليهود كثيراً على مدار تاريخهم طويلاً، إذ لا يلبثوا بين الحين والآخر أن يتعرضوا للاستعمار والقتل والنهب والقهر، بسبب مطامع الغرباء، هذا من جهة، ومن الجهة الآخرى فكثيراً ما كانت تنهشهم الخلافات الداخلية والصراعات على السلطة المدنية أو الدينية، غير أن أسوأ ما فى الأمر هو وشاية البعض وخيانتهم لأمتهم كما سنرى.
يتحدث السفر هنا عن كرم سلوقس الرابع بهدف المقارنة ما بين أونيا الثالث وأعدائه، فإن تقوى أونيا تحثّ الملك ذاته على الإسهام بمبالغ كبيرة للهيكل، بينما يسعى سمعان الخائن إلى محاولة مَلَكِيّة للاستيلاء على الودائع التى بالهيكل (آية 5- 11) كما سعى ياسون رئيس الكهنة المرفوض إلى زيادة الضريبة المفروضة على اليهود للمملكة السلوقية (4: 7-9) مثلما زاده أيضاً منلاوس رئيس الكهنة المرفوض أيضاً، بقدر أكبر (4: 24) وسرق من الهيكل ليرشي موظفي الملك (4 : 32-34 و 39-46) وكان دليلاً لأنطيوخس الرابع عندما سلب مقتنيات الهيكل.

وشايه سمعان الوكيل

4 وإن رجلاً اسمه سمعان، من سبط بلجة، كان مقلداً الوكالة على الهيكل، وقع بينه وبين عظيم الكهنة خلاف فى أمر المحافظة على أمن أسواق المدينة. 5 وإذ لم يمكنه التغلب على أونيا، ذهب إلى أبلونيوس، بن ترساوس، وكان إذ ذاك قائداً فى بقاع سورية وفينيقية، 6وأخبره ِأن الخزانة التى فى أورشليم مشحونة بما لا يستطاع وصفه من الأموال، حتى إن الدخل لا يحصى لكثرته، وأن ذلك لا يتناسب مع نفقة الذبائح، فيمكن إدخال ذلك كله فى حوزة الملك.

سمعـان: هو شخص من سبط بلجة (بنيامين) وتأتى بلجة فى بعض النصوص اليونانية واللاتينية والفولجاتا والسريانية: بنيامين Benjamin، بينما تأتى فى اللاتينية القديمة Balcea، وفى النص الأرامى Balgei، وفى النص الماسوري Bilgah. وقد ُاشير إلى بلجة في (نحميا 12: 5 ،18 و 1أخ 24 : 12) وتأتى بمعنى عشيرة، كذلك تعنى كلمة Trib سبط أو عشيرة Clan، وهكذا تعنى كلمة "فيلي Phyle" سبط أو قبيلة (عشيرة). وهكذا فمن المرجّح أن يَكون سمعان من سبط بنيامين وعشيرة أو قبيلة بلجة ومن المرجّح أيضاً أن يكون سمعان هو شقيق منلاوس رئيس الكهنة (الخائن) وهكذا فكلاهما ينتميان إلى بيت طوبيا، الممثل للاتجاه الهيليني فى البلاد، وكان سمعان ينتمي إلى الطبقة الراقية فى تلك العائلة. ولا يُعرف على وجه الدقة طبيعة وظيفته.
ولكن التعبير المستخدم هنا "وكالة" Chief guardian استخدم فى المجال العسكري والديني، وقد استخدم فى قصة البعل والتنين فى تتمة سفر دانيال، وفى إحدى البرديات المصرية اشارة إلى كاهن هناك فى
سنة 164 ق.م. ُيوصف بأنه "القائد المدبر للهيكل"(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175607&posted=1#_ftn2) ، كما جاءت أيضاً بمعنى "قائد" فى (1أخ 27: 31 و 29 : 6 و 2 أخ 8 : 10) وأما فى (2أخ 24 : 11) فقد جاءت بمعنى "مراقب دواوين الملك". وهو نفس المصطلح (قائد) الذى ورد فى (1مكا 14: 47) حين رضى سمعان المكابي أن يكون رئيس كهنة وقائد ورئيس لأمة اليهود والكهنة. ووردت فى سيراخ (45 : 24) "رئيس للهيكل والشعب" وفى سفر العدد (25 : 22) وكذلك فى إشارة رئيس حافظ الأبواب فى (1 أخ 9 : 20). كما شمل التعبير أيضاً فى مواضع أخرى من الكتاب المقدس رئيس الكهنة، وكاهن ورئيس قبيلة، وأما بحسب يوسيفوس وأسفار العهد الجديد فقد يكون "قائد جند الهيكل" (أعمال 4 : 1 و 5 : 24 ، 26) وهى الوظيفة التى تناسب المقام هنا.
إن اللقب المنسوب إلى سمعان هنا يأتى فى اليونانية Prostates بمعنى حارس أو رئيس أو وصي، وقد ورد لقب مشابه فى سفر دانيال لوصف كبار مديري الهيكل المسئولين عن العطايا من الأطعمة المقدمة للإله (بل / بعل) كما ورد المصطلح Prostates فى إشارة كاهن مصري إلى نفسه باعتباره المدير الأعلى (رئيس الموكلين) لأحد المعابد، راجع (أخبار الأيام الأول 27 : 31 و 29 : 6 "رؤساء الأملاك أو أشغال الملك" وكذلك 2أخ 8 : 10 "رئيس الموكلين"). وغيره كثير من المواضع فى الكتاب المقدس. وفى العهد الجديد يفيد المصطلح Prostates: "الآمر" فى الهيكل، وفى الأدب العبرى المتأخر ُيمنح الكاهن التالي لرئيس الكهنة فى الرتبة لقب (Segan الكهنة) ولا يمنح أبداً لقب (Segan الهيكل).
إذن فقد كان سمعان كاهناً بل وهو الرجل الثاني بعد رئيس الكهنة "Segan" ويرى يوسيفوس أن كلٍ من أونيا وياسون ومنلاوس وسمعان هم جميعاً أولاد سمعان الثاني رئيس الكهنة، ولا ُيعرف على وجه الدقة طبيعة ذلك الخلاف الذى نشأ بين الاثنين، وما هى مهمة المحافظة على الأسواق فى المدينة ؟ هل كان بحكم وظيفته كقائد لكتيبة من الجنود تابعة للهيكل، مسئولاً عن حفظ النظام داخل الهيكل وحوله مثلما يحدث الآن فى أغلب الكنائس والكاتدرائيات ؟ ثم امتدت مسئوليته إلى الحفاظ على أمن أسواق المدينة ؟ وهل كان هناك كسب مادى من وراء ذلك ؟. أياً كان الأمر فإن سمعان عندما فشل فى فرض سيطرته على رئيس الكهنة لجأ إلى الوشاية. وفى الأزمنة التالية أعتبر اليهود عشيرة بلجة خِزياً بسبب أعمال العقوق التى اقترفها أفرادها خلال فترة حكم أنطيوخس أبيفانيوس الرابع.
أبـولونيـوس بن ترساوس Appolonius of Therseus :
ويأتى الاسم فى ترجمات أخرى Tharsseas, Tharsai ومعناه: جرئ أو شجاع، وقد ُذكر أبولونيوس في الأصحاح الرابع على أنه إبن مسنتاؤس (4:4)، ويرجّح الكثير من الشراح أن يكون اسمه: "أبولونيوس الطرسوسي بن مسنتاؤس" أو "أبولونيوس بن مسنتاؤس الطرسوسي" (4: 4، 21). وهو قائد إقليم البقاع (قول سوريا) وهى منطقة تشمل: اليهودية وإقليم سلوقية، ومناطق ما بين الفرات والمتوسط (الخاضعة لسلوقية) والمدن اليونانية فى شمال سوريا. وقد ورد فى الآية تعبير "إذ ذاك" (أو فى ذلك الزمان) للتمييز بينه وبين كثيرين يحملون ذات الاسم.
وبقدر ما كانت وشاية سمعان رديئة وخطيرة، إلاّ أن سلوقس قد رأى فيها مخرجاً من المأزق الذى تركه له أبوه، بسبب الديون الثقيلة المستوجبة على المملكة للرومان بعد معركة مغنيسيا، بل وكثيراً ما كانت خزينة المملكة تفرغ لأسباب مختلفة، راجع: (1مكا 3: 29 و 8 : 7 و 2مكا 8 : 10) أما الأموال التى كانت فى خزانة الهيكل فى ذلك الوقت، فقد كانت تفوق أي توقع، ما بين أموال سائلة وودائع لأرامل وأيتام ورجال أعمال، وسبائك ذهبية وأخرى فضية، وهو ما يعادل فى مجموعة مليون جنيه استرلينى (سنة 1900) ([1] (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175607&posted=1#_ftn3)).


كما كان جزء من هذه الأموال عبارة عن صندوق خيري، إضافة إلى الودائع، لا سيّما ودائع بيت طوبيا، إذ يبدو أن هرقانوس المذكور هنا كان أحد أشراف ومليونيرات تلك العائلة. وهكذا كان فى وشاية سمعان خيانة لرفقائه بنى طوبيا وكذلك للفقراء !.
وتشير المصادر اليهودية المتأخرة إلى أن المتبرع بأموال الذبائح، كان يفقد كل حق لاستعادة ما قد تبرع به منذ لحظة إعلانه عن ذلك بل منذ لحظة اتخاذه مثل ذلك القرار ذهنياً، أما القانون اليوناني فقد نصّ على أن تكون مثل هذه الأموال غير قابلة للسلب أو الاسترداد، وإن كان ذلك يسري فقط منذ لحظة اتخاذ القرار بالتخصيص أو الاستلام الرسمي، مثل قيام كاتب الهيكل بتدوين المبلغ المتبرع به بدفتر حسابات الهيكل.
من هنا فإن أية أموال ُقدمت من سلوقس الرابع لأجل الذبائح، لابد وأن يكون قد تم استلامها بطريقة رسمية من قبل الهيكل، وبذلك تصبح غير قابلة للاسترداد، ولكن الملك كان بمقدوره مقاضاة العاملين بالهيكل بما فيهم رئيس الكهنة إذا ُاسئ استخدام تلك الأموال، ولكنه ليس هنا أي دليل على أن القانون اليهودي قد سمح للكهنة بالتصرف بحرية فى الأرصدة الفائضة من الأموال المتبرَّع بها للذبائح.
الودائع فى الهيكل:
كشف سمعان عن وجود ودائع خاصة، وبينما كان بوسع الشخص اليونانى تكريس أموال لأحد الآلهة لحفظها بهيكله والتعامل مع هذه الأموال وكأنها وديعة عادية، إلاّ أن اليهودى لم يكن يتاح له ذلك، فإذا كرس اليهودي مالاً يكون بذلك قد وهبه بصفة نهائية للهيكل.
وقد اعتبر سمعان أن الذبائح وهى أهم ما يحتاج إلى المال من خزانة الهيكل، هى ما يجب الاحتفاظ باحتياجاتها، ولكن ما هذا إلى جوار تلك الأكداس من المال، يضاف إلى ذلك أن الملك نفسه كان مهتماً بذبائح الهيكل كما مر بنا (آية 2 ، 3) وبالتالى فمن حق الملك تحويل تلك الأموال إلى خزانته !.

هليودورس يستطلع الأمر

7 فقابل أبلونيوس الملك وأعلمه بالأموال التى وصفت له، فأختار الملك هليودورس، قيم المصالح، وأرسله وأمره بجلب الأموال المذكورة. 8 فتوجه هليودورس لساعته، قاصداً فى الظاهر تفقد مدن بقاع سورية وفينيقية، وكان فى الواقع يقصد تنفيذ إرادة الملك. 9 فلما قدم أورشليم، أحسن عظيم الكهنة فى المدينة استقباله، ففاتحه بما كشف، وصرح له بسبب قدومه، وسأله هل الأمر فى الحقيقة كما ذكر له.

هليـودورس Heliodorus : اسم يونانى معناه "عطية الشمس" وهذا الاسم كان منتشراً فى سورية نظراً لانتشار عبادة الشمس هناك، ويذكر فى النقوش الأثرية أنه وزير للملك سلوقس الرابع، وبالتالى فهو يفوق أبولونيوس فى المكانة مما يجعله يشرف على أعمال الأخير (آية8). وقد نشأ هليودورس منذ طفولته مع سلوقس وظل يعمل معه حتى موته سنة 175 ق.م. وُيقال أنه هو المتسبّب فى موته، وقد اتبع أسلوباً دبلوماسياً فى محاولته تنفيذ أمر الملك، وبالرغم من أنه قام أولاً بجولة تفقدية روتينية، فقد كان ذلك اجراءاً تكتيكياً ربما لكسب الوقت واعطاء مزيد من الوقت لنجاح المهمة، ربما حتى لا يحتاط رئيس الكهنة والشعب للحيلولة دون مصادرة أموال الهيكل.
وقد كان هليودورس واضحاً وصادقاً عندما فاتح رئيس الكهنة فى الهدف من مأموريته، شارحاً له موقف المملكة وحاجتها الماسة إلى المال مهوّناً عليه أمر التنفيذ، ومن المنطقي أيضاً أنه طمأنه بتعهد الملك -كعادته- فى القيام بنفقات الذبائح فى الهيكل. هذا وتشير (الآية 9) إلى أن رئيس الكهنة هو أكبر شخصية فى المدينة "رئيس كهنة فى المدينة" وإلاّ لكان هليودورس قد لجأ إلى الحاكم لإرغام رئيس الكهنة على تلبية أمر الملك.
ولكن لماذا بدأ هليودورس مهمته مهادناً ملاطفاً؟.. لقد عُرف عن اليهود طاعتهم للملك، ولكن الذرائع والمبررات التى ساقها هليودورس لرئيس الكهنة لتبرير حمل أموال الهيكل كانت بسبب الخوف من المتشددين والمتهورين اليهود والذين سيعتبرون مهمته إهانة للهيكل، حيث كان الاستيلاء على أموال الهيكل: "خطية تدنيس" في نظر اليهود.
وكان مجئ هليودورس المفاجئ قد جعل من الصعب على الثوريين اليهود الوقوف قدامه، وكذلك حتى لا تكون هناك فرصة لأحد المودعين أن يسحب أمواله ..

st-athanasios
02-21-2009, 02:45 PM
حقيقه اموال الهيكل

10 فذكر له عظيم الكهنة أن المال هو ودائع للأرامل واليتامى، 11 وأن قسماً منه لهرقانس بن طوبيا، أحد كبار الأشراف، وأن الأمر ليس على ما وَشَى به سمعان الكافر، وإنما المال كله أربع مئة قنطار فضة ومئتا قنطار ذهب، 12 فلا يجوز بوجه من الوجوه هضم حقوق الذين ائتمنوا قداسة المكان ومهابة وحُرمة الهيكل المكرم فى المسكونة كلها.

كان رئيس الكهنة فى المقابل حكيماً رصيناً، فقد أكرم وفادة الموظف الكبير بما يليق بمكانته كممثل للملك، ثم شرح طبيعة ما تحتويه خزانة الهيكل، وأما هرقانوس بن طوبيا (من بيت طوبيا) فهو والى أرض بني عمون والتى ُسميت فى (1مكا 5: 13) "أرض طوب" وكانت تحكمها أسرة بنى طوب (نحميا 2: 6 و 6: 17 و 13: 8).
إن ذكر هرقانوس هنا بمثابة مفتاح هام لهذه الواقعة، فقد كان يمكن لسمعان وجماعته وكذلك الحكومة السلوقية، اعتباره متمرداً وأن أمواله مصادرة، بينما اعتبره حونيا وجماعة اليهود المؤيدين له ليس متمرداً بل حاكماً مستقلاً، فإننا لم نسمع أن سلوقس قد فكر فى شنّ حرب على هرقانوس، كما لم نسمع أن حونيا مهتم بمساعدة أحد العصاة أو المتمردين من خلال قبول ودائعه، ومع ذلك فإن الحكومة المدفوعة بشدة الاحتياج إلى المال، أسرعت منتهزة الفرصة لمصادرة ثروة هرقانوس، بينما رأى اليهود أن محاولة مصادرة ودائع هرقانوس والذى لم تشن عليه الحكومة حرباً هى إهانة للهيكل وإلههم.

قيمـة المـال الموجود فى الخزانـة: تعادل كمية الفضة الموجودة فى ذلك الوقت عشرة آلاف وخمسمائة كيلو جراماً، بينما تعادل كمية الذهب خمسة آلاف ومئتين وخمسون كيلو جراماً، ويساوى الذهب وحده الآن حوالى ستة عشر مليوناً من الجنيهات المصرية، بينما تساوى الفضة 8930000 جنيهاً مصرياً، وهو ما يعادل (1300.000 جنيه استرلينى ذهب + 725.000 فضة).
وقد اعتبر اليهود أنه من العار التفريط فى الودائع، إذ ينظر المودعين إلى الهيكل باعتباره أأمن وأقدس مكان وبالتالي تجب المحافظة عليه ضد أية محاولات لنهبه أو الإساءة إليه، ولعلنا نجد اشارة إلى ذلك في حديث السيد المسيح عن الفريسيين الذين يأكلون بيوت الأرامل والأيتام، حيث يرى الكثير من المفسرين أن المقصود هنا هو تبديد الأموال الممنوحة للهيكل لحساب هذه الطبقة من المجتمع اليهودى أو الودائع التى تستأمن الأرامل الهيكل عليها (متى 23 : 14).
وكان يمكن لأرامل اليهود فى ذلك الزمان امتلاك مهورهن والأملاك الممنوحة لهن من أزواجهن، وربما ُقصد بالأرامل والأيتام هنا: أتباع هرقانوس نفسه. ولقد كان سلب الودائع أمراً خطيراً فى القانون اليوناني، والأكثر خطورة هو الاستيلاء على أموال مودعة بالهياكل، ولقد اعتبر كل من اليهود واليونانيين أن الودائع المحفوظة بالهيكل غير قابلة للنهب أو السلب فى الأحوال العادية.
هرقانوس بن طوبيا:
كوّن يوسف والد هرقانوس Hyrcanous ثروة من عمله كمزارع وجامع ضرائب للبطالمة فى فلسطين وسوريا فى الربع الأخير من القرن الثالث ق.م. وكان هرقانوس المولود بين عامى 226 و 223 أصغر ثمانية أبناء، وإذ كان ذكياً متميزاً منذ الصغر فقد أثار حسد أشقاؤه. وفى عام 210 ق.م. فاز هرقانوس برضى بطليموس الرابع بذكاءه وهداياه الثمينة إلى الملك والملكة، وبذلك أبعد حتى والده عن عطف بطليموس، وقد أشعل نيران الغيرة فى أشقائه لدرجة أنهم حاولوا قتله، ولكنه وما أن نجح فى قتل اثنين منهم، حتّى فر إلى قلعة العائلة فى منطقة عبر الأردن فى الموقع المعروف باسم: "عرق الأمير" حيث أصبح جابي ضرائب للحكومة البطلمية. غير أن البطالمة سريعاً ما فقدوا سيطرتهم على فلسطين وسوريا عندما فتح أنطيوخس الثالث المنطقة بين عامى 202 – 197 ق.م. فتحوّل عندئذ ولاء سمعان رئيس الكهنة والطوبيين إلى السلوقيين، باستثناء هرقانوس والذى واصل ولائه للبطالمة منصّباً نفسه حاكماً شبه مستقل فى منطقة عبر الأردن، وأما السلوقيين فلم يعيروا الأمر اهتماماً وكذلك لم يعادِ هرقانوس السلوقيين.
ولكونه لم يكن أميناً بل نهب الكثير من جيرانه العرب، فإنه لم يكن يثق بأحد من اتباعه، وبناءاً على ذلك كان بحاجة إلى مكان آمن يودع فيه غنائمه، وكان أونيا الثالث أحد أبناء عمومة هرقانوس. ومع أن أونيا البار هذا كان موالياً باستمرار للسلوقيين، إلاّ أنه لم يجد غضاضة فى قبول ودائع هرقانوس، مع أنه كان يخشى أن يعادى بذلك أشقاء هرقانوس. ونعرف من يوسيفوس أن منلاوس المغتصب الثاني لمنصب الكهنوت (2مكا 4:23-25) كان حليفاً لأشقاء هرقانوس.


إنتحر هرقانوس فى وقت لاحق اعتقاداً منه أنه لا أمل فى مقاومة أنطيوخس الرابع بكل قوته، ربما جاء يأسه بسبب غزو أنطيوخس هذا للمساحة الأكبر من الامبراطورية البطلمية سنة 169 ق.م.

والذى حدث أن رئيس الكهنة بذكره هرقانوس، ربما يكون قد أضعف من موقفه بذكر أحد المودعين الذى يمكن اعتباره متمرداً على المملكة، في حين يرى آخرون أن في حماية أموال الهيكل تكريماً لهرقانوس. . .


"المكـان": اصطلاح كتابى اسُتخدم للدلالة على "المكان المقدس" مثل قولنا "الكتاب" فى إشارتنا إلى الكتاب المقدس "بل المكان الذى يختاره الرب إلهكم من جميع أسباطكم ليضع اسمه فيه سكناه تطلبون وإلى هناك تأتون" (تثنية 12 : 5). وهكذا حاول رئيس الكهنة تفنيد وشاية سمعان ومنع هليودورس من المضى قُدماً فى تنفيذ مخطط الملك معتبراً أن سمعان الواشي: "كافراً" إذ كفر بالشريعة والهيكل والفقراء واليتامى، بل وبعشيرته هو
(بيت طوبيا) بسبب الضرر الذى يعرف مسبقاً أنه سيلحق بـ "هركانوس".

اضطراب المدينة اكليروساً وشعباً

13 لكن هليودورس، بناء على أمر الملك، أصر على مصادرة الأموال إلى خزانة الملك. 14 وعين يوماً دخل فيه لوضع قائمة عن هذه الأموال. فساد كل المدينة ضيق شديد. 15وانطرح الكهنة أمام المذبح بحُللهم الكهنوتية، يبتهلون إلى السماء التى سنت فى الودائع أن تُصان لمُستودعيها. 16 وكان من رأى وجه عظيم الكهنة يتقطر فؤاده، لأن منظره وامتقاع لونه كانا يُنبئان بما فى نفسه من الضيق، 17 إذ كان الرجل قد داخله الرعب والقشعريرة، فكانا يدلان الذين ينظرون إليه على ما فى قلبه من الألم. 18 وكان الناس يتبادرون من البيوت أفواجاً ليصلوا صلاة عامة، لسبب العار الذى يُهدد المكان المقدس. 19وكانت النساء يزدحمن فى الشوارع، وهن متحزمات بالمسوح تحت ثديهن، والفتيات الملازمات البيوت يركضن بعضهن إلى الأبواب، وبعضهن إلى الأسوار، وغيرهن يتطلعن من النوافذ، 20 وكلهن باسطات أيديهن إلى السماء يتضرعن بالابتهال. 21 فكان إعياء الجمهور وانتظار عظيم الكهنة، وهو فى ضيق شديد، مما يثير الشفقة. 22 وكانوا يتضرعون إلى الرب القدير أن يحفظ الودائع سالمة وفى أمان لمستودعيها. 23أما هليودورس، فكان يُنفذ ما قُضى به.

على الرغم مما بدا عليه هليودورس من الحياد والطاعة لملكه والذى أمره بمصادرة أموال الهيكل، مما يعني أنه لا نفع شخصي له، إلاّ أن ذلك لم يعفيه من العقاب، وكما كان هليودورس ممثلاً عن سلوقس الملك، فقد كان العقاب بالتالي موجهاً للملك من خلال مندوبه. وفى أيام داود النبى لم يَنج ُعزّة من العقاب الصارم بسبب لمسه لتابوت الرب عندما انشمصت البقر التي تحمله رغم أنه كان بدافع الغيرة المقدسة يفعل ذلك، فقد مات فى الحال وهو اليهودى الغيور الذي أراد الحيلولة دون سقوط تابوت عهد الرب (2صم 6 : 3-7) فكم يكون عقاب ذلك الأممي الذى يود اهانة الموضع المقدس، كما عوقب الخمسين رجلاً الُمرسلون من قبل أخزيا الملك إلى إيليا للقبض عليه إذ نزلت نار من السماء وأكلتهم مع قائدهم، وتكرر الأمر ثانية مع المجموعة الثانية، بالرغم من أنهم كانوا ينفذون أمر الملك فحسب، فقد كانت الرسالة من خلال العقاب موجهة إلى الملك أولاً ثم إلى كل من تسول له نفسه المساس برجال الله أو بيته (2مل 1: 9-14).
بدا هليودورس مستمراً فى إجراءاته لتنفيذ أمر الملك، فحدد يوماً لجرد الخزينة وعمل قائمة بمحتوياتها، حتى لا يبدو عمله وكأنه سطو ونهب بل مجرد تنسيق يتماشى مع سياسة الدولة وتدبيرها، ولم يلجأ إلى العنف أو السلاح لتحقيق غايته ولم يقبض على أحد ولم يهدّد رئيس الكهنة ويظهر ذلك جلياً فى (آية 23). ولكن لماذا عيّن هليودورس يوماً لذلك ولم يستفد من عنصر المفاجأة، كما لم تكن الخزائن مخبأة فى الداخل بل كان الدخول إليها متاحاً للوثنيين، ولكن الأمر كان يحتاج إلى فحص الودائع وهويتها وليس أموال الذبائح والتى من المرجح أنها كانت تحفظ فى أوان تحمل علامات خاصة، أو على هيئة كومة على الأرض، وأما ودائع هرقانوس وجماعته فقد حفظت على الأرجح فى أوان تحمل اسماؤهم.
ولكن اليهود والذين اعتادوا على مثل تلك النواكب والأطماع منذ زمن بعيد، كانوا أيضاً قد خبروا جيداً الطريقة التى يدرأون بها الخطر عن أنفسهم وعن مقدساتهم وبلادهم، فهم يستطيعون استعطاف الله واستدرار مراحمه حتى يدافع عنهم، وفى المقابل كان الله فى كل مرة رحيماً بهم يدفع عنهم الخطر، رغم ما اقترفوه من شرور قدامه. فبعد كسرتهم فى عاي سمع لنحيبهم وتذلّلهم ونصَرهم من جديد (يش 7: 6-9) وعندما حاصر سنحاريب البلاد بجيوشه الجرارة، لجأوا إليه فدحر عنهم تلك الجيوش بعد الخسارة الفادحة فى الأرواح بين جنود الأشوريين (2مل 19: 15-19) وفى أيام يهوديت سمع لصراخهم ونظر إلى دموعهم ومسوحهم وخلّصهم من أليفانا وطرد من قدامهم جيوشه (يهوديت ص 9).
وفى نفس هذه الحقبة المكابية تعرض الهيكل للإهانة، من قبل نكانور أحد قواد ديمتريوس الأول، حيث هدد بحرق الهيكل، وبكي الشعب قائلين "أنت يا من اختار هذا البيت ليدعى باسمك ويكون بيت صلاة وتضرع لشعبك، فانتقم من هذا الرجل وجيشه.. " (1مكا 7: 37 ،38). بشأن التضرع الجماعى. أنظر أيضاً (يوئيل 2: 15-17).
ورغم أن اليهود قد اعتادوا لبس المسوح فى مثل تلك المواقف مع ما يرافق ذلك من حثو الرماد والجلوس فى التراب، إلاّّ أنهم هنا ُيمعنون في اذلال نفوسهم قدام الرب، إذ ينطرح الكهنة بثيابهم الكهنوتية أمام المذبح بما فيهم الكهنة الذين ليست دوريتهم فى الخدمة، فى إشارة واضحة إلى العار والهوان اللذان سيلحقان بالكهنوت والهيكل، فى حالة إذا ما نجحت خطة هليودورس، مما يشكك فى مصداقية المكان فى حماية أموال المودعين، وأما النص الكتابى الذى يوصى بضرورة صيانة الودائع فقد ورد فى سفر الخروج ( 22: 7-15).
وأما رئيس الكهنة فقد أظهر حزنه وضيقه ومرارة نفسه: مدى أمانته لدوره وعمله، ومقدار محبته للهيكل وحفظه للمقدسات، ذلك مقارنة بشخصية سمعان ومن بعده رؤساء الكهنة الثلاثة الذين أعقبوا أونيا والذين اتّخذوا منهجاً عكسياً لمنهجه، بل أن واحداً منهم نهب الهيكل بنفسه وباع نفائسه فى الأسواق الوثنية (4: 32 ،33) كما قام آخر هو ليسيماخوس شقيق منلاوس بنهب الهيكل (4: 39-42).
ومما يثير العجب تفاعل الشعب كله من إكليروس وعامة، مع الضيقة التى تمر بها أمتهم مما يعكس إيجابية يفتقر إليها الكثيرون من الأفراد والشعوب، فلم ينظروا إلى المأساة باعتبارها أمراً يخص الكهنة القائمون على الهيكل، كما لم يقف تفاعلهم عند حد الصلاة في المخادع ولكنهم تخطوا ذلك إلى الشوارع والطرقات والأسوار والأبواب مستعطفين الرب بدموع سخيّة، بل أنهم لم يعتبروا الهيكل مكاناً يخص الله وهو كفيل بالدفاع عنه، ولكنهم عبروا عن محبتهم لإلههم وكنيستهم مسكن الله. لقد كان الأمر فى أيام سنحاريب ويهوديت يتعلق بحياة الشعب بشكل مباشر، عندما كانوا معرّضون للقتل والسبي والنهب، ولكنه هنا يخص جزءا فى الهيكل، وما أشبه أولئك النسوة والفتيات فى ذلك الموقف، بأولئك اللائي خرجن خلف الرب يسوع يبكينه حين كان فى طريقه للصلب.

st-athanasios
02-21-2009, 02:47 PM
لم يكن من المألوف رؤية النساء اليهوديات فى الشوارع (سيراخ 9: 7) ولكن يبدو هنا أنه ليس جميع العذارى كن يلزمن خدورهن (سيراخ 7: 24 و 42: 10-12) أماّ الُكوى والأبواب التى ظهرت العذارى من خلالها فلابد أنها أبواب المنازل وليس المدينة أو الهيكل، كما يقصد بالأسوار: أسوار الشرفات أو أسطح المنازل.



عقاب هيرودس
24 وحضر هناك مع شرطة عند الخزانة، فتجلى رب الأرواح وكل سلطان تجلياً عظيماً، حتى إن جميع الذين اجترأوا على الدخول صرعتهم قدرة الله، ففقدوا كل قوة وشجاعة. 25وذلك بأنه ظهر لهم فرس عليه راكب مُخيف وجهازُه فاخر، فوثب وهدد هليودورس بحوافره الأماميه. وكانت عدة الراكب الحربية كأنها من ذهب. 26 وتراءى أيضاً لهليودورس فتيان عجيبا القوة رائعا الجمال حسنا اللباس، فوقفا على جانبيه يجلدانه جلداً متواصلاً ويوسعانه ضرباً 27 فسقط لساعته على الأرض وغشيه ظلام كثيف، فرفعوه وجعلوه على محمل، 28فإذا به، بعد أن دخل الخزانةالمذكورة فى موكب حافل وكل حرسه، قد أصبح محمولاً وغير قادر على الاستعانة بنفسه، بأيدى أناس يعترفون علانية بسيادة الله. 29 وبينما هو مطروح بالقوة الإلهية، أبكم، لا رجاء له ولا خلاص 30 كان اليهود يباركون الرب الذى مجد مكانه المقدس تمجيداً رائعاً، وقد امتلأ المقدس ابتهاجاً وتهللاً إذ تجلى فيه الرب القدير، بعد ما كان قبيل ذلك مملوءاً خوفاً واضطراباً.



عندما ينسحق الإنسان قدام الله معلناً عن ضعفه، فإن الله يتدخل بقوته (..لأنه تعلق بى أنجيه.. مزمور 92: 14) فالإنسان يعمل ما يستطيعه بينما يعمل الله ما لا يستطيعه، يقول القديس يوحنا ذهبى الفم أن الله لا يعطي للكسلان ولكنه يعطى لمن لا يستطيع، هكذا استطاع الكهنة والشعب جلب مراحم الله، وقد كان لتدخل الله أهمية بهذه الكيفية. فما أن تجاوز هليودورس فناء الهيكل وشرع فى دخول الخزانة حتى تجلّت قوة الله رب الجنود ومالك الكل "رب الأرواح"(1) فى مشهد عسكرى أيضاً، فهوذا قائد يمتطي جواداً واثنان من الفتيان يجلدان الرجل والذى تلاشت قوته وسقط مغشياً عليه وبالتالى فقد أصاب الجنود الرعب.



الخـزانـة:

فى عصر السيد المسيح كانت الخزانة عبارة عن فناء مربع يصل طول ضلعه حوالى الستين متراً، فى جانب منها رُصَت ثلاثة عشرصندوقاً لإبقاء التبرعات كتب على كل منها النحو الذى سينفق فيه المال، فهذا لضريبة نصف الشاقل وهذا لأدوات الخدمة مثل الخشب والبخور، وغيره للمال المتبقى بعد شراء الذبائح وغيرها، وكان شكل الصندوق مثل القمع أو البوق ويسمى فى التلمود "بوق" وبجوار الخزانة حجرة صغيرة تسمى (حجرة السكون) فيها يتم تفريغ تلك الصناديق، لعلها هى الخزينة المعنية هنا كهدف للنهب، وفى تلك الخزينة كانت توضع أيضاً عطايا ونذور يهود الشتات، والتى ُتحضر بواسطة وفد من الهيكل مدعّم بالجنود، وكانت أكثر العطايا تأتى من بابل حيث كان أكبر تجمع يهودى منذ سبي بابل، وتحتوي على المال وسبائك المعادن الثمينة والمشغولات.

وعندما أراد بيلاطس البنطي الاستعانة بأموال الهيكل للانفاق على مشروع المياه الضخم الذى اضطلع به، ماطله الكهنة وتمنّعوا كثيراً، مما اضطره إلى الاستيلاء على صناديق العطايا الآتية من بابل، وهو الأمر الذى أثار حفيظة اليهود، وحدا بيهود الجليل إلى القيام بتظاهرة فى الهيكل عند زيارتهم له، وعندئذ طاردهم الجنود الرومان حتى المكان الذى تباع فيه الذبائح حيث قُتل عدد منهم، وهو الأمر الذى أشير إليه فى (لوقا 13: 1) حين كان هناك قوم يخبرون السيد المسيح عن الجليليين الذين خلط بيلاطس دمهم بذبائحهم. (1).

وأماّ الشابّان البهيّان فقد كانوا بمثابة جنود الملك السمائي، وفى ذلك تقابل ما بين القائد هليودورس وجنوده من جهة، والفارس والشابين من جهة أخرى، حيث أرسل الملك السمائي رب الجنود، وشتان ما بين الفريقين، وعندما يتجلّى الله فى مجده فمن يستطيع الوقوف (رؤيا ).

ولما بلغ الإعياء بهليودورس مبلغاً كبيراً، احتاج الأمر إلى يحمله رجاله وكان ذلك اعترافاً بقدرة الله وسيادته، فهوذا الطالب أصبح مطلوباً والطارد مطروداً، وكان يعانى من الرعب والصدمة واللذان أفقداه الحركة والنطق معاً. فى تلك الأثناء قام الكهنة والشعب بعمل ما يسمىّ فى الكنيسة الآن "تمجيد" للإله القوى الذى تجلت قدرته مستجيباً لتوسلاتهم.



رئيس الكهنة يشفع فى هيرودس

31 وبادر بعض من أصحاب هليودورس وسألوا أونيا أن يبتهل إلى العلى ويمن بالحياة على من أصبح على آخِر رَمَق. 32 وخاف عظيم الكهنة أن يتهم الملك اليهود بمكيدة كادوها لهليودورس، فقدم ذبيحة من أجل خلاص الرجل. 33 وبينما عظيم الكهنة يقدم ذبيحة للخطيئة، عاد الفتيان أنفسهما فتراءيا لهليودورس بلباسهما الأول، ووقفا وقالا له: "عليك بجزيل الشكر لأونيا عظيم الكهنة، فإن الرب قد من عليك بالحياة من أجله. 34 وأنت الذى جلدته السماء، أخبر الجميع بقدرة الله العظيمة". قالا ذلك
وغابا عن النظر.



ولم يترك الله نفسه بلا شاهد فى جميع الأزمات وبين مختلف الطبقات والعقائد، لقد كان عجيباً حقاً أن يفكر رجال هليودورس بهذه الطريقة التقوية، فبدلاً من استدعاء مزيداً من القوات أو محاولة الانتقام، يطلبون التوسط لدى الله لابراء قائدهم، وأماّ رئيس الكهنة فلم يكن خوفه ضعفاً بل حكمة وُبعد نظر، ولا ننسى أنه كان قائداً مدنياً لليهود أيضاً (رئيس كهنة وشعب) ومن هنا فقد راعى الجوانب الأمنية والسياسية لخير أمته أيضاً، وهكذا سلك على المستويين الروحي والدبلوماسي بنجاح.

ولم يكن القصد من الصلاة والانسحاق أولاً الانتقام من هليودورس، كلاّ بل نجاه خزينة الهيكل من النهب، وهكذا قدّم أونيا ذبيحة إلى الله متوسّلاً من أجل شفاء الرجل.

ذبيحـة الخطيـة:

كانت هذه الذبيحة تقدم للتكفير عن خطايا السهو والجهل، سواء صدرت عن كاهن أو عن الجماعة أو عن أحد القادة (لاويين 4: 22-26) كما هو الحال هنا، أو عامة الناس، وفى حالة هليودورس، كان يجب أن يقدم رئيس الكهنة عنه ذبيحة عبارة عن تيس من الماعز صحيحاً، وكان على المخطئ أن يضع يده على رأس الذبيحة حسبما قضت الشريعة (1)، وكان الدم يوضع منه على قرون مذبح المحرقة (وليس مذبح البخور) ثم يُصبّْ الدم إلى أسفل مذبح المحرقة، بينما يوقد الشحم كله فوق المذبح، ثم يؤكل لحمها فى مكان مقدس أيضاً (لاويين 6: 26).

عند ذلك ظهر الشابان من جديد ليطلبا إلى هليودورس تقديم الشكر لأونيا الكاهن، وتمجيد الله الذى منّ عليه بالشفاء وليؤكدا له أن الأمر كان من قبل الرب (أنت الذى جلدته السماء آية 34) سواء جلده أو شفاءه، وذلك في إشارة إلى اعفاء اليهود من تهمة سيوجهها سمعان الخائن لاحقاً إلى اليهود. حقاً إن الله "يجرح ويعصب. يسحق ويداه تشفيان" (أيوب 5: 18) يميت ويحيى . . يفتح ولا أحد يغلق، ويغلق ولا أحد يفتح.



هيرودس يشهد لعمل الله

35 فقدم هليودورس ذبيحة للرب وصلى صلوات عظيمة إلى الذى مَنَّ عليه بالحياة، وودع أونيا ورجع بجيشه إلى الملك. 36وكان يشهد أمام الجميع لما عاينه من أعمال الله العظيم. 37وسأل الملك هليودورس من ترى يكون أهلاً لأن يعود فيرسله إلى أورشليم، فقال: 38 "إن كان لك عدو أو صاحب دسيسة فى المملكة، فأرسله إلى هناك، فيرجع إليك مجلوداً، إن نجا. فإن فى ذلك المكان المقدس قدرة إلهية حقاً، 39 لأن الذى مسكنه فى السماء هو يسهر على هذا المكان ويدافع عنه، فيضرب الذين يقصدونه بالشر ويهلكهم". 40 هذا ما كان من أمر هليودورس وحماية الخزانة.



ذبيحـة السلامـة:

كانت هذه الذبيحة تقدّم كتعبير عن الشكر لله، وبينما كان يرش دمها مستديراً على المذبح، فقد كان شحمها مع الكبد والُكلى والآلية تحرق على المذبح، ثم يأكل لحمها هو وعائلته، وكان يقدم مع الذبيحة فطير ورقاق مع خبز عادى مختمر (لاويين 3: 1-17).

وكان يمكن للغرباء أيضاً تقديم ذبائح السلامة، أو دفع ثمنها مثلما كان الكثير من الملوك يفعلون مع هيكل أورشليم، حين كانوا يقومون بنفقات الذبائح التى تقدم عن سلامتهم، لا سيّما عقب انتهاء واحراز الانتصارات.

هكذا قدم هليودورس ذبيحة سلامة كما أشار عليه "الفتيان البهيان" شكراً لله على نجاته، هذا وقد تأثّر الرجل كثيراً بما حدث ومن ثم فقد راح يشهد للهيكل ولله وقدرته أمام الجميع، مما يؤكد لنا من جديد أنه شخص غير شرير. حتى أنه عندما تغاضى الملك عن فشله فى المهمة وطلب مشورته فيمن يرسل لإتمامها، نصحه بعدم تكرار المحاولة حتى لا يواجه القائد الآخر المصير ذاته، وعندئذ كان هليودورس ما تزال المشاهد والأحداث التى جرت فى الهيكل ماثلة قدامه، وكان التعليل الذى ساقه والذى يعكس خبرته هو أن إله السماء هو الذى يحرس الموضع. جدير بالذكر أن الأمم الساكنين حول اليهودية كانوا يطلقون على يهوه "إله السماء".

لقد اعترف هليودورس من جديد أن ما حدث كان من الله وليس من صنع بشر، حيث سيدّعى البعض لاحقاً بأنها كانت مجرد مؤامرة أو تمثيلية!.






--------------------------------------------------------------------------------

(1) Jonathan Goldstein, II Macc.

(1) The Tebrunis Papyri, vol. IV, part 1 , London 1933.

([1]) Korposhly, II Macc.



(1) وجد تعبير إله الأرواح أو رب الأرواح فى (عدد 16: 22 و 17 : 17) كما ُوجد مصطلح "رب الأرواح" فى نقشين معاصرين لياسون القيرينى (الكاتب الأصلى لمكابيين ثان) ضمن صلوات يهودية طلباً للانتقام، وجدا فى جزيرة Rheneia اليونانية، كما ورد فى بعض كتب الطقوس اليونانية، كما ورد فى نبوات أخنوح (كتاب أبوكريفى) وكذلك فى نص فارسى يرجع إلى عصر الإسكندر الأكبر. II Macc. Jonathan A. Goldsten,

(1) راجع كتاب بيلاطس البنطى للمؤلف.

(1) لم يكن نظام وضع اليد منطبقاً على غير اليهودي.

st-athanasios
02-21-2009, 02:55 PM
الأصحاح الرابع

محاولة أغرقه اليهود

جاء أنطيوخس أبيفانيوس إلى الحكم ليجد أن شقاقاً قد حدث للتوّ فى اليهودية بين اليهود أنفسهم، وقد استطاع هو استثمار هذا الشقاق فى محاولته نشر الثقافة الهيلينية هناك، مستغلاً فى ذلك منصب رئيس الكهنة كعامل مؤثر هناك.

سمعان الخائن يواصل مساعيه

1وكان سمعان المذكور، الذى وشى فى أمر الأموال والوطن، يفترى الكذب على أونيا كأنه هو هاجم هليودورس وصنع له ذلك الشر. 2 وبلغ من جرائه أنه وصف المحسن إلى المدينة وحامى أهل وطنه والغيور على الشريعة بانه صاحب دسيسة. 3فاشتدت العداوة حتى إن أحد خواص سمعان قام بأعمال القتل. 4 فلما رأى اونيا ما فى تلك المنافسة من الخطر، وأن أبلونيوس بن منستاوس، قائد بقاع سورية وفنيقية، كان يزيد سمان خبثاً، 5 قصد الملك، لا متهماً أهل وطنه، بل ابتغاء لمصالح الشعب العامة والخاصة، 6 لأنه رأى أنه بغير تدخل الملك لا يمكن أن تكون الأحوال فى سلام، ولا أن يُقلع سمعان عن رُعوته.
فشل سمعان فى مسعاه الأول لتحويل خزائن الهيكل إلى الملك (3: 4-6) غير أنه لم يخجل أو يكتفى بما تعرضت له البلاد من نتائج وخيمة، كما أنه لم يتّعظ مما حدث ولم يتخشّع قلبه، بل واصل وشاياته فى اتجاه آخر، مدعياً أن أونيا هو الذى دبر حيلة لإيقاع الرعب فى هليودورس حتى يثنيه عن تنفيذ خطته. مفترياً فى ذلك على الرجل الذى حمل له اليهود ـ فى ذلك الزمان وفيما بعد ذلك ـ أجمل المشاعر والتقدير.
المحسن .. الحامى .. الغيور على الشريعة (أية 2) :
فى مملكة جيدة التنظيم فى العالم الهلليني كان يتم تكريم فاعل الخير (يورجيتيس) والحامى (كيدينوس) بكتابة اسمه على نصب تذكاري عام مصحوباً بصفتى الثناء المشار إليهما، أما اليهود فقد اعتبروا أن الإنسان لا يستحق الثناء ما لم يُضف إلى اسمه صفة " الحامى الغيور للشريعة " (1مكا 2: 26-27 و 50 و 58) ولكنه وبدلاً من أن يَلقى أونيّا التكريم اللائق به افترى عليه سمعان كمتآمر على مؤسسات المجتمع(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/newreply.php?do=postreply&t=21469#_ftn1).
ويبدو لنا من (الآيتين 3 ، 4) أنه قد جرت مشاحنات ما بين أتباع أونيا وأتباع سمعان أدت إلى وقوع صدام ما بين الطرفين سقط فيه قتلى وجرحى. وهنا شعر أونيا بأن هناك خطراً على الأمة أشد من نهب الهيكل، وذلك من خلالها انقسامها من الداخل، فإن من شأن ذلك الإضرار بها أكثر من جيوش الأعداء. ويبدو أن أبولونيوس بن مسنتاؤس وهو الشخص المذكور فى
(3 : 5) على أنه ابن ترساوس، كانت له صداقة ومنافع مع سمعان، وأن خطة نهب خزينة الهيكل كانت من تدبيرهما معاً، فلما فشلت لجأ إلى إذكاء الاضطرابات الداخلية فى البلاد لعلّهما بذلك يجدان فرصة لتدخل الملك.



أبولونيوس بن مسنتاؤس :
ليس من المؤكد أن أبولونيوس هذا هو نفسه المذكور فى(3: 5) أو المذكور فى (5: 24) يذكر بوليبيوس المؤرخ أن أبولونيوس هذا كان محبوباً فى فترة حكم سلوقس، الرابع وكان له ثلاثة أبناء هم: " أبولونيوس ومليجروس ومنستيوس] وكان اليونانيين غالباً ما يسمون الانسان باسم جده، فمن الممكن أن يكون أبولونيوس الذى ذكره بوليبيوس هو نفسه المذكور هنا.
يذكر بوليبيوس فى ذات الموضع أن أبولونيوس انسحب إلى (مليتس) Miletus عندما اعتلى أنطيوخس العرش، وأن أولاده الثلاثة تبنّوا قضية ديمتريوس الابن الباقي على قيد الحياة لسلوقس الرابع، فإذا كان بوليبيوس محقاً فإن أبولونيوس الحاكم فى عهد أنطيوخس الرابع، من غير الممكن أن يكون هو ذاته أبولونيوس المقصود فى تاريخ بوليبيوس، إذ أن أسرة كبيرة ذات نفوذ من الممكن أن تضم عدداً من الأفراد يحملون اسم أبولونيوس ومسنتيوس، ويؤيد أحد فروعها نسل سلوقس بينما يتقبل الفرع الآخر أنطيوخس الرابع.
خدم أبولونيوس الذى نحن بصدده أنطيوخس الرابع كسفير (عدد21) وبذلك من الممكن جداً أن يكون هو ذاته أبولونيوس السفير عظيم الشأن الذى حثّ الرومانيين سنة 173ق.م. فى روما على أن يجددوا لأنطيوخس الرابع علاقات الصداقة التى سبقت مع والده.
وبالتالى فإن مبادرة أونيا إلى الملك كانت من أجل وضع حد لتلك المشاحنات حتى يعود السلام والأمن إلى البلاد، لا لكى يشكو الفريق المناهض، وإنما ليقطع عليه الطريق فلا يشكو إلى الملك.

وقد كان اتهام سمعان بتهمة مثل التسبب فى الاضطرابات، ُتعد تهمة خطيرة لا سيّما بالنسبة لمساحة ضيقة كاليهودية القابلة للاشتعال فى أى وقت، وبذلك يمكن أن يكون خطراً على المملكة(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/newreply.php?do=postreply&t=21469#_ftn2). ويؤكد لنا تحرُّك أونيا هنا من جديد، البُعد الدبلوماسى الناجح فى شخصيته، قدر نجاحه فى البعد الروحى.
ولا نسمع شيئاً بعد ذلك عن سمعان حتى فى التاريخ المدني، وبالتالي فلا نعرف شيئاً عن المرحلة التالية للصراع بين أونيا وسمعان، وأما أونيا فيبدو أنه بقى فى أنطاكية عندما رأى أن الوضع السياسي فى أورشليم قد أصبح خطيراً، فبقى هناك حتى قبل أن يستولى شقيقه على رئاسة الكهنوت، ويذكر فى (الآية 33) أنه فى إنطاكية ومن المرجح أنه بقى هناك إلى النهاية.

ياسون يستولى على رئاسة الكهنوت

7 وكان أنه بعد أن فارق سلوقس الحياة، وحصل أنطيوخس الملقب بأبيفانس على الملك، حصل ياسون، أخو أونيا، على الكهنوت الأعظم بالتدليس، 8بعد أن قابل الملك ووعده بثلاث مئة وستين قنطار فضة وبثمانين قنطاراً من دخل آخر. 9 وما عدا ذلك ضمن له مئة وخمسين قنطاراً غيرها، إن رخص له الملك فى أن يقيم بسلطته مؤسسة للرياضة البدنية ومؤسسة للمراهقين، وبأن يحصى أنطاكيو أورشليم.

كيف مات سلوقس:
تذكر القائمة البابلية للملوك السلوقيين أن سلوقس مات فى 6 أيلول من سنة 137 بالتقويم السلوقس البابلى (3 سبتمبر 175 ق.م.) وربما أشير فى (دانيال 11: 20) إلى اغتيال سلوقس من خلال مؤامرة.
وإذا كان أنطيوخس قد أخفق فى معاقبة هليودورس قاتل أخيه، فلربما آثر أن يخفى واقع أن سلوقس مات مقتولاً، ومع كل ذلك فقد يكون سلوقس قد مات ميتة طبيعية، ويكون تصريح ابيان المؤرخ Appian غير صحيح.
ُويلاحظ أن سلوقس لم يأمر بمصادرة أموال الهيكل إلاّ من خلال وشاية غير صحيحة لسمعان الوكيل الخائن، وبالتالى فالتعبير عن وفاته جاء لطيفاً "رحل" وقد استخدم هذا التعبير مع الأبطال الذين كانوا ُيعبدون بعد وفاتهم، وما كان يمكن أن يقال عنهم أنهم توفّوا بل (رحلوا) أو (تغيروا) إلى وجود آخر (حياة أخرى) ومع الوقت أصبح تعبير (رحل) مرادف لـ (توفى).

بينما كان أونيا يسعى فى المثول قدام الملك فى أنطاكية، كان أنطيوخس أبيفانيوس قد استولى على العرش، حيث قام هليودورس ـ وهو الصديق الحميم للملك سلوقس الرابع ورئيس وزراءه ـ باغتياله عن طريق الحيلة آملاً أن يؤول إليه العرش، ولكن أنطيوخس وهو شقيق سلوقس استطاع بالتحالف مع بعض الملوك المجاورين له، مثل أومنيس الثاني ملك برغامس، طرد هليودورس والفوز بالعرش سنة 175ق.م.(راجع التعليق على 1مكا1: 10).

ولكن "ياسون" سبق أونيا إلى الملك واعداً إياه ـ إن هو مكّنه من رئاسة الكهنوت ـ أن يحقق رغبته فى جعل أورشليم مركزاً هيلينيا، حيث كانت رغبة الملك هي توحيد المملكة، وذلك من خلال اللغة، ثم العقيدة كإحدى الوسائل شديدة الفعالية. كما وعد "ياسون" الملك أيضاً بمبلغ ضخم (رشوة) يدفع سنوياً لقاء ذلك، وقد سال لُعاب أنطيوخس للعرض، فلم يتردد فى تعيينه رئيساً للكهنة بدلاً من أونيا، حاسماً بذلك أيضاً الخلاف الذى نشب بين فريق أونيا الموالي للبطالمة، وفريق سمعان وياسون الموالي للسلوقيين.
ويلاحظ أن ما ورد هنا هو ذاته الوارد فى (1مكا 1: 11-13) حيث لم تذكر هوية أولئك اليهود الذين قدموا الالتماس إلى أنطيوخس الرابع بشأن الرغبة فى أغرقة اليهودية (1) (http://www.st-athanasios.com/vb/newreply.php?do=postreply&t=21469#_ftn3).
كما حصل على إذن الملك بإنشاء مؤسسة رياضية فى أورشليم وإقامة المباريات والدورات الرياضية. وكان تعيين ياسون (واسمه الأصلى يشوع أو يسوع، بينما اتّخذ هذا الاسم اليوناني إشارة لموالاته للثقافة اليونانية) فى رئاسة الكهنوت، بداية انحدار لتلك الرتبة الجليلة.

المؤسسة الرياضية: كانت تلك المؤسسة أشبه بنادى رياضي لتدريب نخبة من المراهقين وأكثرهم من أرستقراطيي اليهود تبلغ أعمارهم ما بين الثامنة عشر والعشرين، يتدربون هناك على حمل السلاح وبعض الرياضيات الأخرى مع دراسة للثقافة اليونانية، متمثلين فى ذلك بأمثالهم من اليونانيين المولعين بأمثال هذه الأنشطة، وكان فى ذلك تعزيز لبرنامج أنطيوخس أبيفانيوس لأغرقة البلاد.
وأما أنطاكيّو أورشليم: فالمقصود بهم هنا مَن يدخل مِن سكان أورشليم اليهود ضمن الرعوية الأنطاكية (مثل اكتساب جنسية دولة ما فى الوقت الحاضر) أو جعل أورشليم كلها كمدينة رعوية سلوقية، أى تابعة رسمياً للمملكة السلوقية، يتمتع سكانها بحقوق المواطنة السلوقية، وقد حدث فى ذلك الوقت أو بعده بقليل، أن كان البعض يشترون رعوية (جنسية) بلد ما آخر بالمال، حتى يتمتع بمزاياها، يذكّرنا ذلك بالحديث الذى دار بين القديس بولس وأحد القادة الرومانيين الذى معاملته " فجاء الأمير وقال له قل لى. أنت رومانى. فقال نعم . فأجاب الأمير: أما أنا فبمبلغ كبير اقتنيت هذه الرعوية. فقال بولس أما أنا فقد ُولدت فيها" (أعمال 22: 27 ،28).

هكذا خيّب موت سلوقس الرابع (187 ـ 175 ق.م.) والتطورات التى تلت ذلك، آمال أونيا ومسعاه فى إعادة الاستقرار للبلاد، الأمر الذى جرّ على البلاد ويلات لا حصر لها، ولكن الله وهو سيد التاريخ والعامل فيه: حوّل كل ذلك إلى خير الأمة . . وقد كان من نتائج تدهور الأوضاع الدينية والأدبية: حتميّة قيام الثورة المكابية.

قيمـة الرشوة: تبلغ قيمة الرشوة التى وعد بها ياسون: 360 قنطار فضة، وهو ما يساوى 9450 كجم، ثم 80 قنطار، وهو ما يوزاى 2100 كجم، ثم 150 قنطارا أخرى تساوى 3937 كجم، وهو ما يعادل فى مجموعه 15.487 طن أي ما يصل سعره الآن 19.350 مليون جنيه مصرى، وهو مبلغ سيتحمّله الشعب المسكين بالتأكيد.
ولا شك أن 360 قنطار هى الدخل العادي أي المنتظم، وهو الجزية والتي يجرى جمعها من إنتاج اليهودية الزراعي، وأما الإضافي فلا يعرف على وجه الدقة مصدره، ولا شك أن التضخم المالى الذى ساد فى ذلك الوقت جعل الأرقام المذكورة ضئيلة، ولكنها مع ذلك ثقيلة على الشعب كما مر بنا.

st-athanasios
02-21-2009, 03:03 PM
كيف مات سلوقس:
تذكر القائمة البابلية للملوك السلوقيين أن سلوقس مات فى 6 أيلول من سنة 137 بالتقويم السلوقس البابلى (3 سبتمبر 175 ق.م.) وربما أشير فى (دانيال 11: 20) إلى اغتيال سلوقس من خلال مؤامرة.
وإذا كان أنطيوخس قد أخفق فى معاقبة هليودورس قاتل أخيه، فلربما آثر أن يخفى واقع أن سلوقس مات مقتولاً، ومع كل ذلك فقد يكون سلوقس قد مات ميتة طبيعية، ويكون تصريح ابيان المؤرخ Appian غير صحيح.
ُويلاحظ أن سلوقس لم يأمر بمصادرة أموال الهيكل إلاّ من خلال وشاية غير صحيحة لسمعان الوكيل الخائن، وبالتالى فالتعبير عن وفاته جاء لطيفاً "رحل" وقد استخدم هذا التعبير مع الأبطال الذين كانوا ُيعبدون بعد وفاتهم، وما كان يمكن أن يقال عنهم أنهم توفّوا بل (رحلوا) أو (تغيروا) إلى وجود آخر (حياة أخرى) ومع الوقت أصبح تعبير (رحل) مرادف لـ (توفى).

بينما كان أونيا يسعى فى المثول قدام الملك فى أنطاكية، كان أنطيوخس أبيفانيوس قد استولى على العرش، حيث قام هليودورس ـ وهو الصديق الحميم للملك سلوقس الرابع ورئيس وزراءه ـ باغتياله عن طريق الحيلة آملاً أن يؤول إليه العرش، ولكن أنطيوخس وهو شقيق سلوقس استطاع بالتحالف مع بعض الملوك المجاورين له، مثل أومنيس الثاني ملك برغامس، طرد هليودورس والفوز بالعرش سنة 175ق.م.(راجع التعليق على 1مكا1: 10).

ولكن "ياسون" سبق أونيا إلى الملك واعداً إياه ـ إن هو مكّنه من رئاسة الكهنوت ـ أن يحقق رغبته فى جعل أورشليم مركزاً هيلينيا، حيث كانت رغبة الملك هي توحيد المملكة، وذلك من خلال اللغة، ثم العقيدة كإحدى الوسائل شديدة الفعالية. كما وعد "ياسون" الملك أيضاً بمبلغ ضخم (رشوة) يدفع سنوياً لقاء ذلك، وقد سال لُعاب أنطيوخس للعرض، فلم يتردد فى تعيينه رئيساً للكهنة بدلاً من أونيا، حاسماً بذلك أيضاً الخلاف الذى نشب بين فريق أونيا الموالي للبطالمة، وفريق سمعان وياسون الموالي للسلوقيين.
ويلاحظ أن ما ورد هنا هو ذاته الوارد فى (1مكا 1: 11-13) حيث لم تذكر هوية أولئك اليهود الذين قدموا الالتماس إلى أنطيوخس الرابع بشأن الرغبة فى أغرقة اليهودية (1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175615&posted=1#_ftn1).
كما حصل على إذن الملك بإنشاء مؤسسة رياضية فى أورشليم وإقامة المباريات والدورات الرياضية. وكان تعيين ياسون (واسمه الأصلى يشوع أو يسوع، بينما اتّخذ هذا الاسم اليوناني إشارة لموالاته للثقافة اليونانية) فى رئاسة الكهنوت، بداية انحدار لتلك الرتبة الجليلة.

المؤسسة الرياضية: كانت تلك المؤسسة أشبه بنادى رياضي لتدريب نخبة من المراهقين وأكثرهم من أرستقراطيي اليهود تبلغ أعمارهم ما بين الثامنة عشر والعشرين، يتدربون هناك على حمل السلاح وبعض الرياضيات الأخرى مع دراسة للثقافة اليونانية، متمثلين فى ذلك بأمثالهم من اليونانيين المولعين بأمثال هذه الأنشطة، وكان فى ذلك تعزيز لبرنامج أنطيوخس أبيفانيوس لأغرقة البلاد.
وأما أنطاكيّو أورشليم: فالمقصود بهم هنا مَن يدخل مِن سكان أورشليم اليهود ضمن الرعوية الأنطاكية (مثل اكتساب جنسية دولة ما فى الوقت الحاضر) أو جعل أورشليم كلها كمدينة رعوية سلوقية، أى تابعة رسمياً للمملكة السلوقية، يتمتع سكانها بحقوق المواطنة السلوقية، وقد حدث فى ذلك الوقت أو بعده بقليل، أن كان البعض يشترون رعوية (جنسية) بلد ما آخر بالمال، حتى يتمتع بمزاياها، يذكّرنا ذلك بالحديث الذى دار بين القديس بولس وأحد القادة الرومانيين الذى معاملته " فجاء الأمير وقال له قل لى. أنت رومانى. فقال نعم . فأجاب الأمير: أما أنا فبمبلغ كبير اقتنيت هذه الرعوية. فقال بولس أما أنا فقد ُولدت فيها" (أعمال 22: 27 ،28).

هكذا خيّب موت سلوقس الرابع (187 ـ 175 ق.م.) والتطورات التى تلت ذلك، آمال أونيا ومسعاه فى إعادة الاستقرار للبلاد، الأمر الذى جرّ على البلاد ويلات لا حصر لها، ولكن الله وهو سيد التاريخ والعامل فيه: حوّل كل ذلك إلى خير الأمة . . وقد كان من نتائج تدهور الأوضاع الدينية والأدبية: حتميّة قيام الثورة المكابية.

قيمـة الرشوة: تبلغ قيمة الرشوة التى وعد بها ياسون: 360 قنطار فضة، وهو ما يساوى 9450 كجم، ثم 80 قنطار، وهو ما يوزاى 2100 كجم، ثم 150 قنطارا أخرى تساوى 3937 كجم، وهو ما يعادل فى مجموعه 15.487 طن أي ما يصل سعره الآن 19.350 مليون جنيه مصرى، وهو مبلغ سيتحمّله الشعب المسكين بالتأكيد.
ولا شك أن 360 قنطار هى الدخل العادي أي المنتظم، وهو الجزية والتي يجرى جمعها من إنتاج اليهودية الزراعي، وأما الإضافي فلا يعرف على وجه الدقة مصدره، ولا شك أن التضخم المالى الذى ساد فى ذلك الوقت جعل الأرقام المذكورة ضئيلة، ولكنها مع ذلك ثقيلة على الشعب كما مر بنا.


ياسون وبرنامجه الهيلينى

10 فأجاب الملك إلى طلبه، فأستولى ياسون على الرئاسة، وما لبث أن صرف أبناء جنسه إلى نمط حياة اليونانيين. 11وألقى الإعفاءات التى أنعم بها الملوك عن إنسانية على اليهود، عن يد يوحنا، أبى أوبولمس الذى قلد السفارة إلى الرومانيين فى عقد المصادقة والتحالف. وأبطل المؤسسات المشروعة، وأدخل سنناً تخالف الشريعة. 12 وكان جد القلعة، وساق نخبة المراهقين فجعلهم تحت القبعة. 13 وتمكن الميل إلى نمط حياة اليونانيين والتخلق بأخلاق الغرباء، بشدة فجور ياسون الذى هو كافر لا عظيم كهنة.

ما أن تسلَم ياسون رئاسة الكهنوت - وهو المركز الذى يُخوّل إليه أيضاً سلطات مدنية حسبما كان يُمنح لرؤساء الكهنة فى تلك الحقبة - حتى بدأ فى تنفيذ مخططاته لأغرقة البلاد.

لماذا سعى ياسون فى نشر الهيللينية :
أراد ياسون أن يجعل يهود أورشليم تحت قيادته للمساعدة فى تنفيذ مخطط أنطيوخس لإقامة جمهورية أنطيوخية على غرار الجهورية الرومانية، وكمواطنين تابعين للجمهورية سوف يحصلون على امتيازات كبيرة، ورغم أن أنطيوخس كان يحاكى روما إلاّ أنه كان يخطط لكى تكون المؤسسات واللغة والثقافة فى جمهورية يونانية. ولابد أن ياسون كان ثرياً جداً لدرجة تجعله قادراً على دفع مبلغ الـ 150 طالن فى مقابل المزايا والنفوذ اللذان سيكونان من نصيب مؤسس هذا المجتمع، وكان يخطّط لإعداد القائمة الأساسية للمواطنين البالغين ويؤسس الجيمنازيوم والهيئة الأفريقية للشباب فوق الثامنة عشر والنظام التعليمي الذى يؤهل الذكور تحت سن العشرين لشغل مناصب المواطنين، كان ياسون مهلناً مترفقاً لم يعتزم تحويل أورشليم بأسرها إلى مثل ذلك المجتمع المتمتع بالمزايا، لأن كثيرين من المتشددين اليهود لم يكونوا راغبين فى أن يكون لهم أى اتصال بالنماذج اليونانية، تماماً كما كان الإيطاليون ذوى المواطنة الرومانية يعيشون خارج روما فى مجتمعات إيطالية، كذلك كان لليهود من ذوى المواطنة الإنطاكية أن يواصلوا حياتهم فى أورشليم.
وربما يتحجّج ياسون بأن التوراة لم تحظر التعامل مع اليونانيين، لأن التحذير كان من سكان أرض الموعد واتباع عاداتهم، بينما كان اليونانيين من سكان البلاد البعيدة (خروج 23: 32، 33 و 34: 11-16 و لاويين 18: 3 و تثنية 7: 1-5).
والعجيب أن أول ما بدأ به هو الإعفاءات الضريبية ـ وربما التحالفات أيضاً ـ التى منحها الملوك السلوقيون لليهود كهبة منهم ومجاملة لهم، مثل تلك الممنوحة من أنطيوخس الثالث الكبير سنة 200 ق.م. وكانت مثل تلك الامتيازات الممنوحة تسمى "امتيازات إنسانية"(آية 11).

يوحنـا أبى أوبولمـس: يذكر فى (1مكا 8: 17ـ30) أن السفير اليهودي إلى روما والمُرسل من قبل يهوذا المكابي كان "يهوذا أوبولمس بن يوحنا"، فى حين يذكر هنا أن السفير هو "يوحنا الأب" والأمر واضح فإن كل من الأب والابن قد عملا كسفيرين إلى روما، وكان الأول فى بدء حكم أنطيوخس أبيفانيوس بيما صار الثانى سفيراً فى عهد المكابى بعد موت أنطيوخس هذا، أنظر (1 مكا 7: 43 – 8: 32 و 2 مكا 15: 25-36).

المؤسسات المشروعة: ويقصد بها "المجامع Synagogues" والتى ُانشئت بعد عصر عزرا، والتى كان الربيون اليهود (الحاخامات) يعلمون فيها الأطفال والشبان فيما يشبه ما سُمَى بالكتاّب قبل ظهور مدارس الأحد فى مصر مع بدايات القرن السابق، وما يشبه المجامع من مؤسسات دينية أخرى: خيرية أو أكاديمية، وأغلب الظن أن "الهيكل" كان مسئولاً عنها باعتباره أعلى سلطة دينية فى البلاد. تلك هى التى أغلقها ياسون وهو ما يذكرنا بما فعله الشيوعيون من إلغاء مدارس الأحد وحظر الصلاة فى الكنائس واضطهاد الإكليروس بل وقتلهم.

الجيمنازيوم المؤسسة الرياضية :
يسمى الجيمنازيوم "مدرسة للتروّض وموضع للغلمان" وفى العصر الهيللينى كانت تل المؤسسة من المكونات الأساسية لأى مجتمع يوناني راقٍ، وكان الغلمان هم الذكور الذين بلغوا سن البلوغ. نشأ الجيمنازيوم أولاً فى أثينا ثم فى سائر أنحاء العالم الهيللينى، كنظام للتدريب المدنى والعسكرى لإعداد الشباب للقيام بواجباتهم كمواطنين، ولم يكن التدريب مدنياً فحسب بل وأدبياً وتعليمياً، وكان ذلك يتم فى حجرات إضافية تشيد فى موضع الجيمنازيوم، وكان النجاح فى ذلك يحقق للشاب مزايا عظيمة ويعطى له كافة الحقوق كعضو فى المجتمع اليونانى، وأكثر من ذلك كان التعليم مطلوباً بين الطبقة الأرستقراطية فى المجتمع، وبينما كان التعليم فى أثينا يبدأ عند الثامنة عشر، فقد كان فى المدن الأخرى كان يبدأ فى سن الرابعة عشر أو الخامسة عشر.
وكان الجيمنازيوم فى المدن اليونانية يحتل موقعاً مرموقا،ً عادة ما يكون قريباً من وسط المدينة أو من أحد المعابد، والقلعة المذكورة هنا (فى آية 12) إمّا يقصد بها جبل الهيكل أو تل القلعة الذى كان يقع إلى الشمال مباشرةً، وكانت قدسية الهيكل تجعل منه مكاناً مرهوباً، ولكن يهود الشتات المتحدثون باليونانية لم يجدوا غضاضة فى إنشاء الجيمنازيوم بجوار مجامعهم، فقد كان مجمع ديلوس Delos فى القرن الثانى ق.م. قريباً من الجيمنازيوم ومجمع ساردس Sardis الكبير فى أواخر القرن الثانى ق.م. كان مشيداً كجزء من مجمّع الأبنية الرياضية.
وتشير (آية 12) إلى أن حلم ياسون وشهوة قلبه كانت فى إنشاء تلك المؤسسة الرياضية والتى أقامها تحت القلعة، من المرجّح أن القلعة المقصودة هنا هى قلعة أكرا (عكرة) راجع (1مكا1 : 35) وهى مركز الجنود السلوقيين فى أورشليم، وكانت تطلّ على الهيكل من الزاوية الشمالية الغربية (راجع نحميا 7: 2) وبذلك تكون المؤسسة الرياضية ملاصقة للهيكل، هذا وقد ظن البعض أن القلعة المقصودة هنا هى قلعة أنطونيا، ولكنها لم تكن قد اقيمت بعد، إذ أن هيرودس الكبير هو الذى بناها مع نهاية القرن الأول قبل الميلاد، أى بعد هذا التاريخ بأكثر من مئة عام.

القبّعـة: وبما أن المراهقين تحت العشرين هم الأكثر ميلاً إلى التجديد والمغامرات، كما يسهل التأثير عليهم، فقد استقطب ياسون الكثيرين منهم، أمّا التعبير "جعلهم تحت القبّعة" فهو يعنى اصطلاحاً أنه ألحقهم بالمدرسة الرياضية، حيث كان المشتركون فيها يعتمرون قبعة ذات رفرف عريض، وهى المعروفة بـ "قبعة هرمس" إله المصارعات والمباريات، وقد شاع وقتها التعبير اليونانى Hupopetason والذى يعنى "مرتدين القبعة" وقد أصبحت تلك هى القبعة اليونانية التقليدية. وربما تعنى عبارة جعلهم تحت القبعة أيضاً قيادتهم فى موكب إذ كانت المواكب جزءاً من طقس تدريب الغلمان .. وكان الغلمان يتلقون تدريباتهم البدنية وهم عراة الأجساد، ولحماية رؤوسهم من الشمس والعوامل الجوية كانوا يرتدون القبعة عريضة الحافة، والتى أصبحت "الزى الموحّد" المميّز لهم، ويبدو أن الشبان اليهود قد مارسوا تدريباتهم وهم عراة، ولذلك فإن كتاب اليوبيلات والذى ُكتب خلال تلك الفترة المكابية (169 – 167) يؤكد ضرورة الاحتشام (يوبيلات 3: 31)، ويُحتمل أن المقصود هنا أيضاً العادات والتقاليد اليونانية بوجه عام.
ورويداً رويداً بدأت الحضارة اليونانية بشتى مظاهرها تطغى على البلاد والحياة العامة فى اليهودية، بهمّمة ياسون وسعيه الدؤوب.

تأثر الأكليروس بالهيلينيه

14 حتى إن الكهنة لم يعودوا يحرصون على خدمة المذبح، واستهانوا بالهيكل وأهملوا الذبائح، ليسرعوا إلى الاشتراك فى تمارين الميدان التى تحرمها الشريعة، حال الإعلان عن رمى القرص، 15 مستخفين بكرامة آبائهم ومستحسنين مفاخر اليونانيين أعظم استحسان. 16فلذلك أحاقت بهم أوضاع عسيرة، فإن الذين حسدوا نمط حياتهم وحرصوا على التشبه بهم صاروا هم أعداء لهم ومنتقمين. 17 لأن مخالفة الشرائع الإلهية لا تذهب سُدى، كما يشهد بذلك الزمن القادم.
بدأت روح غريبة فى التسرّب بين الشعب، فأهمل الناس ارتياد الهيكل وممارسة الوسائط الروحية، لقد شكّكت الحضارة الإغريقية ـ سواء من جهة الفلسفة أو المظاهر ـ فى مصداقية الهيكل والفكر الديني لدى اليهود، حيث كان هناك مدّا ثقافيا يوازي المد الأولمبي. غير أن الأمر لم يقف عند هذا الحد وإنما امتدّ أيضاً إلى الإكليروس ومنهم طبقة الكهنة، إذ تبنى بعضهم تلك الحملة، ومن ثم بدأوا فى التخلّف عن أداء واجباتهم فى الهيكل والتزاماتهم الطقسية، بدلاً من تنافسهم السابق على أداء الخدمة، الأمر الذى استلزم عمل قرعة للخدمة، وتخلفوا عن دورياتهم ونوبات خدمتهم فى مواعيدها. وقد حَرمت الشريعة قديماً الاشتراك فى العادات والممارسات الوثنية بشكل عام، فقضت بعدم تقليد الجيران من الأمم فى أكل المخنوق والدم وطبخ الجدي بلبن امّه أو قصّ الشعر بطريقة وثنية ( -------- ) وربما لم تكن جميع هذه الممارسات خاطئة أو خطيرة فى حد ذاتها، ولكنها تُعَدّ اشتراكا ـ بنوع ما ـ فى الوثنية والتى أراد الله أن ينعزل عنها شعبه تماماً، وعندما ُمنع الشعب من أكل ما ذُبح للأوثان، كان ذلك بسبب ما ارتبط به الأكل من طقوس وثنية تصاحب الأكل، إذ كانت فى الغالب مآدب طقسية ( --------- ).

رمى القرص أو "رمى المطاث": Discus: واحدة من الألعاب الأوليمبية، والقرص المقصود هنا والذى كان يستخدم فى ذلك الحين، كان مستديراً مصنوعاً من الحديد أو الحجر بقطر ثلاثين سنتيمتراً، ُتختبر به قوة المتسابق



(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175615&posted=1#_ftnref1) ورد فى كتاب أونيا الرابع : "وعندما جمع ياسون فريقه وثار ضد منلاوس (والذى تم تعيينه بعده) انقسم الشعب بينهما، فأخذ الطوبيين جانب منلاوس بينما أيدت غالبية الأمة ياسون، وتحت شدة الضغط انسحب منلاوس والطوبيين متجهين إلى أنطيوخس مخبرين إياه برغبتهم فى التخلى عن شريعة آبائهم وعن أسلوب حياتهم، حتى يتسنى لهم اتباع قوانين الملك ونمط الحياة اليونانية " Jonathan A. Goldsten, II Macc. P. 223

st-athanasios
02-21-2009, 03:10 PM
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175618#_ftn1) وهى اللعبة المعروفة الآن بـ "البيسبول". وحالما كان الكهنة يسمعون البوق أو المنادى يعلن بدء المباراة حتى يهرعون خارجاً حيث الاستاد ملاصق للهيكل، وكانت الأنشطة اليومية للجيمنازيوم تبدأ بإشارة مرئية أو مسموعة، أما هنا فهى تبدأ بصوت الناقوس القرصي.

الكهنة والأكليروس وملاذ هذا العالم
كان الاشتراك فى تلك الألعاب يحقق للفرد بعض المكاسب والمكافآت، وهكذا بدلاً من أن يقوم الكهنة بواجباتهم الطقسية، هرعوا إلى مثل هذه المكاسب المحرّمة، كان الكهنة فى ميلهم هذا إلى المدنية الاغريقية يستخفون بعلاقتهم بالله وبالشريعة والتقاليد والليتورجية، قيل عن القديس سيرابيون المعروف بالسباني (بسبب ارتداءه السبانية والتى كانت تغطى رأسه واغلب وجهه) أنه كان يرعى الحديقة وهو ناظر إلى أسفل، فلما سألوه عن ذلك، قال: "خفت أن تنظر عيناى الشجر فينشغل عقلي عن شغله".
ولا شك أن الشخص الذى يقبل دعوة الكهنوت، يدرك جيداً أنه سيحمل النير بفرح، وسيقبل بقلب راضٍ التنازل عن بعض ما كان يرتاده من أماكن وما اعتاده من عادات، والتعفف عن بعض الأمور، رغم أنه قد لا يكون خطأ فيها مثل نزول البحر أو المسارح ودور السينما وارتداء ملابس ذات مواصفات علمانية أو الجلوس إلى التليفزيون . . . واستخدام بعض التعبيرات، والالتزام فى المقابل بما يليق وما هو ضرورى فحسب. ومع أن كل ذلك يليق بأى شخص سواء أكان كاهناً أم لا، إلاّ أن الكاهن يجب أن يكون أكثر تدقيقاً وأشد ورعاً.

بل أن الأمر يمتد أيضاً إلى أولاد الكاهن وزوجته والذين يتوجّب عليهم السلوك بما يليق بأسرة كاهن، سواء أكان ذلك داخل الكنيسة أم داخل المنزل أم بين الآخرين فى المجتمع، وكما يشتركون فى حمل النير مع الكاهن فإنهم أيضاً سيشتركون فى إكليله، وقد كان من شروط الشخص الذى ُيختار للرتب الكهنوتية فى عصر الرسل، أن يكون قد ربى أولاده حسناً، حتى يأتمنونه بالتالى على أولادهم. والآن عند اختيار الكاهن ُيراعى المستوى الروحي لزوجته وإن كانت ستكون عوناً لزوجها ومثالاً لبقية الأمهات والفتيات واللائن سيكن بناتاً لها . . وهى فى المقابل مثل أم لهم.

ولكن الكهنة هنا استخفوا بواجباتهم وتمثّلوا بأهل العالم، فقد حرصوا على اكتساب الشهرة من خلال تلك المسابقات، وكانوا يشعرون بالتخلف الفكري وصغر النفس مقابل المدّ اليوناني الموجود. والعجيب أن اليونانيين أنفسهم هم الذين ألحقوا الإهانة والدمار بالهيكل واليهود على حد سواء، كما سيجيء لاحقاً وهكذا يتفق هذا مع ما ورد فى (1مكا :11-15 ،64) وتعاليم الربيين فى أن إثم المتأغرقين (المهللنين) فى اتباع الممارسات اليونانية خاصة ما يجرى منها فى الملاعب، قد تسببت فى سلب أورشليم ودمارها.

ياسون يذبح لهرقليس
18 ولما جرت فى صور الألعاب التى تجرى كل أربعة سنوات، والملك حاضر، 19 أنفذ ياسون القذر رسلاً، بصفة أنطاكيين من أورشليم، ومعهم ثلاث مئة درهم فضة لذبيحة هرقليس. لكن هؤلاء أنفسهم طلبوا أن لا تنفق على الذبيحة، لأن ذلك كان غير لائق، بل تنفق على شئ آخر. 20 فالمال الذى كان، فى قصد مرسله، لذبيحة هرقليس، أنفق، بسعى الذين حملوه، على تجهيز السفن الثلاثية.

الألعــاب الأولمبيــة :

بدأت فكرة هذه الدورة من الجيمانيزيوم فى أثينا، وهو الذى كان عبارة عن ساحة مركزية كبيرة يجتمع فيها الشعراء والفنانون بل والتجار أيضاً، وقد كانت فى البداية عبارة سباق فردي للجرى ثم مزدوج، وفى الدورة الأوليمبية الثامنة عشر ُادخلت المصارعة، وكانت تتم بطريقة وحشية، أمّا الملاكمة فقد كانت تتم بشكل بسيط، إذ يكسو الملاكم يديه بالجلد وكانت الضربات تتم فى الكتفين فقط بطريقة مروحية، ثم تطوّر إلى وضع بعض المعادن فى قفاز اليد، لتصبح الضربات خطيرة تحمل اللاعب على تعلم الحيلة والحيطة.
كانت الألعاب فى البداية تنتهى فى اليوم الأول، وفيما بعد أصبحت خمسة أيام، وقد ُعرفت الألعاب الموسيقية التنافسية فى التاريخ الأوليمبي حيث كانت تقام كل أربع سنوات، وألعاب أخرى سُميت ألعاب تيمان شبه الأوليمبية، ثم شملت الحفلات الموسيقية وسباق الخيل بعد ذلك، وكان الفائزون ُيكافئون بالاشتراك فى دورات خاصة أكثر أهمية، وفى أوائل التاريخ الميلادي كانت ُتهدى لهم الأكاليل، وفى وقت لاحق ُخصصت لهم الهدايا الثمينة.
أما الرومان فقد طوروها لتصبح سبع مجموعات، وأصبحت تشغل 175 يوماً فى السنة، مما كان يكلف الدولة الكثير من المال، وإن كانت بعض الألعاب يتم الدخول إليها برسوم. وبينما كان اليونانيون ُمولعون بألعاب القوى والجري والملاكمة وألعاب الحظ (كالنرد) فقد ولع الرومانيون بالسباق والمصارعات، وكان ميدان السباق فى روما يتسع لـ 250.000 شخص، غير أن أبشع مسابقاتهم هى مصارعات الوحوش مع الوحوش، ثم الوحوش مع البشر، ثم البشر مع بشر مثلهم، ثم سفن مع سفن! وكل ذلك حتى الموت وعلى مرأى من الجمهور المنتشي والمتعطش إلى مزيد من الدماء ! وكان أغلب الُمتصارعين البشر، إماّ من المجرمين أو الأسرى، وفى عصور الاضطهاد كانوا من المسيحيين الذين يرفضون عبادة الأوثان، لقد قدم "تراجان" وحده فى احتفال واحد بنصره: ألف متصارع فى حلبة المصارعة، بل أنه من بين الأحكام التى كانت تصدر على البعض: الحكم بالمصارعة! لما فى ذلك من خطر محقق. وفى روما قام الامبراطور فاسبسيان ببناء الكلوزيوم، وأكمله ابنه تيطس سنة 80 م، ويصل ارتفاعه إلى خمسون متراً، ويتسع لـ 50.000 متفرج.
ولأن مثل هذه الألعاب كانت تتم تحت إشراف الكهنة، ُيضاف إلى ذلك ما فيها من مظاهر العنف وسفك الدماء، فقد قاومتها المسيحية ووبخت القائمين عليها والمشتركين فيها، لما تسبب أيضاً من تأثير سلبي على الأخلاق المسيحية، وكان من شأن هذه المعارضة العمل على إبطالها، فقد دانها كل من الشهيد كبريانوس وتاتيان والقديس كليمندس والقديس يوحنا ذهبى الفم.
أمّا القديس بولس فقد استخدم الصور والمصطلحات الرياضية، فى شرح كيفية الجهاد وقانونيته، مثل ضبط النفس اللازم للفوز فى السباق، وضرورة الالتزام بالمبادئ (1كو 9 : 24-27) ثم ضرورة الجري والسعي لنوال الهدف (أعمال 13: 25 و 20 : 24 و فيلبى 3: 14 و 1تى 2 : 5 و 4 : 7) بل أنه يشبه السيد المسيح نفسه كمن سبقنا فى السعى (عبرانين 12: 1،2) أسعى لعلى أدرك . . .
وفى أيام المكابيين كانت الاحتفالات تتم على شرف الإله زيوس الأوليمبي، وذلك كل أربع سنوات، وكانت دورة الألعاب الاسمية (نسبة إلى برزخ كورنثوس) تتم فى غابة مكرسة للإله بوسيدون إله البحر، وذلك فى العامين الثانى والرابع من الدورة الأولمبية، وأماّ الألعاب النمية Nemeam فقد كانت تعقد فى وادى نيما Nemme تكريماً (زيوس، وذلك فى العامين الأول والثالث من الدورة الأوليمبية، أماّ الألعاب البيثية Pythian فتأتى فى المرتبة الثانية بعد الأوليمبية وتقام فى السنة الثالثة من الألعاب الأوليمبية عند معبد دلفى الشهير.
ويشير السفر هنا إلى أن الدورة الأوليمبية كانت تجرى فى "صور" حيث كان أنطيوخس أبيفانيوس موجوداً هنا يشرف عليها، حين أرسل "ياسون" رسلاً من طرفه من بين أولئك الحاصلين على الرعوية (الجنسية) الأنطاكية، يحملون ثمن ذبيحة تقدم للإله "هرقليس"، على سبيل المجاملة للملك والسلوقيين ومشاركة فى احتفالاتهم(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175618#_ftn2).

لماذا الألعاب فى صور !!
كان العيد الصوري الخاص بـ ملكارت Melqart يقع فى شهر "بريتيوس Peritios" (فبراير/مارس) ولكن ليس هناك دليل على أن تلك الألعاب قد تزامنت مع عيد ملكارت، فقد كانت هناك أعيادا أخرى لـ ملكارت فى التقويم الصوري، ولم يكن سكان صور "مواطنين أنطاكيين" ولكن كانت لهم امتيازات مشابهة لامتيازات الأنطاكيين، وكان لهم مركزا أدبيًا رفيعا فى النظام الذى أرسى أنطيوخوس الرابع قواعده، كانت للبراعة الملاحية لصور وموقعها الاستراتيجي الأثر على هيبتهم ومكانتهم، وربما كان لهم تقدير خاص من الملك بسبب براعتهم الرياضية أيضاً، وهو ما يحدث الآن حين تقام دورة الألعاب الأوليمبية فى مدينة لها مكانتها وشهرتها، وفى الوقت ذاته تعطى تلك المناسبة كرامة للمدينة التى تمت فيها.

ولكن لماذا شارك ياسون فى ذبائح هرقليس ؟ :
كانت الألعاب اليونانية تقام فى الأعياد الدينية، وكانت الكلمة اليونانية theoros والمستخدمة للتعبير عن عضو فى وفد لحضور احتفال رياضي، هى نفسها المستخدمة للتعبير عن مبعوث لغرض ديني. وكان من الطبيعي أن يوجه رسم الدخول (التذاكر) الخاص بالمشاركة فى الألعاب إلى الذبائح التي تقدّم للإله الذى كانت الألعاب تقام على شرفه، وربما اعتبر ياسون الأموال التى أرسلها مجرد رسم دخول، غير مهتم بمصير الأموال، ولكن مبعوثوه كانوا صارمين بشأن أى أمر يربط اليهود بعبادة الأوثان

هـرقليـس Hercules: صيغة لاسم الإله "هرقل" إله الألعاب الأوليمبية، وكان له تمثال هائل فى صور. العجيب أن الرسل أنفسهم استحوا من فعل ذلك، بل حرّكتهم غيرتهم المقدسة لرفض إتمام هذا العمل، واستيقظت فيهم الروح التقوية ومحبتهم لعقيدتهم، رغم تأغرقهم.



(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175618#_ftnref1) سجل لاعب أسمه "بوسينيوس" الفوز فى 24 مباراة أولمبية فى ذلك الزمان.
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175618#_ftnref2) يروى يوسيفوس أن الاسكندر الأكبر فى نهاية حصاره لصور والذى دام سبعة أشهر، عثر على وفد عيدى فى قرطاجنة محتجزاً فى المدينة، كان قد أتى إلى هناك من أجل طقس قديم كان يقام فى ملكارت، يقام سنوياً. وليس هناك ما يبرر قيام مثل تلك الألعاب فى صور قبل الإسكندر، وليس من المؤكد أيضاً أن يكون أهل صور قد أقاموا دورة رياضية تذكاراً لحصارهم فى سنة 332 ، ولكن وعلى أية حال فقد كانت ألعابهم تطوراً طبيعياً ناشئاً عن الهيللينية المتدرجة المعاد تأسيسها. انظر: II Macc. Jonathan A. Goldsten,

st-athanasios
02-21-2009, 03:14 PM
السفـن الثلاثيـة: المقصود بها اسطول بحري مكوّن من ثلاث قطع، وربما كان ذلك هو أول ذكر لوجود سفن ضمن الترسانة العسكرية لليهود، وما يزال الأمر غير واضح إن كان امتلاك اليهود للسفن قد سبق تحالفهم مع الرومان، (حيث يذكر الرومانيون ذلك فى وثيقة التحالف 1 مكا 8 : 26) أم كان توقعهم أن اليهود سريعاً ما سيحصلون عليها. وهنا أنفق الرسل المال لتعضيد أو تطوير تلك القطع.

الـدرهـم Drachma : ورد ذكر الدرهم أو الدراخمة أول مرة فى (1أخ 29 : 7) حيث استخدم كوزن فى ذلك الوقت، أما في العصر الفارسي فقد كان يساوي نصف الشاقل، راجع (عزرا 2: 69 و 8 : 27 و نحميا7:7) وعندما استخدمت فى اليونانية ُترجمت (داركيمونيم) ومنها جاءت كلمة دراخمة وتنطق أيضاً "دراكمة". ويصل وزن الدرهم 4.3 جم، وفى العهد الجديد كان الدرهم يساوى الدينار، كما ترجمت الكلمة إلى: "عملة فضية" وفى ترجمة KJV : "قطعة فضية". وهكذا تصل قيمة النقود المرسلة 1621 جنيهاً مصرياً ]300×4.3×1.25 ج (ثمن جرام الفضة)(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175620&posted=1#_ftn1).

أوجه التعاون والمجاملات بين أولاد الله وأولاد العالم
كثيراً ما تحتّم الظروف مشاركة الآخرين، ولقد طالبنا السيد المسيح بأن نحب الجميع ليس السامريين والأمميين فحسب بل والأعداء أيضاً، ومجاملات المشاركة والتعاون كثيرة جداً، منها الثقافي والاجتماعي ومنها الوجداني مثل المشاركات فى الأفراح والأحزان والعمل والتجارة وغيرها، مما لا يمسّ للإيمان والعقيدة، الأمر الذى لا يقبل المساومة، وهكذا يمكننا البحث عن أرضية مشتركة يقف عليها الطرفان أو عدة أطراف. ولنلاحظ أنه بينما يمتدح الكتاب المقدس هنا حسن تصرف أونيا ودبلوماسيته التى مارسها لخير شعبه، يستنكر هنا بشدة مسلك ياسون إذ لم يتحرك فى الاتجاه الصحيح.
أنطيوخس أبفيانيوس وخلافاته مع البطالمة
21 كان أبلونيوس بن منستاوس قد أرسل إلى مصر لحضور عرس فيلوميتور الملك، فعلم أنطيوخس أنه قد أصبح معادياً لسياسته، فوجه أهتمامه إلى تحصين نفسه، فرجع إلى يافا ثم سار إلى أورشليم. 22 فاستقبله ياسون وأهل المدينة استقبالاً فخماً، ودخل بين المشاعل والهتاف. ثم أنصرف من هناك بالجيش إلى فينيقية

كان الخلاف ما يزال قائماً حتى ذلك الوقت ما بين البطالمة والسلوقيين، بسبب تبعية "جوف سوريا". حيث كان أنطيوخس الكبير قد أهداه إلى كليوباترا الأولى عندما تزوّجها، فلما ماتت منع السلوقيون جزية البلاد عن كليوباترا الثانية ابنة الأولى، مفسرين هبة أنطيوخس على أنها "معاش" يوهب لكليوباترا الأولى مادامت حية، ولكن اتباعها اعتبروا "جوف سوريا" هبة للعائلة ومن ثم طالبوا بالاقليم ليصبح تحت حكمهم أو توريد جزيته لهم.
وعقب موت الأولى تزوجت كليوباترا الثانية من بطليموس السادس فيلوميتور وهى أخته(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175620&posted=1#_ftn2)، وبالرغم من أن أبولونيوس المذكور هنا يخضع لسلطة أنطيوخس بل هو رفيقه السابق حين كان مأسوراً فى روما، إلاّ أن حضوره هذا العرس، وهو قائد اقليم البقاع (جوف سوريا) قد رأى فيه أنطيوخس خروجاً على طاعته ومناوئه لسياسته، وتحالفاً مع البطالمة. ولكن السؤال يبقى: من الذى أرسل أبولونيوس إلى مصر؟ هل الرومان؟ أم ذهب
من تلقاء ذاته ؟ .
هذا ويشير دانيال (11: 25، 26) إلى مناوشات على الحدود ما بين المملكتين، بينما يشير دانيال (11: 27) إلى اللقاء الريائي مابين وكيل أنطيوخس الرابع وبطليموس السادس، كذلك يمكن تفسير دانيال (11: 28) باعتباره يشير إلى الزيارة السلمية لأنطيوخس، وإن كان من المرجّح أنه كان مدفوعاً بالجشع، وهو ما يتضح لنا من دانيال (11: 28) "وقلبه على ضدّ العهد المقدس".
ولكن أنطيوخس والذي خشي من الفتنة والوشاية، جعل يحصّن بلاده تحسباً لأي هجوم من البطالمة، وعندما دخل أورشليم استقبله ياسون والحزب الهيليني هناك استقبالاً حافلاً، أماّ المشاعل فقد كانت شيئاً أشبه بالقناديل أو الشموع، ولكننا لا نجد أثراً لاستقبال ديني . . وإنما ظهر ياسون باعتباره قائداً مدنياً. ولاشك أن ذلك قد أدخل الطمأنينة إلى قلبه من جهة اليهود ولو بشكل مؤقت. وبينما كانت يافا هى المقر الدائم للملك، فإنه اتجه من اليهودية إلى فينيقية (تطلق كلمة فينيقية على الساحل الفلسطيني أيضاً).
هذا وقد حدث ما توقّعه أنطيوخس أبيفانيوس من استعداد البطالمة لغزو سلوقية، للاستيلاء على إقليم البقاع كما سيأتى.

رئاسة الكهنوت تتحول إلى منلاوس

23 وبعد مدة ثلاث سنوات، وجه ياسون منلاوس، أخا سممعان المذكور، ليحمل أموالاً إلى الملك ويفاوضه فى أمور عاجلة. 24 فأخذ منلاوس توصيات بنفسه إلى الملك وأبهره بمظاهر سلطانه، وحول الكهنوت الأعظم إلى نفسه بأن زاد ثلاث مئة قنطار فضة على ما أعطى ياسون. 25 ثم رجع ومعه أوامر الملك، ولم يكن على شئ مما يليق بالكهنوت الأعظم، وإنما كانت له أهواء طاغية عنيف، وأحقاد وحش ضار. 26 وهكذا فإن ياسون الذى أخذ مكان أخيه، أخذ مكانه آخر، فهرب إلى أرض بنى عمون. 27 أما منلاوس، فكان يمارس السلطة، إلا أنه لم يدفع شيئاً من الأموال التى كان وعد بها الملك. 28 فكان سستراتس، رئيس القلعة، يطالبه، لأنه كان مولى أمر الجباية. ولهذا السبب استدعيا كلاهما إلى الملك. 29 فترك منلاوس أخاه ليسيماخس على الكهنوت الأعظم، وترك سستراتس قراتيس، رئيس القبرسيين، مكانه.
بعد تلك الأحداث بثلاث سنوات أرسل ياسون الجزية السنوية المقررة (4: 8 و 1مكا11: 28) إضافة إلى المبالغ الإضافية التى سبق فوعد بها، مستصدراً بذلك أمراً ملكياً بتحويل رئاسة الكهنوت إليه (آية 9) وهو يرسل الآن ما وعد به بيد "منلاوس" وهو شقيق سمعان الوكيل الخائن (3: 4-6).




(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175620&posted=1#_ftnref1) فى ذلك الوقت كانت أسعار الماشية فى جزيرة ديلس Delos تتراوح ما بين 70 – 120 دراخمة للرأس، كما كان أجر الحرفى الماهر في اليوم حوالى دراخمة واحدة فى أوائل القرن الرابع ق. م.
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175620&posted=1#_ftnref2) يذكر بوليبيوس المؤرخ مراسماً أجريت لبطليموس السادس المذكور هنا، عرفت باسم أناكليتيريا Anakleteria وانها كانت تتم عند بلوغ الملوك البطلميين سن الرشد، وفيه يرأس الملك الشاب أول وليمة رسمية للدولة، ويخبرنا بأن أخبار هذه الاحتفالات قد بلغت اليونانيين فى شتاء عام 170 – 169 ق.م. Jonathan A. Goldsten, II Macc.

st-athanasios
02-21-2009, 03:27 PM
الجـزية:
يجب أن نتوقف عند عبارة "بعد مدة ثلاث سنين" فقد كانت الدقة أمراً مفترضاً فى ُمقرض المال والُمقترضين وجامعي الضرائب ودافعيها، إذ كانت الفترات الفاصلة لسداد الفوائد ـ فى الزمن القديم ـ ُتحسب بدقة وليس تقريباً، وعندما كان الاقتصاد يعتمد بشكل رئيسي على الزراعة لم يكن جمع الجزية ممكناً إلاّ على المحصول الزراعي السنوي، وظل الحال هكذا حتى بعدما كانت الجزية فى الامبراطورية السلوقية، تتألف من مبلغ محدد وليس من نسبة مئوية على المحاصيل.
وفى نص يتحدث عن دفع جزية، من غير الممكن أن تعني عبارة مدة ثلاث سنين سوى ثلاث فترات ُسددت عنها الجزية، وفى وثائق الإيجار العبرية المؤرخة فى سنة 133 ق.م. ُتحدد السنوات الكاملة بسنوات الضرائب. (انظر تكوين 14: 4) "اثنتي عشر سنة استعبدوا لكدر لعومر والسنة الثالثة عشر عصوا عليه". حيث تعنى "استعبدوا" دفعوا الجزية إليه – قارن (2مل 17: 3-4 و 18: 7) كما تعني وفى السنة الثالثة عشر : بعد دفع جزية السنة الثانية عشر – قارن (خروج 21: 2 و تثنية 15: 12) أمّا فترة الثلاث سنوات هنا (آيه 23) فإنها تقيس الفترة الزمنية المنقضية منذ الواقعة الأخيرة التى رويت وهى زيارة أنطيوخس لأورشليم (آية 21، 22). فقد أصبح ياسون رئيس كهنة (آية 7، 8) بعرضه توريد مبلغ أكبر من الجزية من اليهودية بعد وفاة سلوقس الرابع، وقد توفى سلوقس فى 10 أيلول من التقويم السلوقي البابلي (أى فى 3 سبتمبر 175 ق.م.) أى قبل بدء عام 138 من التقويم السلوقي المقدوني مباشرةً، ومن المؤكد أن ياسون ما كان بوسعه أن يتحدث عن هذا العرض الباهظ، حتى تأكد من أنه سيكون السلف فى رئاسة الكهنوت. ومن المحتمل أن يكون أنطيوخس قد استقر فى الحكم فى الفترة ما بين 23 أكتوبر و20 نوفمبر 175 ق.م. .
إذاً فلابد أن يكون عرض ياسون وارتقاؤه رئاسة الكهنوت قد تم فى أواخر عام 175 أو فى أوائل عام 174 ق.م.
وربما تكون "ثلاث سنين" (آية 23) محسوبة من تاريخ تعيين ياسون لأن الجزية ُمشار إليها ببساطة بكلمة "أموال" وبذلك تكون أول دفعة ضرائب (جزية) سددها ياسون فى عام 174 وثالث دفعة له فى عام 172 حيث استولى منلاوس على رئاسة الكهنوت (آية 23، 24) .
ويمكن تحديد العام الذي استولى فيه منلاوس على الكهنوت من دليل آخر، فقد استحقّت على منلاوس وهو رئيس كهنة دفعة جزية واحدة على الأقل قبل وفاة أونيا الثالث (آيات 23 – 34) وُقتل أونيا بعد بدء العام السبتي التالي الذى بدأ فى خريف عام 170 ق.م. بقليل، والتى يعتمد عليها إلى حد بعيد.
دامت فترة رئاسة منلاوس للكهنوت عشر سنوات، وكان خلع منلاوس أثناء رحلة أنطيوخس الخامس وليسياس (2مكا 13: 3-8) وقد استمرت الرحلة من حوالى يونيو 163 إلى يناير أو مارس 162، ويمكننا التأكد من الموسم الذى كان يستحق فيه سداد الجزية والذى أصبح منلاوس فيه رئيس كهنة، كان العام المقدوني السلوقي الرسمي يبدأ قرب الاعتدال الخريفي في حوالي ذات زمن إدخال آخر المحاصيل، ومن المحتمل أن يكون هذا هو توقيت سداد الضرائب.
وفى مصر البطلمية بإنتاجها الضخم ومسافاتها الطويلة، من المحتمل أن يمتد دفع الضرائب وجمعها لفترات طويلة، حيث صعّب عمليات التأجيل إمكانية تحديد ما كان موعداً قانونياً، وما كان التاريخ الفعلى للدفع. كانت اليهودية فى فترتى ياسون ومنلاوس بلداً مغوطاً محدود الانتاجية.
منـلاوس Menelaus : هو شقيق سمعان المذكور فى (3: 4) والاسم العبرى لمنلاوس هو حونيا (أونيا) وهو ابن رئيس الكهنة سمعان الثانى، وشقيق أونيا الثالث وعم أونيا الرابع، وينتمى منلاوس مثل شقيقه سمعان إلى عشيرة "بلجة" الكهنوتية، ومن هنا يتشكّك البعض فى كونه ابناً لسمعان الثاني والذى ينتمي إلى عشيرة "يدعيا" الكهنوتية.
استطاع منلاوس ـ وهو ينتمي لتلك العائلة غير الأمينة ـ أن ُيبهر الملك فى أنطاكية بمظهره ثم بوعوده الأكثر سخاءاً من ياسون: إن هو أقرّه فى رئاسة الكهنوت، ولمّا علم ياسون بذلك هرب من أورشليم، ولم يلبث منلاوس أن استغل انشغال الملك بإخضاع سكان طرسوس وملو، حتى نهب الهيكل بمساعدة أندرونيكس والذى قتل أونيا بإيعاز منه، إذ كان بقاؤه على قيد الحياة يؤرّقه خشية أن يسترد وظيفته، ولما ثار الشعب بسبب ذلك، توسّط بطليموس عنه لدى الملك، فأخلى سبيله بينما قَتَلَ المشتكين عليه (آيات 23-50).
وعاد ياسون ليطارد منلاوس الذى احتمى بالقلعة (5:5) بل واستطاع مساعدة الملك فى استرداد أورشليم من ياسون والانتقام من الشعب والإساءة إلى الهيكل (5 : 15) ولما حنق عليه الشعب هرب إلى الملك فى أنطاكية (5 : 23) وفى أبريل من عام 163 ق.م. حاول التوسّط بين الملك والشعب فأتى ذكره فى رسالة الصلح بين الملك واليهود باعتباره الوسيط بينهم (11: 29-32) غير أنه عاد إلى ميوله الرديئة فى خريف عام 163 ق.م. حيث انضم إلى جيش أنطيوخس الخامس وكاد يوقعه فى ورطة، لولا ليسياس وزيره والذى أكّد له أن منلاوس وراء ثورة اليهود وتألبهم بسبب كراهيتهم الشديدة له، حيث أمر الملك بتعذيبه بآلة بشعة (13: 1-7) ولم يدفن بعد قتله وقد لاقى موته راحة وبهجة لدى الشعب.
أما أنطيوخس والذى وافق على الفور على الصفقة، فلم يكن منصب الكهنوت يعني له سوى صفقة رابحة تدرّ عليه المال وبالتالي فهو يهبها لمن يدفع أكثر، وإذا كان القادة الدينيين أنفسهم قد أساءوا إلى هذه الرتبة فكيف سنطالب شخصاً وثنياً باحترامها وتقديسها، وهو شخص لا همّ له سوى جمع المال للانفاق على مخططاته التوسعية. غير أن منلاوس كان أشد سوءاً وخطورة من نظيره ياسون.
وهكذا كانت الحياة الدينية لليهود تنحدر رويداً رويداً مما ينذر بالكارثة، وكان الشعب المسكين هو الذى يئن من ثقل الجزية الموضوعة على المنصب من جهة، ومن مضار عدم حكمة رؤساء الكهنة من جهة اخرى.

وهكذا تجرّع "ياسون" الكأس ذاتها التى أسقاها لأونيا!. وكان فى أرض بنى عمون (أرض طوب) حصناً لبنى طوب هناك هو حصن هركانوس Hyrcanus الطوبي، وربما كان هركانوس على قيد الحياة آنئذ. إلى هناك هرب ياسون، مما يؤكد لنا من جديد أنه من بيت طوبيا، أما منلاوس والذى يطلق عليه يوسيفوس ـ بطريق الخطأ ـ اسم أونيا أيضاً، فقد نكث بوعوده ولم يورّد للملك الضريبة.
وأمّا سستراتس قراتيس Sostraus فهو الذى كان قبلاً رئيساً لفرقة من الجنود المرتزقة القبرسيين، وربما كان أكثر جنود القلعة فى ذلك الوقت من القبارسة. ومع أن قبرس كانت خاضعة فى ذلك الوقت للبطالمة إلاّ أن المرتزقة كانوا يؤجرون أنفسهم لصاحب المبلغ الأكبر. كان سستراتس هو حاكم القلعة وليس بالضرورة أن يكون حاكم أورشليم السلوقي، وإنما كان مكلّفاً فقط ببعض المهام مثل جمع الجزية وتوريد الدفعات المنتظمة.
وقد رأى منلاوس أن يقوم القائد العسكرى منذ ذلك الحين فصاعداً باستلام أموال الجزية، وذلك تحسباً لاحتمال قيام الأتباع اليهود باستغلال المال على نحو آخر، مثلما حدث حين أرسل ياسون أموال بيد اليهود لتقديم ذبيحة لهرقليس.. إذ كان رئيس الكهنة فى أكثر الأحوال هو ممثل الشعب هناك لدى السلطات، يؤكد لنا ذلك تَرْكِهِ "لسيماخوس" مكانه، هذا وقد ارتابت السلطات فى أنطاكية فى احتمال تواطأ منلاوس مع سستراتس، فلم ُتورّد الجزية إلى الملك، ولذلك فقد استدعى الأخير كليهما ليوبخهما ويقف على جلية الأمر.
ليسيماخـوس Lysimachus: وهو أخ غير شقيق لـ "منلاوس" المذكور، وكان خائناً شريراً مثل أخيه، فقد سلب الهيكل وقتل كثيرين
ـ كما سيجئ ـ غير أن الذى يعنينا الآن فى ترك ليسيماخوس محّل أخيه منلاوس، هو أن رئاسة الكهنوت كان لها صِبغة مدينة أكثر منها
روحية ليتورجية.

الغدر بأونيا
30 وحدث بعد ذلك أن أهل طرسوس وملو تمردوا، لأنهم جعلوا هبة لأنطيوخيس، سرية الملك. 31 فبادر الملك لبت فى هذا الأمر، وترك مكانه أندرونكس، أحد ذوى المناصب. 32 فرأى منلاوس أنه قد أصاب فرصة، فسرق من المقدس آنية من الذهب أهدى بعضها إلى أندرونكس، وباع بعضها فى صور والمدن التى بجوارها. 33 ولما تيقن أونيا من ذلك، لامَه عليه، وكان قد أنصرف إلى حِمّى بدفنة، بالقرب من أنطاكية. 34 فخلا منلاوس بأندرونكس إلى أونيا واعتمد على المكر فمد إليه يمناه مقسماً وحمله على الخروج من الحمى، وإن بقى غير واثق. ثم اغتاله من ساعته، ولم يرع للعدل حرمة. 35 فوقع ذلك موقع السخط عند اليهود، بل عند كثير من سائر الأمم، وشق عليهم قتل هذا الرجل ظلماً. 36فلما رجع الملك من نواحى قيليقية، ذهب إليه يهود المدينة، مع من يشاركونهم من اليونانيين فى استنكارهم لمقتل أونيا بغير حق. 37 فتأسف أنطيوخس ورق شفقة وبكى على حكمة ذلك المفقود وشدة اعتداله. 38 واضطرم غضباً ونزع لساعته الأرجوان عن أندرونكس، ومزق حُلَلَه وأطافه فى المدينة كلها، ثم أباد لك القاتل فى المكان الذى ارتكب فيه كفره على أونيا، فأنزل به الرب العقاب الذى استوجبه.
هذه الآيات هى المصدر التاريخي الوحيد لأحداث تمرّد المدينتين (طرسوس وملو)، وكان لهما من الأهمية ما يجعل أنطيوخس يهتم بتمردهما اهتماماً شخصياً، وقد منح الملك هاتين المدينتين مميزات "المدينة الإنطاكية" ورغم أنها اقليم حدودي استرتيجي، إلاّ أن الملك هادن أهلها كما سيجيء(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175621#_ftn1).

طـرسـوس Tarsus : اسم يونانى معناه "رسغ القدم" وترجع تسميتها بهذا الاسم إلى البطلين الأسطوريين "برسيوس وهرقل". وهى عاصمة كيليكية في جنوب شرق آسيا الصغرى على شاطيء نهر سيدنيس، وكانت تتحكم فى الطريق الرئيسي الموصّل بين كيليكية وآسيا الصغرى، وربما كان الأشوريين بقيادة سنحاريب هم الذين أسسوها تحت اسم إنشيال. ووجد هناك نصب تذكاري ُكتب تحته (سردنابلس أسّس طرسوس وإنشيال فى يوم ما). وفى سنة 401 ق.م. قام بعض المرتزقة اليونانيين بسلب المدينة، بينما أنقذ رجال الإسكندرية المدينة من الدمار على يد الفرس، وبعد فتح الإسكندر لها بدأت عهداً جديداً مع خلفائه السلوقيين.
ملـو (ملّوس) Mallus : تقع مدينة كيليكية أعلى برغامس (آية 39) اكتشفها "أمفيلوكس" و "موبسس" بعد حرب طرواده، وهى مسقط رأس "كيراتس" عالم النحو والصرف، وقد تسببت أهمية كيليكية البحرية فى إضعاف أهمية "ملو". وفى العصر السلوقي كانت ما تزال مدينة يونانية صغيرة.
هاتان المدينتان أهداهما أنطيوخس أبيفانيوس لسريّته أنطيوخيس Antiochis (الاسم تأنيث أنطيوخس) كعادة قدماء الملوك، حين كانوا يهدون بعض المدن أو المقاطعات لزوجاتهم أو سراريهم، يحصّلون خراجها، وربما يُمنحون حرية التصرف فى أهلها ومواردها وكأنهم عبيد لهنّ أو ملكهن الخاص، ويبدو أن أنطيوخيس قد أساءت معاملة أهالي المدينتين معاً مما جعل سكانهما (بالاتفاق غالباً) يقومون بثورة يعلنون فيها احتجاجهم، وقد رأوا فى تسلط امرأة بنزواتها عليهم إهانة لهم أكثر من تسلط أنطيوخس نفسه، كما آلمهم ذهاب أموالهم إليها وليس إلى الملك.
وفيما مضى أنطيوخس لإخماد الثورة هناك أو تهدئة السكان، ترك مكانه شخصاً يدعى "أندرونيكس" Andronicus (الاسم يونانى معناه "قاهر الرجال") وقد تواطأ هذا مع منلاوس فى التغاضي عن سرقة كنوز الهيكل والتى نهبها الأخير وباعها إلى التجار فى صور وما حولها من مدن غنية، وقد تناسى منلاوس فى ذلك أن الله هو الحارس على الهيكل، ولم يمنعه الخوف من الله عن السرقة بل كان يمنعه الخوف من الملك(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175621#_ftn2).
قال أب لتلاميذه: "صدقونى أننا لا نخاف من الله خوفنا من كلب ! " أجابوه: حاشاك يا أبانا أن تقول مثل هذا، فقال: "هب أن إنساناً مضى ليسرق ولكنه وجد هناك كلب فتراجع ولم يتم السرقة، وهكذا منعه الخوف من الكلب ولم يمنعه الخوف من الله !! .

أونيـا يغار غيـرة الـرب :
بالرغم من كون أونيا قد ُاعفى من منصبه وأقام فى أنطاكية، إلاّ أنه جاء إلى أورشليم ليبكّت منلاوس على تجرأه على الهيكل وتبديد ثروته، تلك التى ثار الشعب كله من أجلها (أصحاح 3) وبعد تأنيبه لرئيس الكهنة عاد ليسكن فى مكان آمن بقرية بالقرب من أنطاكية، تحسّباً لانتقام منلاوس منه، ولكن الأخير دبر مكيدة بالفعل وحمل أندرونيكس على قتل أونيا، وربما



(http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175621#_ftnref1)(1) ويظهر أحد النقوش أن الامتيازات كانت ما تزال سارية حتى سنة 166 ق.م.
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175621#_ftnref2) تتحدث بعض المصادر مثل المؤرخ ديودورس وكتابات يوحنا الإنطاكى عن شخص يدعى أندرونيكس قد قتل أنطيوخس الصغير ابن أنطيوخس الرابع، وأنه ُاعدم بدورة على يد أنطيوخس الرابع، وتكشف لنا قائمة الملوك السلوقيين أن أنطيوخس الصغير ُقتل فى أغسطس 170 ق.م. ونعلم من نبوءة دانيال (9: 26) أن أونيا الثالث مات فى العام السبتى التالى 170/169 ق.م. ، هذا وتقول المصادر الوثنية أن أندرونيكس ُاعدم لقتله أنطيوخس الصغير بينما يفيد السفر هنا بأنه عوقب لقتله أونيا، وربما يكون أنطيوخس قد رأى فى موت أونيا ذريعة لقتل أندرونيكس رغم أن الأخير كان وكيله الخاص والذى أولاه ثقته، وبقتله أندرونيكس يتخلص من دليل اشتراكه هو فى قتل أنطيوخس الصغير.

st-athanasios
02-21-2009, 03:33 PM
أطاعه أندرونيكس بسبب خوفه من لوم الملك متى عرف بما حدث عن طريق أونيا، لا سيما وقد اشترك معه فى نهب الهيكل. وقد استخدم أندرونيكس الحيلة مع أونيا، فإن تعبير "مد له يمناه" لا يعنى مجرد المصافحة بل العهد والتعهد .. وصداقة مخلصة(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175622&posted=1#_ftn1).

وقد ثار لموت أونيا كل من اليهود واليونانيين والكثير من سكان الأمم المجاورة، لما للرجل من حميد السمعة وُحسن الصيت، معتبرين اغتياله بمثابة جريمة بشعة. وبمقتله تمت نبوءة دانيال النبى "وبعد اثنين وستين أسبوعاً يُقطع المسيح وليس له وشعب رئيس آت يخرب المدينة والقدس وانتهاؤه بغمارة وإلى النهاية حرب وخرب قضى بها" (9 : 26).
فإن أونيا هو الرئيس المسيح المذكور هنا فى النبوة، وهو كذلك رئيس العهد الوارد فى (11: 22) "وأذرع الجارف تُجرف من قدامه وتنكسر وكذلك رئيس العهد" ويفتتح موته الأسبوع السبعين والأخير، الذى توقفت الذبيحة الشرعية فى منتصفه، وإقامة "شناعة الخراب" (دانيال 9: 27) ولا شك أن مدة هذه الثلاث سنين ونصف (نصف اسبوع سنوي) تطابق واقعاً حدث، فهى التي أوحت لدانيال بأن يعود إلى نبوة إرميا الواردة فى
(25: 11 ،12 و 29 : 10) ويمكننا من خلال التاريخ الوارد في(1مكا 1 : 54) وهو شهر ديسمبر، أن نستنتج أن موت أونيا كان فى صيف سنة 170 ق.م.

دفنـه Daphne : اسم يونانى معناه "شجر الغار" وهى قرية أسسها سلوقس نكانور (306 - 280 ق.م.) وتبعد عن أنطاكية مسافة 8 كم إلى الشمال الغربى، وكانت مدينة جميلة تمد أنطاكية بالماء، اشتهرت بوجود معبد وتمثال "أبوللو" فيها، كما انتشرت فيها الحدائق والتماثيل والنافورات والحمامات والمعابد، وكانت منسقة تنسيقاً جميلاً، بينما كان هيكل أبوللو يقع على مرتفعاتها من الجهة الجنوبية، وكان الاستاد الأولمبى يقع عند أسفلها.
ويرى الكثير من الشراح أن غالبية أماكن اللجوء فى "دفنة" كانت مزارات وثنية ويتعجبون بالتالى كيف يلجأ رئيس كهنة يتسم بالقداسة إلى حمى مزار وثني ! ولكن من المرجح أن يكون قد التجأ إلى أحد المعابد اليهودية.

الملك يتأسف لموت أونيا:
يتضح لنا أن الملك كان يكنّ لأونيا تقديراً خاصاً، حتى وإن كان قد نحّاه عن منصبه، ومن جهته فقد التزم أونيا جانب الحكمة والتعقل، والغيرة المقدسة حتى بعد تركه منصبه. إلى الحد الذى جعل الملك يبكى على موته، وأما كلمة "اليونانيين" الواردة هنا فهى إماّ تعني السلوقيين أو اليهود المتأغرقين، فقد كان للرجل أصدقاء من الجانبين. وقد عاقب الملك أندرونيكس بتجريده من نياشينه ورتبته، حيث كان اللباس الأرجواني زي أعضاء رتبة أصدقاء الملك، وبذلك كان تجريده ذلك الزي تجريد من رتبته كصديق، وربما بتمزيق ملابسه أيضاً قد تعرى لتلحق به إهانة كبرى، وقد أمر الملك بالطواف به فى المدينة، وربما كان موكب المجرم عاري الجسد فى الشوارع إلى مكان إعدامه إجراءً متبعاً، فإنه فى عالم بلا وسائل إعلام، كان مثل هذا الإجراء إعلاناً وتحذيراً .. قبل أن يتم فيه حكم الإعدام فى المكان ذاته الذى سفك فيه دم البار " .. في المكان الذى لحست فيه الكلاب دم نابوت تلحس الكلاب دمك أنت أيضاً" (1مل 21: 19).



ليسيماخوس يثير الفتنة والقتل

39 وكان ليسيماكس فى المدينة قد سلب، بموافقة منلاوس، كثيراً من مال الأقداس، فذاع الخبر فى الخارج بعد أن تم توزيع كثير من الأشياء الذهبية إلى أماكن مختلفة، فاجتمع الجمهور على ليسيماكس. 40فلما هاجت الجموع واشتد غضبهم، سلح ليسيماكس ثلاث آلاف رجل وأعمل أيدى الظلم، تحت قيادة أورانس، رجل قد طعن فى السن وفى الحماقة معاً. 41 فلما رأوا هجوم ليسيماكس، تناول بعضهم حجارة وبعضهم هراوى وبعضهم رماداً مِلء أيديهم، ورموا بكل ذلك فى شئ من الفوضى رجال ليسيماكس. 42 فجرحوا كثيرين منهم وصرعوا بعضاً وهزموا الباقين كلهم، وأما سالب الأقداس فقتلوه عند الخزانة.

لم يكتفِ ليسيماخوس بما تم من النهب، ولم يقف الأمر عند رشوة أندرونيكس، ولكنه أعاد الكرة من جديد بمعرفة منلاوس نفسه، ولما تم توزيع العديد من الكنوز للبيع شاع خبر السرقة، من خلال اليهود القاطنين فى المدن التى بيع فيها، مما أهاج أعداداً مضاعفة من الغيورين، وقد اتخذ ذلك شكل إضراب أو مظاهرة ضخمة فى الهيكل مطالبين بالانتقام.
غير أنه وبموافقة منلاوس بالطبع، قام بتسليح هذا العدد الضخم، فما كان من الفريق الآخر من الغيورين إلاّ أن تسلّح بالهراوات (العصي الغليظة) والحجارة، بينما لم يجد الآخرون سوى رماد الذبائح (فإن الاشتباك قد وقع فى فناء الهيكل) فحدثت جلبة وفوضى ُقتل وجرح كثيرون فيها. واستطاع الغيورين فى النهاية دحر أتباع ليسيماخوس، ثم قاموا بقتل ليسيماخوس نفسه عند فناء الخزانة، فقد كانت سرقة المقدسات جريمة تبيح قتل الجاني على يد أى غيور.
ولكن من هو أورانوس Auranos الذي قاد أتباع ليسياخوس؟ إن اسمه للأسف يعنى "سماء" فإن الكتاب يصفه هنا بعدم الحكمة، ولعله واحداً من القادة المشرفين على أعمال الحراسة فى الهيكل، ويرى بعض العلماء أن الاسم أيضاً قد يكون Auran وهو اللقب الذى ُاعطى لواحد من المكابيين الخمسة وهو "ألعازر" (1مكا 2: 5 و 6 : 43).

منلاوس ينجى من العقاب عن طريق الرشوة

43 ورفعت دعوى فى هذه الأمور على منلاوس. 44 فلما قدم الملك صور، أرسلت المشيخة ثلاث رجال، دافعوا عن قضيتهم العادلة أمامه. 45 ورأى منلاوس أنه مغلوب، فوعد بطليمس بن دوريمانس بمال جزيل ليستميل الملك. 46 فذهب بطليمس بالملك إلى بعض الأروقة كمن يريد تنسم الهواء، وصرفه عن رأيه، 47فحكم لمنلاوس الذى هو علة الشر كله بالبراءة مما شكى به، وحكم بالموت على أولئك المساكين الذين، لو رفعوا دعواهم إلى الإسكوتيين، لحكم لهم بالبراءة. 48 ولم يلبث أولئك المدافعون عن المدينة والشعب والأقداس أن حل بهم العقاب الجائر. 49 فشق هذا الجرم حتى على الصوريين فبذلوا نفقات دفنهم بسخاء. 50 واستمر منلاوس فى الرئاسة بجشع المقتدرين، وكان لا يزداد إلا خبثاً، ولم يزل لأهل وطنه عدواً لدوداً.

أقام اليهود دعوة على منلاوس باعتباره المسئول عن جميع ما جرى من أحداث مؤسفة، ليس لكون ليسيماخوس هو أخيه فحسب، وإنما لأنه كان موافقاً له فى جميع ما اقترف من مصائب، فلما وصل الملك إلى صور ربما بسبب وجود مقره فيها وربما بسبب وجود بعض المباريات (آية 18) أقيمت هناك الدعوى، غير أن بطليموس بن دوريمانس وهو أحد المقربين إلى الملك، وهو كذلك واحداً من القادة الثلاثة الذين أرسلهم الملك بعد ذلك لاخضاع اليهود (1مكا 3: 38) وقد كان حاكم إقليم سوريا وفينيقية (2مكا 8 : 8) وهو دبلوماسي مرموق، إذ يرد عنه أنه أول من أنصف اليهود (10: 12). هذا استطاع منلاوس أن يرشيه لكى يخلي سبيل منلاوس، ففعل بينما أمر بقتل المدعين الثلاثة والذين أرسلهم مجلس الشيوخ اليهودى لرفع الدعوى.

الأسكوتييـن / الاسكيثيين Scythians (السكيثيين):
قوم ُرحّل، ُاطلق عليهم "أشكيناز" فى (تكوين 10: 3 و 2 أخ 1 : 6 و إرميا 51 : 27) وقد ظهروا كقبائل أولاً فى جنوب روسيا ثم ارتحلوا إلى الشرق الأدنى منذ القرن الثامن قبل الميلاد. وترجع تسميتهم إلى ارتحالهم من شرقى جبال "التاس" إلى "سثيا Scythia" بينما اعتاد العرب على تسميتهم بـ "التتار" أو "التتر". وقد تكلموا لغات الهند/إيرانية (من مجموعة لغات الهند أوروبية).
وهم أشد القبائل همجية يعيشون فى الخيام، والمهنة الوحيدة التي نجحوا فيها هى تربية الخيول وركوبها، وهم لا يستقرون فى مكان واحد، يرحلون ومعهم أمتعتهم، دائمو الإغارة على البلاد والقتل والنهب، ولهم عادات بشعة فى شرب دم أو قتيل لهم، كما عبدوا "السيف" كإله لهم يقدّمون له ذبيحة بشرية: واحداً من كل مئة أسير لديهم، ويستخدمون جماجم الموتى كأوانى للشرب، ولا يحبون النظافة بالماء مطلقاً.
وقد دأبوا منذ القرن السابع على مهاجمة السوريين والفلسطينيين، بل سيطروا على آسيا مدة ثماني وعشرين سنة، نهبوا هيكل أفرودتس في أشقالون، وكانت هجماتهم فى تلك النواحى تتم على الطريق الجنوبي
ولذلك فمن المحتمل أن يكونوا هم "العدو الذى من الشمال" المذكور فى
(إرميا 4: 5 و 5: 21 و 6: 1-26 و 14: 17) كما كان ُيظن. وقد استقر أكثرهم عند شمال البحر الميت، وسكن قسم منهم فى خيام بالصحراء مثل البدو، بينما استقرت أعداداً أخرى قليلة فى المدن. واتصل الاسكيشيين بالتجار اليونانيين واستبدلوا منتجاتهم بالعبيد والأخشاب والحبوب، وقد فشل داريوس الأول من قبل فى قمعهم، بينما لعبوا دوراً هاماً مع خلفاء المكابيين (راجع التعليق على الأصحاح 16 من المكابيين الأول).
وفى الحفريات الحديثة ُعثر على نقش للاسكوتيين، عبارة عن رأس سهم من البرونز بثلاث ريشات وشوكة مقوّسة على قصبة السهم، وذلك فى المنطقة الواقعة بين أرمينيا وفلسطين، كما تم اكتشاف مقابر لهم فى الأراضي المتحجّرة فى آسيا الصغرى. ومن بين عيوبهم عدم استمرار تحالف قبائلهم معاً، مما جعلهم عرضة وهدفاً للهجمات المتتالية، وقد تحالفوا مع الأشوريين فى مواجهة الماديين ثم ما لبثوا أن تحالفوا مع الماديين والبابليين لهزيمة الأشوريين !.
وقد أصبح ُيضرب بهم المثل فى الهمجية وعدم وجود قوانين وشرائع لديهم، كما ُعرف عنهم القسوة الشديدة، ومع ذلك فقد كانوا أكثر عدلاً ورحمة من أنطيوخس فى حكمه على الذين أرسلهم يهود أورشليم. الأمر الذى أثار شجون الصوريون أنفسهم، فما كان منهم إلاّ تكفّلوا بنفقات تكفينهم تعبيراً عن تعاطفهم. وقد زاد ذلك من حنق الشعب على منلاوس.
وإليهم أشار القديس بولس فى رسالته إلى أهل كولوسي، حين صرّح بأنه لا فرق فى المسيح بين أى شعب وجنس وآخر "حيث ليس يوناني ويهودي ختان وغرلة بربري سكيثى عبد حر بل المسيح الكل وفي الكل" (كولوسي 3 : 11). بل أننا نقرأ عن شهيد من أصل سكيثى، هو الشهيد مركورى St. Mercury حيث كان جندياً اسكيثياً حارب بشجاعة ونال تقدير الإمبراطور ديسيوس، ولأنه مسيحي فقد رفض الاشتراك فى عبادة الإلهة أرطاميس، فعذّبوه كثيراً ولكن الله عزّاه بظهورات ملائكية، ثم نقل إلى كبادوكية وهى موطنه وفى النهاية نال إكليل الشهادة فى قيصرية، وتعيد له الكنيسة الغربية فى 25 نوفمبر من كل عام.(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175622&posted=1#_ftn2)




(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175622&posted=1#_ftnref1) كما استخدم القبض على راحة اليد، كتأمين على اتفاق بقسم بين الأفراد على ألاّ يؤذى أحدهما الآخر. هذا وقد ورد تعبير مشابه فى كل من سفر الأمثال ويشوع بن سيراخ هو "صفق الأيدى" ويعنى عقد الصفقة .. أو التصديق على عهد أو صفقة.
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175622&posted=1#_ftnref2) القمص تادرس يعقوب / قاموس آباء الكنيسة وقديسيها. ج (ص ـ م) ص/ 517، 518.

st-athanasios
02-21-2009, 04:10 PM
الأصحاح الخامس

ياسون يثير الفتنة ويجلب الشر على الأمة
بينما كان أنطيوخس الرابع يشن حملته الثانية على مصر، ترامت إلى اليهودية شائعات تفيد موته، مما حدا بياسون ـ رئيس الكهنة المعزول ـ القيام بتمرد مسلح استولى فيه على أورشليم آملاً فى استعادة منصبه، وعاد الملك الذى بلغته أخبار التمرد إلى البلاد لينتقم من اليهود ويسئ إلى الهيكل، حيث كان ذلك إيذائاً ببدء اضطهاد عنيف لليهود، تحتّم معه قيام الثورة المكابية.

حملة انطوخيوس الثانية على مصر
1 فى ذلك الزمان، كان أنطيوخس يستعد لغزو مصر ثانية. 2 فحدث أنه تراءى فى المدينة كلها مدة أربعين يوماً فرسان يعدون فى الجو وعليهم ملابس ذهبية، وجيوش مسلحة مصفوفة على شكل كتائب، 3وسرايا من الخيالة مصطفة للقتال، وهجوم وكر بين الفريقين، وتروس تهز، وغابات من الحراب، وسيوف مسلولة، ورشق نبال، ولمعان أسلحة ذهبية ودروع من كل صنف. 4فكان الجميع يصلون لكى يكون مَآلُ هذه الرؤيا خيراً.



الـرؤيـا : لعل هذا المشهد الذى رآه سكان المدينة المقدسة، كان يؤكد أن الأمر هو من الله، وليس لأحد سلطان أن يقوم من تلقاء ذاته بشن الحرب ضدهم أو اضطهادهم، ما لم يسمح له الله بذلك من أجل خيرهم هم أيضاً، وهو سينتصر لهم فى النهاية أيضاً، حتى وإن وقع بعض القتلى وحدثت بعض الخسائر، وكأنّ هذه الحرب التي على السحاب هى قتال بين قوات الظلمة وأجناد النور . . إن الحرب هى للرب ولمسيحه، وقد حدث بعد ذلك بقليل أن استعاد المكابيون لأمتهم كرامتها ولعقيدتهم قدسيتها وسلطانها. ومات أنطيوخس وكذلك مات خلفاؤه من بعده، ودالت دولة السلوقيين بينما بقى شعب الله. وتسلّم السيد المسيح هذه الأمة ليؤسس ملكوته.
وقد حدثت رؤيا مشابهة لهذه الرؤيا قبل خراب أورشليم سنة 70م. حيث كانت نذير نهاية ظلّ الأمور العتيدة وقيام مملكة المسيح إسرائيل الجديدة، يقول يوسيفوس المؤرخ اليهودى: أنه وقبل خراب الهيكل بوقت قصير ظهرت خيول من نار فى السماء وعليها ركاب من نار أيضاً، وكانوا يطيرون بالقرب من الأرض وكان جميع سكان أورشليم ويهوذا يرونها. هذا وقد أوحت النبوة الواردة في (يوئيل 3: 3-8) إلى اليهود أن يتوقّعوا أن تبشر الظهورات بأمور مدهشة وعظيمة.

أمّا الكاتب الإنجليزى الشهير وليم شكسبير فقد أوحت هذه الرؤيا إليه، بمشهد من مسرحيته الشهيرة يوليوس قيصر إذ يرد فى المشهد الثاني من الفصل الثانى:
محاربون قساة أشداء يحاربون فوق السُحب
فى صفوف وفرق وحرب حقيقية
وتعلو ضوضاء المعركة فى الهواء
وتصهل الخيل ويئن الرجال المحتضرون.


الحملة الثانية على مصر:

وكانت هذه الرؤيا نبوءة عن قيام أنطيوخس أبيفانيوس باضطهاد اليهود عقب فشل حملته الثانية على مصر، وتبدأ الخلافات بين البطالمة فى مصر والسلوقيين فى سوريا عندما أعطى أنطيوخس الثالث الكبير إقليم "جوف سوريا" قهراً لكليوباترا الأولى ابنة بطليموس الأول عند زواجه منها، وبعد موتها اختلف ورثتها مع السلوقيين حول تفسير تلك الهبة، هل كان جوف سوريا أحقية دائمة للبطالمة، أم أن خراجه يعطى لكليوباترا ما دامت على قيد الحياة؟ ولكن أنطيوخس حسم الأمر لصالح السلوقيين واحتفظ بجوف سوريا، وتحرّش البطالمة بالسلوقيين أكثر من مرة لاستعادته أو الحصول على خراجه، فقد شرع بطليموس السادس (180 ـ 145 ق.م.) فى شن حرب عليهم لاسيّما وقد كانت روما تكره أنطيوخس، إذ فكر فى استرداد ما فقده أبوه فى حربه مع الرومان، غير أنهم غيرّوا موقفهم من جهته.
من ثم أرسل كل من الطرفين وفداً إلى روما حيث كانت الأخيرة تعاني من هزيمتها على يد برسيوس فى 171 / 168 ق.م. ولكن القنصل أميليوس ليبيدوس حذّر البطالمة من رفع شكواهم إلى الرومان، بينما راسلوا أنطيوخس بأن "مارسيوس فيلبس" الخبير بالشرق سوف يكتب لبطليموس السادس، واعتبر أنطيوخس ذلك موافقة ضمنية منهم للتدخل فى مصر، فزحف عليها فى ربيع سنة 170 ق.م. بعد أن أرسل إلى روما أبولونيوس مبعوثه الشخصى يطلعهم على نيته فى احتياج مصر معتمداً فى ذلك على سابق صداقته معهم حين كان أسيراً هناك.
والتقى بطليموس الخامس بجيشه مع جيش أنطيوخس الرابع عند بلـوز (نواحى بور سعيد) ومع قوة وبأس الجيش السلوقى فإن أنطيوخس لم يمل إلى قتل الجنود المصريين بل أسرهم مما أكسبه تقديرهم، واحتلّ أنطيوخس بلـوز وقبض على بطليموس السادس، ثم عقد صلحاً مع الأخوين واللذان كانا متخاصمين حيث استأثر الخامس بالسلطة مستبعداً شقيقه، وتفاوض مع بطليموس السادس وهو ابن اخته أيضاً، مولماً له وليمة، ومن ثم جعله يوقع على وثيقة معاهدة، وقعت بها مصر تحت وصاية أنطيوخس والذى توجه حالاً إلى "منف" حيث توج هناك كملك! فى وجود بطليموس ذاته، ثم استولى على الكثير من كنوز مصر(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175624#_ftn1).
ومن بين العملات التى تم اكتشافها البعض الذى يحمل صورة أنطيوخس أبيفانيوس حيث سكت تلك العملات فى مصر وقبرص مما يؤكد ما حدث، غير أن أهالي الإسكندرية ثاروا على بطليموس السادس لقبول ذلك، وعندئذ خلعوه وثبتوا مكانه بطليموس يورجيتيس الثانى، وبينما كان أنطيوخس فى طريقه إلى اليهودية لقمع الانتفاضة التى سمع بقيامها هناك، قرر الانتقام من أهالى الإسكندرية لقيامهم بخلع بطليموس السادس، وفى الطريق من "بلوز" إلى الإسكندرية، تقابل مع وفود مصرية وأجنبية ورغم موافقته على التفاوض فقد حاصر الإسكندرية، وعندئذ أرسل البطالمة مندوبين عنهم إلى روما حيث قابلهم مجلس الشيوخ الرومانى فى 15/3/167 ق.م. فى تلك الأثناء رفع هو الحصار عن الإسكندرية بينما ترك حامية عسكرية فى بلوز عائداً إلى أنطاكية وهو يأمل أن تتسبب المنازعات بين الأخوين فى إضعاف مصر، غير أن الأخوان وبسعاية كليوباترا اتفقا على حكم البلاد سوياً وذلك فى 169 / 168 ق.م.
وضاق أنطيوخس بذلك فقرر غزو قبرص على يد "بطليموس ماكرون" فى حين أرسل جيشه إلى مصر فى خريف عام 168 ق.م. وفى الطريق وعلى



(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175624#_ftnref1) لمزيد من التفاصيل عن غزو أنطيوخس لمصر، راجع:
ANTIOCHUS IV AND THE CONQUEST OF EGYPT Bevan, Edwyn Robert, 1902. THE HOUSE OF SELEUCUS, Vol II, Edward Arnold, London. ANTIOCHUS IV AND EGYPT CHAPTER XXIII Pages 126-147.

st-athanasios
02-21-2009, 04:11 PM
حدود مصر تقابل معه وفد مصرى طالبين إليه الكفّ عن مهاجمة البلاد مقابل أية عطايا، فاشترط أخذ قبرص وبلوز والمدن التى حولها، بل أنه حددّ موعداً لقبول الشرط. ووصل وفد روما وكان مكوناً من ثلاثة شخصيات كبيرة لحل النزاع بين الطرفين، حيث أمروه بمغادرة مصر! وهنا شمت فيه اليهود (على حدّ زعم البعض) وكان ذلك من دواعى الانتقام منهم. (1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175648&posted=1#_ftn1)

ياسون يفشل فى استرداد وظيفته
5 وشاع خبر كاذب بأن أنطيوخس قد فارق الحياة، فأتخذ ياسون جيشاً ليس بأقل من ألف نفس، وهجم على المدينة بغتة، ودَحَرَ الذين على الأسوار وأخذ المدينة فى آخر الأمر، فهرب منلاوس إلى القلعة. 6 فأخذ ياسون يذبح أهل وطنه بغير رحمة، ولم يفطن أن الظفر بالإخوة هو الفشل عينة، ظناً منه أنه يأخذ مغانم من أعداء، لا من بنى أمته. 7 ولكنه لم يَستَولِ على الرئاسة، ولم ينل أخيراً من كيده سوى الخزى، فهرب ثانية إلى أرض بنى عمون. 8 فكان لتصرفه السيئ خاتمة، وذلك بأنه وُشِىَ به إلى الحارث، زعيم العرب، فجعل يفر من مدينة إلى مدينة، والجميع يطاردونه ويبغضونه بغضهم لمنأرتد عن الشريعة، ويمقتونه مقتهم لمن هو قتال لأهل وطنه، حتى أطيح إلى مصر. 9 فكان أن الذى غرب كثيرين، هلك فى الغربة، فى أرض لكديمون، وقد ذهب إليها راجياً أن يجد فيها ملجأ نظراً لوحدة الأصل. 10 والذى طرح كثيرين بغير دفن لم يبك عليه ولم يحصل على مأتم ولا دفن مع آبائه.


كان من شأن وفاة أنطيوخس الرابع أن تترك الامبراطورية السلوقية في وضع صعب، فقد كان انه أنطيوخس الخامس ما يزال طفلاً صغيرا، بينما كان ديمتريوس ابن سلوقس الرابع والبالغ من العمر 17 سنة رهينة في روما في ذلك الوقت. وكانت شخصية الملك عاملاً هاماً في الملكية السلوقية المطلقة، وحتى لو استطاع ديمتريوس الهرب من روما واستلام الحكم، لكان من المؤكد حدوث صراع ما بين مناصري اسرة أنطيوخس الرابع، ومشايعي اسرة سلوقس الرابع.
وفي ظل شائعات موت الملك يمكن لياسون الشعور بالحرية لكي يتمرّد، لا سيّما إذا توقّع تحقيق نبوة دانيال (2: 37-45) بخصوص اضمحلال مملكتي السلوقيين والبطالمة، ولم يكن تمرد ياسون موجها إلى الامبراطورية السلوقية، بل إلى خلع منلاوس من رئاسة الكهنوت.
كان ياسون قد لجأ إلى أرض بنى عمون (أرض طوب) عقب طرده من رئاسة الكهنوت وتعيين منلاوس مكانه (4: 26) فما أن ترددت أصداء الشائعة التى تفيد بمقتل أنطيوخس فى مصر، حتى هاجم ياسون أورشليم بغتة فى محاولة منه لاسترداد رتبته، وربما يكون قد جمع رجاله من "عرق الامير" (قلعة هركانوس الطوبي) حيث استطاع بالفعل الاستيلاد على المدينة رغم قلة العدد الذى معه، وإن كان ما يزال هناك مناصرون له، ما لم يكن الجنود الألف هم من المرتزقة(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175648&posted=1#_ftn2). ومن الواضح أن هركانوس نفسه لم يشترك في هذا الهجوم، إذ أنه أغلب الظن قد انتحر قبل قبل ذلك الوقت بسبب يأسه (كما مرّ بنا).
وقد قهر ياسون السكان هناك، مما اضطرّ منلاوس نفسه إلى اللجوء إلى القوات السلوقية فى قلعة عكرة حيث احتمى فيها، وربما يكون قد تسرّب هو ورجاله لاحقاً من القلعة، وربما انسلّ أحد رجاله فقط للحصول على المعونة بينما بقى منلاوس نفسه تحت الحصار، بينما استنجد رجال أورشليم بـ" الحارث الثاني" (أرتاس الثاني AretaV) ملك النبطيين (راجع التعليق على 1مكا 5: 25) والذى راح يطارد ياسون من بلد إلى آخر، فبدأ بمصر – إذ كانت مصر ملاذا طبيعياً لياسون المتمرد على المملكة السلوقية- ليغادرها بعد قليل متوجهاً إلى لكـديمـون (اسبرطة) حيث كان يظن أن هناك صلة قرابة تجمع ما بين اليهود والاسبرطيين (راجع التعليق على الرسالة الواردة في مكابيين أول 12: 6-21).
ويتضح لنا من الكتاب أن ياسون قد قضى أياماً سيئة فى نهاية حياته، وإذ لم يكن له من أصدقاء فقد عدم من يهتم به، فدارت عليه الدوائر، وعوض المجد الذى باع كل شئ من أجله، والكرامة التى سعى إليها بالسيف والغش، فقد كل شيء ومات مأسوفاً عليه بل أنه لم يجد من يكفنه ويدفنه يقول الكتاب عن يهورام ". . فمات بأمراض رديّة ولم يعمل له شعبه حريقة كحريقة آبائه. من وذهب غير مأسوف عليه ودفنوه فى مدينة داود ولكن ليس فى قبور الملوك" (أخ 21: 20) راجع أيضاً (1مل 13: 22 و إرميا 8: 2).

انطيوخس ينتقم من اليهود لتذمرهم
11فلما بلغت الملك هذه الأحداث، استنتج أن اليهود انتفضت عليه. فغادر مصر ثائراً كالنمر وأخذ المدينة عنوة. 12وأمر الجنود أن يقتلوا بغير رحمة كل من صادفوه ويذبحوا الذين يصعدون إلى بيوتهم. 13فكانت مجزرة الشبان والشيوخ، وإبادة النساء والأولاد، وذبح الفتيات والأطفال. 14فهلك ثمانون ألف نفس فى ثلاثة أيام، منهم أربعون ألفاً سقطوا فى المعركة، وبيع منهم عدد ليس بأقل من القتلى.



كان إدخال ياسون رئيس الكهنة للمؤسسات اليونانية (الأغرقة) على نحو هادئ مسالم، قد لاقى ترحيباً حذراً من اليهود لاسيّما وقد سرّهم أن يصبحوا أنطاكيين (لهم الامتيازات الأنطاكية) ولم يهاجم اليهود هذه المؤسسات فى البداية خاصةً وأنها كانت مراسيم الملك ذاته، ورغم أن التوراة نفسها قد أمرت بمحو شر عبادة الأوثان من الوسط (تثنية 13: 2 – 6 و 17: 2 – 7 ألخ) إلاّ أن الأنطاكيين لم يبدُ أنهم من عبدة الأوثان، وبالتالى فقد امتنع اليهود عن مهاجمة الأنطاكيين لئلا يكون فى ذلك تمرّد على الملك، الأمر الذى نهى الله عنه.
ولكن الأنطاكيين والذين نشأوا على الرشوة والمكائد (4: 7 – 9) انقسم اتباعهم المتهللنون إلى فريقين حول ياسون ومنلاوس، وقد اتهم ياسون بعبادة الأوثان (4: 18 – 20) مثلما أتهم منلاوس بالرشوة (4: 24 ،45) وبسرقة أموال الهيكل (4: 32) والتحريض على القتل (4: 33 – 34) ومحاولة القتل الجماعى التى قادها شقيقه ليسيماخوس (4: 39 – 42). ولابد أن الاعتداءات الوحشية التى قام بها الأنطاكيين قد جعلت اليهود المتدينين يكرهون كلا الفريقين، حتى إذا ما ترامت أنباء عن وفاة الملك بلا وريث ُكفء للعرش، يكون اليهود المتدينون أكثر ميلا للتصرف وفقاً لمعتقداتهم اللاهوتية والآخرواتية، ومن هنا فمن الجائز أن يكون اليهود المتدينون هم الذين طردوا قوات ياسون وحاصروا منلاوس ومؤيديه بالقلعة.
كان منلاوس قد شغل منصبه بمقتضى مرسوم صادر عن أنطيوخس الرابع، ومن هنا فربما يكون منلاوس قد احتج لدى الملك بأن هجوم المتدينين عليه يعتبر تمرد على الملك شخصياً، وفى الوقت ذاته ربما يكون الطوبيين وغيرهم من الأنطاكيين قد تقدموا باعتراض مماثل بشأن هجوم المتدينين عليهم.
هكذا حاول كِلا الفريقان استمالة الملك جهته، وربما يكون أنطيوخس قد اعترته الدهشة عندما رأى المتدينين اليهود يفتحون له الأبواب، ولكن الملك فى النهاية رأى أن معتقدات اليهود الدينية هى التى أحالتهم إلى متمردين، ومن ثم شرع فى معاقبة المدينة.
ولكن هل كان انقلاب ياسون هو السبب الرئيسي فى انسحاب أنطيوخس من مصر سنة 169 ق.م. ؟ أو أرجأت استكمال استيلائه على مصر؟ . على الرغم من أن قوة ياسون لم تتجاوز الألف رجل، فقد كان أنطيوخس على وشك الاستيلاء على كامل المملكة البطلمية، وكانت مصر فى ذلك الوقت أضعف من أن تقوم بطرد أنطيوخس نظراً لظروفها السياسية، والتى سبق شرحها فى مدخل هذا الاصحاح، وكذلك فى تفسيرنا لسفر المكابيين الأول.
ولكن أنطيوخس كان لديه فى مصر المهزومة الكثير من المخاوف إذا ما أخفق فى كبح ثورةً فى بلاده، ولم يترك هذه المهمة لأحد رجاله، وعلى الرغم من أن روما تدخلت فى العام التالى 168 ق.م. لإنهاء الحرب فى مصر وإرغام أنطيوخس على العودة، إلا أنها فى هذا العام 169 ق.م. كانت منشغلة بالحرب المقدونية، ولكن روما مع ذلك كانت تستغل مثل ثورة ياسون، للتدخل فى كبح جماح أنطيوخس وذلك من خلال اطلاق سراح ديمتريوس وريث العرش والمسجون هناك آنذاك. وفيما بعد فى عام 165 ق.م. قبل أنطيوخس مخاطرة القيام بحملة بعيدة تاركاً خلفه أحد نوابه لإخماد ثورة فى اليهودية (1مكا 3: 27 – 37) إلاّ أن حملته فى ذلك الوقت لم تمثل تهديداً للمصالح الرومانية، وضعفت الإمبراطورية البطلمية ذاتها بفعل الصراع على السلطة.(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175648&posted=1#_ftn3)
من هنا يتضح أن انقلاب ياسون ربما كان السبب المباشر الوحيد لانسحاب أنطيوخس من مصر عام 169 ق.م.
وقد اعتبر أنطيوخس ثورة ياسون على منلاوس عصيان عليه هو وعلى سلطته، كما نظر إلى ما حدث أثناء وجوده فى مصر بمثابة تمرد وعصيان، وبعد إذلاله فى مصر على يد الوفد الرومانى ـ كما سبق القول ـ لم يكن فى حالة تسمح له بتحمّل مثل هذا التمرد، وهكذا كان لهذا العامل السياسي دوراً إضافياً وراء اضطهاده لليهود بهذه الوحشية، وإن كان كل من الواقع العقيدي والسياسي وثيقي الصلة أحدهما بالآخر، حيث شعر بأن هؤلاء القوم لا ُيؤمن جانبهم، فبينما هتفوا بحياته فى أورشليم فى الأصحاح السابق (آية 22) ها هم قد شمتوا به عند عودته من مصر مهيض الجناح.
وراح يبطش بسكان المدينة، وقد يبدو للوهلة الأولى أن عدد الذين قتلهم وكذلك الذين سباهم، كبيراً جداً، وكان سكان أورشليم فى ذلك الوقت يقارب عددهم مئتين وخمسون ألفاً، ولم يكن الذين ُقتلوا هم من الجنود المدرّبون وإنما أكثرهم من عامة الشعب، حيث لم يفرق رجال أنطيوخس بين رجل وامرأة وطفل وشيخ. وكان من شأن ذلك إيقاع الرعب فى قلوب سكان المدينة أجمع، وبينما قتل أربعون ألفاً فقد سبى عدد مماثل لهم(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175648&posted=1#_ftn4).
ولقد كان ذلك عتاباً من الله لشعبه إلى حين بسبب خطاياهم (آية 17) ولكنه سريعاً ما يصفح عنهم إن هم تذللوا قدامه ورجعوا عن طرقهم الرديئة. أمّا عن عدم ذكر الأسرى في (1مكا 20-28) فالسبب فيه يرجع إلى التركيز على الحادث المروّع وهو سلب مقتنيات الهيكل، ويؤكد ما ورد في كتاب "وصية موسى 6: 8" شهادة شهود معاصرون.
وقد تعامل أنطيوخس مع اليهود الذين أحبطوا محاولة ياسون، باعتبارهم متمرّدين (دانيال 7: 21، 25) وهكذا يبدو لنا وكأنّ الله يستخدم سلوك أنطيوخس كقضيب غضب على اسرائيل العاصية، انظر (4: 15-17 و5: 11، 17-20) وطبقاً لما رآه دانيال فقد كانت أفعال أنطيوخس جزءا من سلسلة طويلة من المجازاة الإلهية لاسرائيل، بسبب خطايا اقُترفت على مدار قرون سابقة. ولكن دانيال مع ذلك يشير إلى ضحايا أنطيوخس باعتبارهم " قديسين" ، ويضيف في (11: 28)أن هدف أنطيوخس كان "العهد المقدس" أي الموضع المقدس(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175648&posted=1#_ftn5).




(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175648&posted=1#_ftnref1) موسوعة مصر القديمة / سليم حسن / ج 16 ص 214 ـ 243 .
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175648&posted=1#_ftnref2) يقول يوسيفوس أن أكثر اليهود الذين في المدينة قد تعاونوا مع ياسون، ويذلك تكون قوته الصغيرة قد حصلت على عون من داخل المدينة، انظر: Jonthan A.Goldsten, II Macc.
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175648&posted=1#_ftnref3) ظن بورفيرى Porphyry أن المقصود فى نبوة دانيال 11: 44 أن أنطيوخس سمع بأخبار حروب قد شنت عليه من الشمال والشرق، وأنه سوف يعود ويستولى على "أرادوس" ويخرب الإقليم كله بمحاذاة ساحل فينيقية، ولكن ق. جيروم ينفى ذلك فى تفسيره لسفر دانيال، وربما حشد أنطيوخس قواته عبر فينيقية تحسباً لأى تمرد،وربما فسرّ بورفيرى هذا الاستعراض العسكرى المخيف على ضوء (دانيال 11 : 44) أنظر: Jonthan A.Goldsten, II Macc.
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175648&posted=1#_ftnref4) في حوالي سنة 300ق.م. كان هيكتايوس من أبديرا Hectaeus of Abdera قد قدّر عدد سكان أورشليم يحوالي 120 ألف نسمة، غير أن ذلك لم يكن سوى تقدير جزافي، إذ أن اليهود بطبيعتهم يخشون التعداد لئلاّ يجلبوا غضب الله (صموئيل ثان 24: -21 و أخبار الأيام أول 21: 1-22).
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175648&posted=1#_ftnref5) يرد في سفر اليوبيلات (كتاب أبوكريفي) إلى أن الأتقياء في أورشليم قد دخلوا في مقاومة مسلحة ضد الأشرار، كما يشير الكتاب إلى كيفية نهب أنطيوخس لأورشليم وانزال العقاب بالأتقياء (يوبيلات 23: 19-23).

st-athanasios
02-21-2009, 04:13 PM
نهب الهيكل
15 ولم يكتف بذلك، بل أجترأ على دخول المقدس الذى هو أقدس مكان فى الأرض كلها، وكان دليله منلاوس الخائن للشريعة والوطن. 16 وأخذ الآنية المقدسة بيديه القذرتين، وقبض بيديه الدنستين على ما أهداه ملوك آخرون لتحسين المكان المقدس ولمجده وكرامته. 17فتشامخ أنطيوخس فى نفسه، ولم يفطن إلى أن السيد غضب إلى حين بسبب خطايا سكان المدينة. ولذلك أهمل هذا المكان المقدس. 18ولولا أنهم أنهمكوا بخطايا كثيرة، لجلد هو أيضاً حال دخوله وردع عن جسارته، كما جرى لهليودورس الذى بعثه سلوقس الملك لافتقاد الخزانة. 19ولكن الرب لم يختر الأمة لأجل المكان المقدس، بل المكان المقدس لأجل الأمة. 20 ولذلك، فبعد أن اشترك المكان المقدس فى مصائب الأمة، عاد فاشترك فى النعم، وبعدما خُذِلَ عند غضب القدير، أعيد إلى كامل مجده، عند تصالحه مع السيد العظيم. 21وحمل أنطيوخس من الهيكل ألفاً وثمانى مئة قنطار وبادر إلى العودة إلى أنطاكية، وقد خيلت إليه كبرياؤه وتشامخ نفسه أنه يُسَيَّرُ السفن فى البر ويقطع البحر بالقدم. 22وترك مشرفين يسيئون إلى الأمة، منهم فيلبس فى أورشليم، وهو فريجى الأصل، وكان أشرس أخلاقاً من الذى ولاه، 23 وأندرونكس فى جرزيم، وأيضاً منلاوس الذى كان يفوق كليهما شراً لأبناء وطنه. وكان الملك يضمر لليهود أبناء وطنه عداء متأصلاً.



كان محظوراً على الوثنيين دخول الفناء الداخلي للهيكل، ومع ذلك فقد تنكّر رئيس الكهنة نفسه للشريعة ومكّن أنطيوخس من ذلك، وكان ما يزال يتحرّق شوقاً إلى الاستيلاء على كنوز الهيكل والتى سمع عنها (3: 7 و 4: 8 وما يليها ، 27) فقد فشل هليودورس رئيس وزراء سلوقس الرابع الملك السابق من قبل فى نقل تلك الكنوز إلى خزينة المملكة، وانتهزها أنطيوخس فرصة إذ لم يمسّه سوء بقتله مثل هذا العدد الضخم من اليهود، وهكذا واصل الانتقام فى اتجاه آخر، ليحمل المزيد من خزائن الهيكل والتى كان ياسون ومنلاوس قد سرقا منها الكثير.
وحمل الأوانى المقدسة وهى أوانى الخدمة فى الهيكل مثل الكئووس والأطباق والطاسات والمجامر وجميعها مصنوع من الذهب، مثلما فعل من قبل نبوخذ نصر ملك بابل ".. وأخرج من هناك جميع آنية هكيل الرب وخزائن بيت الملك وكسر كلّ آنية الذهب التي عملها سليمان ملك اسرائيل في هيكل الرب كما تكلم الرب" (2مل 42 : 13). وكانت ضيقة عظيمة فى البلاد.
ويعلّل الكتاب ذلك بأن الله لم ينصر أنطيوخس على اليهود، وإنما هُزم بسبب خطاياهم، وأن ذلك سيكون إلى حين، وكان يتوجّب على أنطيوخس إدراك ذلك، فإنه لن ينجح على مدار الزمن فى إذلالهم بل سريعاً ما يعودون إلى الرب مقدمين التوبة، وحينئذ يقتصّ لهم منه معيداً إليهم مجدهم.
فإنه هكذا سلك الله مع شعبه منذ القديم، فقد كانوا يُسلمون إلى أيدي الأمم لتأديبهم، فما أن ينسحقوا قدامه حتى يرثي لهم ويدحر عنهم الأعداء، وأما السبب فى أن أنطيوخس لم يتلقّ نفس عقاب هليودورس، فهو أن اليهود كانوا قد طلبوا جميعاً من الله وبروح واحد مع الصلاة والصوم والاتشاح بالمسوح، لكى يفتقدهم وينقذهم من هليودورس، ففعل، غير أنه لا أثر لمثل ذلك المسلك فى حالة أنطيوخس، ومع كل ذلك فلا مانع من أن يؤدّب الله الأبرار، إذ أن التجارب لا تأتى بالضرورة نتيجة شرور الإنسان.
المكان المقدس لأجل الأمة وليس الأمة لأجل المكان:

من أروع التعبيرات التى وردت فى السفرين، حيث تؤكد تكريس الله للطبيعة والخليقة بل والخدمة والمسكن المقدس لأجل الإنسان، بل الله ذاته نزل من أجل الإنسان ومات أيضاً لأجله، هكذا استخدم الله ما جرى للموضع المقدس لخير الأمة، وكان نهب الهيكل من أجل ضعفهم، ثم تمجّد من جديد عندما رجعوا إلى الله، فجاء تطهير الهيكل والاحتفال بتدشينه، إن الله يعنيه الشعب أكثر من المكان الذى يعبدونه فيه، لقد عبدوه من قبل فى العراء . . ثم فى الخيمة ثم فى الهيكل فى عهد سليمان، كذلك عبدوه فى المخادع وشقوق الجبال وفى المجامع حيث تشتتوا فى شتى البلاد. ُانظر: (أخبار الأيام ثان 7: 12-22 وإرميا 7: 3-15 وزكريا 1: 12-17 و2: 14-16 ودانيال 9: 16-19).
وفى السنين التى تلت ذلك صرّح الربيين بأن السبت إنّما ُجعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت، وهو ما ورد على فم الرب ذاته ليؤكد هذه الحقيقة: " ثم قال لهم السبت إنما ُجعل لأجل الإنسان لا الإنسان لأجل السبت إذ أن ابن الإنسان هو رب السبت أيضاً " (مرقس 2: 27 ،28) وهكذا جاء هذا التأكيد على تفضيل وأولوية الشعب على المؤسسة تمهيداً للإنجيل والعهد الجديد حيث علاقة شخصية بال،له وفى اللاهوت القبطى يأتى التعريف الحقيقى للكنيسة: " الكنيسة هى جماعة المؤمنين، المجتمعة فى بيت الله المُدشّن، برعاية الإكليروس، حول الجسد والدم). راجع أيضاً (1أخ 17 : 9 و إرميا 7 : 14 ).
وهذا ويبلغ مقدار ما حمله أنطيوخس معه من الهيكل، ما يقارب 59 مليون جنيه (1800 قنطار فضة × 26.25 كجم × 1.25 جنيه) ويوحي هذا المبلغ الكبير بأن أنطيوخس قد استولى أيضا على الودائع الشخصية، وكذلك أواني الهيكل وكنوزه، انظر: (1مكا 1: 21-24). هذا وقد اعترض الموالون للهيكل الثاني باعتباره موضع الله الُمختار، على أن عملية السلب ُتؤكّد ـ بحسب رأيهم ـ أن الله ما يزال رافضاً إياه.
كان لدى أنطيوخس مبرر قوي للاسرع بالعودة إلى أنطاكية " بادر بالعودة.. آية 21 " وذلك لمواجهة أية تحرّكات محتملة يقوم بها مناصرو عائلة سلوقس الرابع، وقد رأى البعض في ذلك تحقيقاً لنبوة إشعياء عن ملك أشور الذي يأتي مثل طوفان على اليهودية ثمّ يفيض ويمضي.
بداية الاضطهاد السلوقى لليهود

أعادت هذه الهجمة الشرسة لأنطيوخس على اليهود، بعض الثقة التى فقدها عند حدود مصر عندما أجبره الرومان على التخلى عن مصر، لاسيما وأنه لم يلق من اليهود مقاومة تذكر، ومن ثم فقد فكر فى توحيد أجزاء مملكته لغةً وعقيدةً، وذلك من خلال فرض الحضارة الهيلينية.
ورغم ما فى (الآية 21) من بلاغة فى التعبير المجازي والذي يعكس تشامخ وكبرياء قلب أنطيوخس، إلاّ أن ذلك قد حدث مراراً، فقد قام الإسكندر الأكبر بإقامة جسر يربط ما بين اليابسة وصور والتى كانت جزيرة فى ذلك الوقت، ذلك عن طريق ردم هذا الممر فى البحر، حيث استطاع محاصرتها وفتحها فى النهاية، كما حدث فى حروب أخرى أن اضطر الفاتحين إلى تسيير السفن على اليابسة، من خلال قضبان ُتوضع على الأرض ثم ُتسكب فوقها الشحوم لتنزلق السفن من فوقها، وذلك عندما ُيراد نقل السفن من مجرى مائي إلى آخر مباشرة دون الحاجة إلى الدوران طويلاً عن طريق البحار والأنهار وقد حدث مثل ذلك أيام الفراعنة، ثم نقرأ عن مثل ذلك فى أحداث فتح القسطنطينية من قِبل الأتراك فى القرن الرابع عشر.
أما فيلبس المذكور هنا فهو الذى حلّ محلّ سَتستراتس قريتس (4: 29 ) كحاكم لأورشليم. وهو فريجى الأصل، وعلى الرغم من أن " فريجية " لم تكن خاضعة فى ذلك الوقت للملكة السلوقية، إلاّ أن القادة كانوا يجلبون منها الجنود المرتزقة، وربما كان فيلبس هذا محارباً من عهد أنطيوخس الثالث. وهو الذي اضطهد اليهود بوحشية (6: 11) وهو بالتالي ليس "فيلبس صديق الملك" المذكور فى (9: 29 و 1مكا 6: 4) وكان يمكن لقواته أن تقوم بغزوات في القرى أثناء عمليات الاضطهاد. وقد قام فيلبس هذا بمهاجمة أولئك الذين احتموا بالمغائر فى الجبال حيث قام بإحراقهم وربما بسبب فعلته هذه وصف فى (الآية 22) بأنه أكثر شراسة من أنطيوخس ذاته.
وأماّ أندرونيكس: فهو شخص آخر خلاف الوارد فى (4 : 31 وما بعدها) وكان يقيم فى جرزيم التابعة للسامرة، حيث كان السامريون مضطهدون ومظلومون، راجع (يوحنا4: 20) وقد تم فى وقت لاحق تحويل الهيكل السامري فى جرزيم إلى معبد للإله "زيوس المضياف". وُيلاحظ هنا أن اليهود يغضون الطرف عن لخلافات العقائدية فيما بينهم وبين السامريين، وكذلك بشأن هيكل جرزيم غير القانوني، طالما أن لكلٍ من الشعبين عدو واحد.
وكان كل من فيلبس وأندرونيكس برتبة ممثل للملك، وقد تركهما فى اليهودية لضمان خضوع اليهود، ولمراقبة تحركاتهم، حيث كان دليلهم فى ذلك منلاوس، والذى يتحمّل الوزر الأكبر فى تلك المؤامرة.
وفى (الآية 23) دُعى اليهود أبناء وطن أبيفانيوس، بمعنى أنهم من ضمن رعاياه ومسئولون منه، شأنهم فى ذلك شأن جميع الأجناس وأصحاب المعتقدات الأخرى الواقعة فى دائرة مملكته، غير أنه خصّهم بكراهية شديدة واضطهاد، وهذا بعكس ما قيل من أنه أضطهد الذين فى أورشليم فقط دون يهود الشتات.
فى جرزيم : ذكر اسم جرزيم للدلالة على السامرة، والمقصود ضمنا هو هيكل السامرة، ولم يذكر الوحي المقدس هنا كلمة هيكل لأسباب دينية، إذ لا يعتبر هذا البناء هيكل في نظر الله أو في نظر مؤمنيه، وطبقا ليوسيفوس: تنكر السامريون لدينهم وقرروا أنهم لا صلة لهم باليهود، وقد فعلوا ذلك ليتخلصوا من العقوبات المقررة من قبل أنطيوخس.

أبولونيوس يهاجم أورشليم
24 فأرسل أبلونيوس، قائد المرتزقة، فى اثنين وعشرين ألف جندى، وأمره أن يذبح كل بالغ منهم، ويبيع النساء والأولاد. 25فلما وصل إلى أورشليم، أظهر السلام وانتظر إلى يوم السبت المقدس، حتى إذا استراح اليهود، أمر مرؤوسيه بعرض تحية. 26وذبح جميع الذين خرجوا لمشاهدة العرض، ثم اقتحم المدينة بالسلاح وأهلك خلقاً كثيراً. 27 وكان يهوذا المكابى قد أنصرف إلى البرية مع عشرة رجال آخرين، وكان يعيش مع أصحابه فى الجبال عيشة الوحوش ولا يأكلون إلا العشب، لئلا يصابوا بنجاسة.



أبولونيوس قائد المرتزقة (آية 24):
أبولونيوس هذا هو المذكور فى (1مكا 1: 29-37) وفى ترجمات أخرى مثل الفولجاتا جاء اسمه مقروناً بلقب الرئيس أو " الميسي Musaschen " حيث يقصد به قائد الجنود الميسيين نسبة إلى "ميسية". وفي الترجمة المعتمدة الكاثوليكية الحرفية: (الرئيس البغيض) وجاءت في اليونانية: (musarchV) وهي كلمة لا يوجد لها مثيل، والكلمة في النص العبري الأصلي (موسيم) ويقول البعض أنها من الفعل (نِسّيه) وقد أقر هذا الرأي علماء كثيرين(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175650&posted=1#_ftn1). وهذه الكلمة العبرية تعني (المكروهين = البغضاء )، وجاءت في نسخ السفر الآرامية ( روش دِه كولهون طِمآ = رئيس الكارهين، رئيس الحاقدين)، والكلمة اليونانية (musia) = ( بغضة )، ويقول البعض أن الكلمة العبرية موسيم ما هي إلا عبرنة للكلمة اليونانية ميسيا وهي المدينة التي كانت موطنه الأصلي. كما أن نفس الكلمة العبرية (موسيم) تعني (جزية) وهنا يمكننا القول أنه كان رئيس الجزية أو الشخص المكلف بجمع الجزية للملك.
هذا وتقع ميسية في منطقة الأناضول بجوار بحر مرمرة فى شمال غرب آسية الصغرى، ويذكر "بوليبيوس المؤرخ" أنه كانت هناك فرقة من الميسيين فى الجيش السلوقى، ويصف موكباً فى أنطاكية بعد تلك الأحداث بسنوات قليلة، اشترك فيه خمسة آلاف جندي من الميسيين. وكانت ميسية في ذلك الوقت تابعة لمملكة برغامس، وهي التي كانت ما تزال مفتوحة أمام التجنيد السلوقي.

أرسل أنطيوخس أبولونيوس هذا بعد سنتين ليتابع استمرار سياساته فى اليهودية، وربما كانت تعليمات الملك له: اخضاع أى تمرّد هناك، حيث مال هو إلى الخداع عندما أظهر المسالمة للبلاد والسكّان إلى أن جاء يوم السبت.

عـرض تحيـة: والمقصود بها العرض العسكرى dress parade فما أن بدأ ذلك العرض، حتى خرج الكثير من اليهود فى ذلك اليوم وهو الإجازة الأسبوعية لمشاهدته، ومع أن ذلك اليوم كان سبتاً إلاً أن وهي ألفي ذراع من المدينة، ولذلك فقد خرجوا لمشاهدة التشكيلات العرض العسكري كان يقع في حدود المسافة التي يمكن التحرّك فيها في السبت العسكرية، وربما تخلّل العرض أيضاً بعض الألعاب المثيرة والمباريات، وعند ذلك غدر بهم جنود أبولونيوس ثم اقتحموا المدينة المقدسة. وبعد ذلك أقام أبولونيوس القلعة السلوقية فى أورشليم، قلعة عكره (أكرا) والتى ظلت تمثل شوكة فى ظهر اليهود، وكان وجودها بداية الاحتلال الرسمى لأورشليم إلى أن اقتحمها سمعان المكابى منهياً بذلك الوجود السلوقى فى البلاد (1مكا13: 49-52).

الهروب إلى البرية وبداية الثورة المكابية:
يجمع الكتاب هنا (في الآية 27) الأحداث التى وردت في
(1مكا 1: 53 و 2 : 28) حيث يرد أن تلك الاضطهادات هى التى دفعت بالغيورين إلى هجر المدن والالتجاء إلى الجبال، بدءا بـ"متتيا وأولاده" وهم يهوذا والرجال التسعة الذين بصحبته، كالنواة الأولى للثورة المكابية، أولئك الذين آمنوا بالقضية وحتمية البحث عن مخرج، فحملوا النير بشجاعة ورجولة نادرة، وهكذا كانت البداية روحية وقوية، إذ يعبر امتناعهم عن كل نجس، رغبتهم فى العمل بالناموس (14: 7 و لاويين 11). وربما كان المقصود بالنجاسة هنا هو انتشار الجثث التي خلّفها الثمضطهد، راجع (لاويين 21:1-3) أو تنجيس المقدس بحلول أولئك الأعداء فيه، حسبما ورد في نبوة دانيال (11:31) عن الأزرع التي ستقوم من خلال ملك الشمال وتنجّس المقدس.
أمّا المقصود بحياة الوحوش فهو الحياة وسط الأخطار في عدم وجود مأوى أو طعام ثابت وثياب، وهو الأمر الذى أشار إليه القديس بولس فى مدحه للمكابيين فى رسالته إلى العبرانيين: ".. وهم لم يكن العالم مستحقاً لهم. تائهين فى برارى وجبال ومغاير وشقوق الأرض . . فهؤلاء كلهم مشهوداً لهم بالإيمان لم ينالوا الموعد إذ سبق الله فنظر لنا شيئاً أفضل لكلى لا يكملوا بدوننا " (عبرانيين 11: 28 ،29).




(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175650&posted=1#_ftnref1) انظر: kritik d. beiden Makk 29

st-athanasios
02-21-2009, 04:15 PM
الأصحاح السادس

الأضطهاد الدينى وبكور شهداء المكابين
فى هذا الأصحاح يظهر بوضوح الضغط الوثنى العقيدى، وهو سلاح استخدام جنبا إلى جنب مع السيف والقتل والسرقة ، وكان أشبه بما يسمى الآن الاستعمار الثقافى أو العقيدى، فبينما كان أبولونيوس فى أورشليم يقيم القلعة السلوقية ، كان هناك داعية دينى وثنى يعمل على محو آخر.

تحويل هيكل أورشليم والسامرة معبدين لزيوس
1 وبعد ذلك بقليل، أرسل الملك جيرون الأثينى ليُكره اليهود على الارتداد عن شريعة آبائهم ولا يتبعوا شرائع الله، 2 وليُدنس هيكل أورشليم ويجعله على اسم زوس الأولمبى، ويجعل هيكل جرزيم على اسم زوس زوس المضياف، وفقاً لما كان يطلبه أهل المكان. 3 وكان تفشى هذا الشر شاقاً وثقيلاً حتى على الجماهير.




جيـرون الأثينـى: تعنى كلمة Geron فى اليونانية "شيخ" وبالتالى فهو ليس اسم علم بل صفة (gerousia) ونقرأ فى الكتابات النسكية عن "الشيخ المزيفpseudo- geron " وهكذا يقرأ التعبير فى (الآية 1): "شيخاً أثينيا" وإذا اعتبرنا كلمة جيرون لقباً فإن اثيني هى لقب أيضاً ( (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175651&posted=1#_ftn1)1) .
وقد أرسل أنطيوخس أبيفانيوس جيرون هذا ليقوم بالدعاية الدينية والاشراف على تحويل العبادة إلى الطقوس الوثنية، وهو شخصية دينية مثل مرشد ديني، ُارسل إلى اليهودية "كمبشر" بالوثنية. وكان من الطبيعي أن يستخدم أنطيوخس خبيراً أثينياَ للإشراف على عملية "إصلاح ديني" فى أورشليم! لا سيّما وقد تمتّع هو بضيافة أثينا له خلال الفترة ما بين إطلاق سراحه من روما حتى استيلائه على العرش، كما كانت لأثينا فى المقابل مكانة عظيمة كمركز للثقافة والتعليم اليونانيَيْن، كما كانت مركزاً للدراسات الدينية المقارنة( (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175651&posted=1#_ftn2)1)، ونعلم أنه عندما أراد بطليموس الأول إعادة إحياء عبادة سيرابيس ٍSerapis فى مصر استعان بخبير من أثينا هو تيموثاوس "المفسر الدينى"( (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175651&posted=1#_ftn3)2).

الإله زوس ( زيوس Zeus): وهو "زفس" رب الأرباب فى الأساطير اليونانية، يقابله "جوبيتر" عند الرومان وُتسمّى أمه "ريا" وأبوه "كرونوس"، أخفته أمه فى كهف بعد ولادته خوفاً من أبيه الذى ابتلع خمسة من قبله، وهناك فى الكهف قامت الحوريات على تربيته، فلما كبر حارب أبوه فهزمه، واشتهر بمغامراته الكثيرة، وكان يتخفّى فى شكل ثور أو وقواق.
ويعد تمثال زيوس فى هيكلة الضخم بأولمبيا احدى عجائب الدنيا، نحته المثّال اليونانى "مندياس" سنة 430 ق. م. بارتفاع 12 متراً وكساه بالذهب والعاج، وكانت هيئته متربعاً على عرش من خشب الأرز المرصّع بالعاج والأبنوس والذهب.
وفى العهد الجديد عندما شفى القديس بولس الرجل المقعد فى لسترة، ظن السكان أن بولس هو الإله "هرمس" بينما برنابا هو الإله "زيوس" ومن ثم شرعا فى تقديم الذبائح لهما ولكنهما منعاهم وبشّراهم بكلمة الله. هذا وكانت عبادة زيوس منتشرة فى روما حيث كان ُيعبد فوق كل قمة جبل.

زيوس الأولمبى Zeus Olympios : ُسمي هيكل أورشليم بهذا الاسم، نسبة إلى الألعاب الأوليمبية التى كانت ُتقام بالقرب من المكان، كما كانت المؤسسة الرياضية اليونانية ملاصقة للهيكل ذاته (4: 12). والمعنى الحرفى لـ أولمبيوس Olympios هو "الذى من أولمبوس Olympus " ووضع هذا الإله فوق جبل يوناني يجعله متميزاً على الإله الساكن فى جبل صهيون.

زيوس المضياف (Zeus, patron of strangers) Zeus Xenios:
وأما فى جرزيم حيث كان الهيكل الذى بناه سنبلط مع حميه منسّى على جبل عيبال هناك، فقد دعى هكذا، أولاً لرغبة السامريين فى عدم الاشتراك مع اليهود الأورشليميين فى عبادة واحدة، ومن جهة أخرى لكون الذين هناك هم فى معظمهم غرباء أتى بهم الأشوريين عند سبى السامريين (2 مل 17 : 24-41) وكان المعروف آنئذ أن "زيوس المضياف" هو مؤوي الغرباء والأجانب. من جهة أخرى يفيد يوسيفوس بأن السامريين كانوا قد تقدّموا بالتماس إلى أنطيوخس أبيفانيوس لاعفائهم من الاضطهاد وبطلب تغيير اسم هيكلهم، مبررين ذلك بعدم اشتراكهم مع يهود أورشليم فى عبادة واحدة (1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175651&posted=1#_ftn4) ولذلك فقد نظر السفر إلى "الذين تركوا العهد المقدس" الوارد ذكرهم فى (دانيال 11: 32) على أنهم السامريين، ولكن السامريين فى اختيارهم لـ "Zeus Xenios " كانوا يرون فيه إحدى صفات إله إسرائيل، وهي الاهتمام بالغرباء (تثنية 10 : 18) قارن مع (مزمور 146 : 9) كما يروى تفسير سامرى قديم للتوراه أن إبراهيم أب الأباء قد ُأحسنت ضيافته فى جبل جرزيم(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175651&posted=1#_ftn5).
هذا وقد جاء تعبير "هيكل جرزيم" في الأصل العبري للسفر ( أَشِر بَجرزيم = الذي في جرزيم ) دون ذكر كلمة الهيكل، لأنه في نظر اليهود ليس هيكلا. وكما يقول يوسيفوس- في رسالة له- أن السامريون راسلوا أنطيوخس بأنه لا صلة لهم أو علاقة باليهود، وطلبوا منه الإذن بتسمية هيكلهم بـ زيوس المضياف.

وقد أثار هذا الزحف العقيدى جميع طبقات السكان فى أورشليم، فقد يُهدم الهيكل ويعودوا فيبنونه من جديد وربما على نحو أفضل كما حدث بعد العودة من السبى مع الهيكل الثانى، ولكن أن يتنجَس فقد كان فى ذلك إهانة ثقيلة. حيث اتفق أنطيوخس مع الداعية الدينى الأثينى على نشر الفكر الهيلينى والذى يقلل من شأن الهيكل والعقيدة اليهودية باعتبارها وثنية ! ! تُغضب الآله الإغريقى.

المآدب والطقوس الوثنيه


4 وكان الوثنيون يملأون الهيكل عهراً وقصوقاً، ويلهون مع الخليلات ويضاجعون النساء فى الدور المقدسة ويُدخِلون إليها ما لا يحل. 5 وكان المذبح مملوءاً بالمحرمات التى نهت الشرائع عنها. 6 ولم يكن لأحد أن يُعيد السبت ولا يرعى أعياد الآباء ولا يعترف بأنه يهودى الأصل.



الطقوس الماجنة فى المعابد الوثنية

إنتشر البغاء والفجور فى المعابد الوثنية القديمة، حيث ُخصّصت أروقة فى كل معبد لتلك الطقوس الُمخزية، كما كان هناك ما يسمّى بالكاهنات المكرسات واللائى ُخصّصن لمثل ذلك، وقد صوّر القدماء آلهتهم التى عبدوها فى أشكال مخجلة موهمين الشعب بأن مثل تلك الطقوس مما يرضى الآلهة، وهكذا أغرقوا رعاياهم فى مستنقع ردئ، هذا وتعدّ الكتابات التى تعرض لمثل تلك الفلسفة والتى تدور حول الخصوبة فى نتاج الأرض وجلب الخير وعلاقة ذلك بالجنس فى المعابد: مما يثير التقزّز ويبعث على الغثيان، ومهما حاول المدافعون سواء القدماء من الفلاسفة والملوك، أو المحدثين من المحللين تبرير ذلك المسلك المشين، فإنه ولا شك قد جاءت تلك الممارسات كتجسيد وتصوير لنتائج الخطية البشعة فى أزمنة العهد القديم.
وكان فى معابد زيوس وافروديت وعشتاروت ولا سيما معبد ديونيسيوس، مثل أولئك الكاهنات المكرسات (أو عذارى المعبد) حيث كان يخصّص الدخل من تلك الممارسات لخزينة الهيكل، وربما كان ذلك باحتيال من كهنة تلك المعابد على الشعب، للحصول على المال لتمويل مشاريع المعبد وضمان مخصّصات خدامه.
هذا وقد استمرت مثل تلك المظاهر حتى زمن العهد الجديد، حيث وقفت لها المسيحية بالمرصاد حتى تراجعت قدامها، ويقال أن قسطنطين الملك هو الذى ألغى جميع أشكالها فى القرن الرابع، ثمّ عادت للظهور بشكل مغاير خلال العصور الوسطى تحت ما يسمى بعبادة الشيطان، غير أن محاكم التفتيش التى أقامتها الكنيسة الكاثوليكية قاومتها بصرامة وصلت إلى حد الإعدام حرقاً لمن تثبت عليهن تهمة هذه الممارسات (1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175651&posted=1#_ftn6) .
وفى المعابد القديمة خصصت المرافق لاقامة تلك الطقوس بما يصاحبها من مآدب طقسية يتخللها الخمر والموسيقى الخليعة، وهو ما فعله رجال الدين السلوقيين بهيكل أورشليم، يقول ديودورس المؤرخ أن الكهنة الوثنيين قاموا بذبح خنزير على مذبح المحرقة، وأرغموا اليهود على المشاركة فيه والأكل منه(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175651&posted=1#_ftn7). كما جلبوا الكثير من الرعايا اليونانيين ليمارسوا هذا النوع من الطقوس المشينة، بل أنهم اجتذبوا الكثير من الشبان اليهود إلى تلك الهوّة، لا سيّما المثقفين وطبقة الأرستقراطيين.
وكان هناك عقاب شديد ينتظر كل من حاول الاحتفال بالسبت، سواء داخل الهيكل أو خارجه، وبالتالي الاحتفال بأيّ من الأعياد، وعليه فلم يكن هناك من يستطيع الاعتراف بالإيمان بـ "يهوه". ومن المرجّح أن الهيكل فى أورشليم قد ُاغلق فى وجه اليهود، حيث قام عليه مندوبون عن الملك بقيادة ذلك الشيخ الأثيني (آية 1) ولم يُسمح بالدخول إليه إلاّ لمن يرغب فى الاشتراك فى المآدب الوثنية وطقوسها.
وهكذا تحول المكان الذى ملأه مجد الله يوم تدشينه فى عهد سليمان إلى موضع للدعارة والعبادات الوثنية، ولنتصوّر كيف كان حال اليهود الغيورين فى ذلك الزمان، حين كانوا يرون ويسمعون مثل هذه الطقوس لا شك أنهم كانوا يتعذبون مثل لوط البار الذى قيل عنه "إذ كان البار بالنظر والسمع وهو سـاكن بينهم يعذبون يوماً فيوماً نفسه البارة بالأفعال الأثيمة" (بطرس الثانية 2: 8)
و لعله إلى ذلك أشارالقديس بولس فى رسالته الى أهل غلاطية حيث يذكر العديد من أشكال الخطية والانحراف، فإنه بالرغم مما يبدو أنه مرادفات للتعبيرات إلاّ أن كل منها يختلف عن الآخر من حيث مدلوله، وبينما كان ُقرّاءه فى ذلك الوقت يدركون الفروق بين كل معنى وآخر جيداَ بسبب انتشار مثل تلك الموبقات، فان الكتاب و الشراح الجدد ينأون بأنفسهم عن الخوض فى شرح تفاصيل ذلك، مكتفين بأنها أشكال مختلفة للرذيلة والاستهانة بلطف الله وطول أناتة. ".. وأعمال الجسد ظاهرة التى هى زنى عهارة نجاسة دعارة عبادة الأوثان سحر عداوة خصام غيرة سخط تحزّب شقاق بدعة حسد قتل بطر، و أمثال هذة التى أسبق فأقول لكم عنها كما سبقت فقلت أيضاً إن الذين يفعلون مثل هذة لا يرثون ملكوت الله " (غلاطية 5: 19-21).

هذا وقد تصدّت الكنيسة لبدع تنادي بجواز مثل تلك الانحرافات، فقد اشار القديس اكليمندس السكندري إلى ذلك في كتاب "المتفرقات" مبكّتا تلاميذ كربوكراتس Carpocrates و أبيفانيوس Epiphanes بسبب أفكارهم وتعاليمهم المنحرفة . ويقول القديس كليمندس: كيف يمكن لمثل هذا الرجل أن يحسب كواحد منا ؟ بينما بكل هذه الأقوال يقضي على الناموس والإنجيل؟ لأن أحدهما يقول: " لا تزن " (خروج 20: 14) والآخر يقول : " إن كل من نظر إلى إمرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه " (متى 5: 28) إن قانون كربوكراتس القاضي بجواز الفسق الجماعي، لا يمكن أن يسمى أمرا إلهيا بل أعتقد أن هذا القانون الذي سنه كربوكراتس هو لشهوات الكلاب والخنازير والماعز( (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175651&posted=1#_ftn8)1).




(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175651&posted=1#_ftnref1) ومن المعروف أنه كان فى أفسس ثم فى أثينا فى وقت لاحق، جماعة ُعرفت باسم الجيروسيا المقدسة Gerousia كانت مهمتها الإشراف على حسن سير الاحتفالات الدينية وصنع التماثيل، ومن هنا كان من الطبيعى أن يلقب عضو جماعة الجيروسيا بالـ جيرون، وفى العصر الهيلينى كان النظير لمجلس الشيوخ اليهودى جيروسيا فى أثينا هو مجلس الـ أريوباغوس areopagus والذى كانت له السلطة القضائية على الديانات الأجنبية.

(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175651&posted=1#_ftnref2) ويقول يوسيفوس في (الآثار اليهودية - كتاب 12 / فصل 5 : 4 ) ان هذا الشيخ الأثيني كان هو فيلبس المذكور في (2مكا 22:5).

(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175651&posted=1#_ftnref3) Jonathan A. Goldsten, II Macc.
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175651&posted=1#_ftnref4) تاريخ يوسيفوس عصور اليهود القديمة (ج 12 / 5 – 5 – 257 – 264). راجع أيضا: Jonathan Goldsten, 1Macc. P.223) وجاءت "الآية 2" في الترجمة الحرفية للفولجاتا: "لأن أهل الموضع كانوا غرباء".
(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175651&posted=1#_ftnref5) Jonathan A. Goldsten, II Macc.
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175651&posted=1#_ftnref6) ظهرت هذه الطائفة فى مصر منذ سنوات، ولكن المؤسستين المدنية والدينية قاومتها بشدة فاختفت من مصر، وإن كانت ما تزال موجودة فى أمريكا وبعض الدول الغربية.
(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175651&posted=1#_ftnref7) هذا ويقول التلمود في باب ( دين كتاب 4 فصل 34: 2) : " أن المذبح كان مغطى بدم خنزير " وكان تقديم الخنزير كقربان أمر شائع لدى الأمم القديمة في منطقة الهلال الخصيب (هيرودوت 2: 57). راجع أيضاً: Diodore, 34 : 1 وطبقا لما أورده بوسيدونيوس (عن ديودوروس 34: 1) أنهم ذبحوا خنزيرة كبيرة كذبيحة على مذبح المحرقات، وُاجبر الكاهن الأعظم و بقية اليهود على الأكل من هذه الذبيحة.
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175651&posted=1#_ftnref8) كان أبيفانيوس هذا ابنا لكربوكراتس، واسم أمه ألكسندرا، وعائلة والده من الإسكندرية، بينما كانت عائلة أمه من سيفالينيا، وقد عاش سبعة عشر عاما فقط، وتم تكريمه كإله في بلدة سام في سيفيلينيا، علمه أبوه التعليم العام والفكر الأفلاطوني، وشرح له معرفة الموناد Monad والذي تفرعت منه هرطقة الكاربوكراتيين. وقد ألّف أبيفانيوس هذا كتابا أسماه: "عبر البر" أباح فيه الكثير من الانحرافات. انظر كتاب المتفرقات Stromata للقديس كليمندس السكندري (3: 2، 5، 8).

st-athanasios
02-21-2009, 04:16 PM
إجبار الرعايا اليهود على ذلك
7 و كانو كل شهر، يوم ذكرى مولد الملك، يساقون بضرورة مرة للاشتراك فى المأدبة الطقسية، وفى عيد ديونيسيوس، يضطرون الى مرافقة موكبه و عليهم أكاليل من اللبلاب، 8 و صدر أمر إلى المدن اليونانية المجاورة، بايعاز من أهل بطلمايس، أن يعاملوا اليهود بمثل ذلك و بالاشتراك فى المأدبة الطقسية، 9 و أن يذبح من أبى أن يتخذ السنن اليونانية، فكان في امكانهم أن يتوقعوا دنو الكارثة.

كان انطيوخس يسمّي نفسه : أنطيوخس أبيفانيوس ثيوس (زيوس) أي أنطيوخس الاله الظاهر أو المتجسد، حيث كان يعتقد أنه زيوسوقد تجسد وظهر فى شخصه، و بالتالى فإن عيد ميلاده والذى كان يحتفل به بصفة شهرية، كان الاحتفال به مرتبطاً بعبادات "زيوس" بمظاهرها المحزنة تلك، وكان اليهود يجبرون على ذلك من خلال تقديم الهدايا للملك ثم حضور تلك الاحتفالات والمشاركة فيها، وكانت تقام إمّا فى بعض أفنية الهيكل إمّا فى بعض الأماكن التي خصصت لذلك( (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175654&posted=1#_ftn1)1).
إن هذا يفسر لنا فكرة عبادة الامبراطور والتى كانت عاملاً رئيسياً فى اضطهاد المسيحية فى العصر المسيحى الأول، حيث كانوا يرفضون هتاف: "كيريوس سيزاروس" أي "الرب هو قيصر" بل يهتفون "كيريوس خريستوس" أى "المسيح هو الرب" و كان الجنود يحتفظون فى ثكناتهم العسكرية بأيقونات للامبراطور يضعون قدامها البخور كل صباح حين يؤدون عبادة صباحية له، وكذلك كان يحدث فى دور القضاء والمحافل العامة، وهو الأمر الذى استعيض عنه حديثاً بعلم البلاد و الذى يمثل البلد ككل و ليس شخص الحاكم فقط.

ديونيسيوس Dionysus : إله الخمر عند اليونان، وُيقابله " باخوس Bachus" عند الرومان، وقد ورد فى الأساطير الإغريقية أنه ابن زيوس وبالتالي فإن الاسم فى اليونانية معناه "من يعبد زيوس". وهو إله القمح إذ تفيد الأسطورة بأنه وضع حال ولادته فى مذراة قمح، وإله الكرمة والخمر والأشجار المثمرة، وقد ظهر فى الصور القديمة فى أشكال مختلفة مثل القمر والثور والتيس ذى القرنين، ولكن شكله وتماثيله الأخيرة كانت كإله للخمر والكرمة، وكان الكهنة ينصبون جذع شجرة فى المعابد لينوب عن تمثاله وكذلك المزارعين فى أراضيهم مسمّين إياه " المزهر " أو " ذو الأثمار اليانعة". ومع أنه كان فى البداية واحداً من آلهة أغريقية كثيرة، إلاّ أنه اكتسب شعبية كبيرة مع الوقت فصار أشهرها وأكثرها شعبية.

طقوس الاحتفال به: كان ذلك يتمّ فى فصل الربيع حين تبدأ الحياة تدب فى الكروم والأشجار، وخلال الاحتفالات كان المحتفلون يمثلون دراما قصة حياته بالجوقات الموسيقية وهى أشبه بالتراجيديا، ولأن الأسطورة تقول أنه تمزق وهو حيّ، فإنهم يحضرون ثوراً يمزقونه حياً ثم يأكلون لحمه نيئاً ويشربون دمه، كما كانت تلك الدراما تمثل سنوياً عند شاطئ بحيرة حيث تمثل نزوله إلى العالم السفلى لاستعادة أمه، وفى بعض الأوقات كان يستعاض عن الذبيحة الحيوانية بأخرى بشرية يفعلون بها نفس الشئ. ثم يفتحون برميل خمر معتق من السنة الماضية وينشدون أناشيد الإله ديونيسيوس.
وفى المهرجان الضخم الصاخب الذى يقام للإله ديونيسيوس والذى يسمىّ " ديونيسيا Dionysia " فى الهواء الطلق كان المحتفلون يسيرون فى موكب ضخم إلى ساحة الاحتفال وهم يحملون تماثيلاً له وهو ممسك برمح ومتوجاً بحلية مخروطية الشكل تحيط بها أوراق الكرمة وحبات العنب، وقد ُارغم اليهود على الاشتراك فى ذلك الموكب والمهرجان الضخم وهم يضعون فوق رؤوسهم أكاليل اللبلاب حيث يقضى طقس الاحتفال بذلك على المشتركين.

وفى (الآية 8): يتضح لنا أن سكان عكا (بطلمايس) أوعزوا إلى الملك بإصدار أمر ُيلزم الجاليات اليهودية الساكنة فى المدن ذو الأغلبية الإغريقية بالاشتراك فى مثل تلك الاحتفالات والولائم الطقسية وأن يُعاقَب كل من يُخالف منهم بالقتل. وقد كان سكان عكا أعداءا تقليديين لليهود، راجع فى ذلك (13: 25 و 1مكا 5: 5 و 12: 48). ولكن قراراً مثل ذلك كان يتم دائماً بالتصويت، أو بإيعاز من أحد مستشارى الملك، فهل كان أهل عكا (بطلمايس) مشتركين فى هيئة للتصويت لا سيما وأنهم مواطنين أنطاكيين من خلال حصولهم على هذه الجنسية، كان المجتمعان الأنطاكيان الوحيدان فى منطقة اليهودية آنذاك هما قلعة عكرة ومدينة عكا.

كان كل ذلك ينذر بكارثة محققة تحل بالأمة، والعجيب أن مثل هذا التحول فى الفكر والممارسة يحتاج فى العادة إلى عشرات وأحياناً مئات السنين، إلا أنه لا يستغرق هنا سوى بضع سنوات قليلة وهى نفس السرعة التى تحرك بها الغيورين من اليهود لكى ينفضوا عن أمتهم وعن هيكلهم هذا الشر البغيض.
ومع أن أنطيوخس قد وجه قراره إلى يهود اليهودية (1مكا1: 44) إلاّ أنه أرسل نسخاً إلى جميع أنحاء المملكة (1مكا1: 51) فى إشارة إلى سياسة ملكية يتعين تنفيذها ضد اليهود، وهكذا يتضح لنا من (الآية 9) الآن شعور اليهود بأن زمان ضيق قد حلّ بهم، وأن زمان الغضب الأخير قد أتى عليهم. وأنه من بين الأسباب التى جلبت ذلك الاضطهاد: خطايا اليهود الذين تأغرقوا، الزنا وراء الآلهة الأخرى، تدنيس الهيكل، وأفعال الكهنة غير الجديرين بالكهنوت ثم الرشوة والظلم، هذا وقد رأى اليهود فى ذلك الاضطهاد فترة الذروة لسلسلة من العقابات وضعها الله على الشعب الخاطئ.
ومع أن هناك الكثير من الأمثلة لأناس أنقذهم الله من الموت (دانيال 3 و 6 ، 1مل 19 و 2 مل 1 و 18 : 9 – 19 : 35 و 2أخ 20 : 1-30) إلاّ أن هناك أيضاً مَن قَبِل الموت فى ظل وعد بأن الله سينتقم له (قارن إرميا 26 : 12 – 15 مع 26 : 20 – 23 و 1 مل 19: 14-18 و 1 أخ 24: 20-22 و اشعياء 52 : 13).
لقد تحدث أشعياء عن قضيب غضب الله باعتباره أحد ملوك آشور أو بابل الذى تجاوز أمر الله، وأنه سيعاقب على ذلك (10: 5-15 و 14 : 4-25) كما تحدث إشعياء عن "خادم الرب" المعاني ووصفه بأنه مشوّه ومضطهد ومقتول، ولكنه مع ذلك سوف يتمتع بوجود مجيد، بل تحدث عن قيامة الجسد من الموت (25: 8 و 26 : 19) وفى فترة الاضطهاد اعتبر الكتبة "خادم الرب" الذى أشار إليه اشعياء فى (52: 13 – 53 : 12) إماّ أنه أمة إسرائيل كلها، أو القادة الذين استشهدوا فى نطاق إسرائيل، ثم تنبأوا بقيامتهم (انظر دانيال 12 : 2 ،3).



بواكير الشهداء الماكبيون
10 فإن امرأتين أحضرتا لأنهما ختنتا ولديهما. فعلقوا طفليهما على أثديهما وطافوا بهما فى المدينة علانية، ثم ألقوهما عن السور. 11 ولجأ قوم إلى مغاور كانت بالقرب منهم، للاحتفال بالسبت سراً، فَوشِىَ بهم إلى فيلبس، فأحرقهم بالنار معاً، وهُم يحترزون من أن يدافعوا عن أنفسهم، إجلالاً لهذا
اليوم المقدس.



كان أمر الملك يمنع العبادة فى الهيكل، قد رافقة بعض الإجراءات الأخرى مثل عدم الاحتفال وإقامة أية طقوس حتى خارج الهيكل، وقد أشير إلى ذلك فى (1مكا 1: 60 ،61) وأما بخصوص هاتين السيدتين اللتين ختنتا ولديهما فلعله قد ُربط الطفل الصغير المختون بحبل من يديه ورجليه ثم علق فى رقبة أمه بينما قيدت يدى الأم من الخلف، ثم طيف بالمرأتين وطفليهما فى المدينة فى موكب ساخر حيث لحق بهما الكثير من الإهانات، وفى النهاية صعد بهما إلى سور عال قد يكون سور أورشليم أو غيره حيث ُالقيا من فوقه لينال بذلك الجميع إكليل الشهادة من أجل الناموس والوصية (1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175654&posted=1#_ftn2)، فإن السيدتين بلا شك كانتا تعرفان مسبقاً ما قد يلاقيهما متى خالفتا أوامر الملك، وفى سفر المكابيين الأول إشارة إلى أنه قد ُعوقب بالموت كذلك جميع الذين اشتركوا فى ذلك (1: 60 ،61).
وعندما ُوشى كذلك بأن البعض الآخر يحتفل بالسبت بعيداً فى الجبال، فقد قام فيلبس مندوب الملك بمعاقبتهم بوحشية وهو قائد الحامية السلوقية فى قلعة عكرة (5: 22 و 8:8) مما يوحي بأن الكهوف كانت فى اليهودية بالقرب من أورشليم. وسواء أكان يوف أنهم لن يدافعوا عن أنفسهم فى السبت أم لا فقد كان عنيفاً معهم أنظر التعليق على (1مكا 2: 32-38). هذا وقد أدت مذبحة السبت إلى إعلان متتيا ورفاقه إمكانية القتال فى السبت دفاعاً عن النفس.
ويذكّرنا أولئك المحتفلون بالسبت فى المغائر، بالمسيحيين الأوائل والذين كانوا يلجأون بسبب الاضطهاد إلى المغائر والكهوف للإجتماع وإقامة الأفخارستيا، حيث كثيراً ما تعرّضوا للإهانة والاستشهاد من أجل أمانتهم، وفى الحالتين كان ُيوشى بأولئك الأمناء لدى الحكام.
ويمكن تلخيص الأسباب التى استشهد من أجلها هؤلاء اليهود فى: الختان (1مكا1 : 60-61) والسبت (1مكا2: 29 – 38) والأطعمة الطقسية "غير النجسة" (آيات 18 – 31 و 7 : 1 – 41 و 1مكا1 : 62 ، 63).

لماذا يسمح الله بالأضطهاد؟


12 وإنى لأرجو من مُطالعى هذا السفر أن لا يستسلموا إلى خور عزائمهم بسبب هذه الضربات، وأن يحسبوا أن هذه الاضطهادات لست لهلاك أمتنا، بل لتأديبها. 13 فإنه إذا لم يُهمل الكافرون زمنا طويلاً، بل عُجَّلَ عليهم بالعقاب، فذلك دليل على رحمة عظيمة. 14 أما سائر الأمم، فإن السيد يُمهل عقابهم بطول أناته، إلى أن يطفح كيل أثامهم. ولم يقض بأن يُعاملنا على هذا الوجه، 15 لئلا يعاقبنا أخيراً حين تَبلُغُ آثامنا تمامها. 16 فهو لا يرفع عنا رحمته أبداً، وإذا أدَّبَ شعبه بالشدائد، فلا يخذله. 17حسبنا أننا ذكرنا بهذا، ولنعد، بعد هذه الكلمات الوجيزة إلى حديثنا.


تأتى هذه الأعداد فى هذا الموضع بالذات لتعزية القارئ لهذه الأخبار الُمحزنة، وكذلك كمقدمة لما سيرويه السفر من قصص استشهاد رائعة بعد ذلك مباشرة، فيورد هنا نظرية هدف الله الحنون من تلك الاضطهادات.
فلم يسمح الله بالاضطهاد انتقاماً من الشعب أو عقاباً لهم، كلاّ بل أنه في محبته الشديدة لهم يخصّهم بأفضل الأكاليل، إذ يمثّل الشهداء المرتبة الأولى فى الكنيسة يليهم المعترفون . . بل أن الاستشهاد هو نعمة وكرامة لا يستحقها كل إنسان، إن الشهيد هو الإنسان الذى تصل شهادته للإيمان بالله حد الموت، وبينما كان المضطِهدون ينظرون إلى المقبلين على الموت باعتبارهم أشخاصاً متعصبين مبالغين فى أمانتهم، كان الاستشهاد بالنسبة لهم هم يعبر عن الأمانة منتهى الأمانة.

إن الكنيسة تحتاج بين حقبة وأخرى إلى دماء الشهداء لتجديدها وأنهاض قلوب الشعب، ولقد كانت دماء الشهداء بذار الكنيسة، وكانت الكنيسة بالتالى فى أزهى عصورها وأقواها خلال الفترات التى تعرّضت فيها للاضطهاد وقدمت بالتالى الكثير من أولادها كشهداء. فى حين ضعفت فى الفترات الأخرى التى لم يكن فيها اضطهاد، حيث يقوى روح الاستشهاد
بين الناس.

ولكنه ولأجل الضعفاء ولئلا تخور قواهم وعزائمهم فإن الله يسمح بنهاية تلك الفترات العصيبة، وبذلك تكون مثل تجربة يتنقّون ويزكّون من خلالها، فى حين يترك الأمم حتى يمتلئ كأسها "يمنعوننا عن أن نكلّم الأمم لكى يخلصوا حتى يتمموا خطاياهم كل حين ولكن قد أدركهم الغضب إلى النهاية" (1تس 2 : 16) ومع ذلك فإن الله رحيم حتى بالأمم فهم فى النهاية خليقته (حكمة 11: 9 ،10 و 12: 20-22). فقد كان المضطهِدون هم الأداة التى استخدمها الله فى تأديب شعبه.

ولعله من الملاحظ فى (الآية 13، 14) أن هناك مقارنة ما بين نصيب اليهود وهو الحرية والازدهار عقب نهاية الاضطهادات وبين نصيباليونان ومقدونيا وغربي آسياالصغرى، حيث كان اليونانيون مهزومين من روما فى حروب مدمّرة (راجع 1مكا 8: 9-11) يضاف إلى ذلك كيف سمح الله برحمته بأن يواجه اليهود الأبرار الاضطهاد. وسوف نرى فى الإصحاح السابع كيف أن معاناتهم قد جلبت رحمة الله للباقين على قيد الحياة . . .




(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175654&posted=1#_ftnref1) لقد أثبت شيرار (ZNTW 1902,48-52) من عدة مصادر أن ملوك مصر كانوا يحتفلون بيوم ميلادهم ويوم توليهم العرش، وهذا ما طلبه أنطيوخس أبيفانيوس لنفسه، كما أن هذا الأمر ينطبق على ملوك برغامس إذ تخبرنا احدى الكتابات القديمة من برغامس خبر احتفالهم كل شهر بيوم ميلاد أبجروستوس الملك حتى زمن أندرونكس (راجع Gutberlet ).

(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175654&posted=1#_ftnref2) يتّضح من ذلك أن الاستشهاد قد تم في أورشليم، وربما كان القذف من ارتفاع عال هو الوب مفل للإعدام النساء، ويورد بوليبيوس المؤرخ أن الملكة لاوديقة السلوقية قد أعدمت وصيفتها وُتدعى داناي Danae على هذا النحو في القرن الثالث ق.م.

st-athanasios
02-21-2009, 04:18 PM
إستشهاد أليعازر
18 كان رجل يقال له ألعازار من متقدمى الكتبة، طاعن فى السن، رائع الطلعة، فأكرهوه على فتح فمه قسراًَ على أكل لحم الخنزير. 19 فاختار أن يموت مجيداً على أن يجيا حياة نجسة. مشى طوعاً إلى عذاب الدولية، 20 بعد أن قذف ما لا يجل ذوقه رغبة فى الحياة. 21 فخلا به المشرفون على هذه المأدبة الطقسية التى تحرمها الشريعة، لما كان بينهم وبينه من قديم المعرفة، وجعلوا يحثونه أن يؤتى بما يحل له تناوله من اللحم مهيأ بيده، ويتظاهر بأنه يأكل من لحم الضحية التى أمر بها الملك، 22 لينجو من الموت إذا فعل ذلك، وينال منهم معاملة إنسانية نظراً إلى صاقته القيمة لهم. 23 لكنه عزم عزماً شريفاً، جديراً بسنه ومكانة شيخوخته وما بلغ إليه من جلال المشيب، وبكمال سيرته الحسنة منذ حداثته، ولاسيما بالشريعة المقدسة الإلهية، وأجاب لذلك طالباً أن يرسل عاجلاً إلى مثوى الأموات، وقال: 24 " لا يليق بسنناًَ أن نراءى، لئلاً يظن كثير من الشبان أن أعلازار، وهو ابن تسعين سنة، قد انحاز إلى مذهب الغرباء، 25 ويضلوا هم أيضاً بسببى وبسبب ريائى من أجل حياة أصبحت قصيرة جداَ، فأجلب على شيخوختى، 28 وأبقيت للشبان قدوة بطولة بميتة جسنة طوعية وسخية فى سبيل الشرائع الجليلة المقدسة".
ولما قال هذا، سار من ساعته إلى عذاب الدولية. 29 فتحول أولئك الذين أبدوا له الرأفة قبيل ذلك إلى العداوة، وقد بدا لهم كلامه جنوناً. 30 ولما أشرف على الموت من الضرب، تنهد وقال: "يعلم الرب، وهو ذوالعلم المقدس، أنى، وأنا قادر على التخلص من المو، أكاب فى جسدى عذاب الضرب الأليم، وأما فى نفسى فإنى أحتمل ذلك مسروراً لأنى أخاف الله". 31 وهكذا فارق هذا الرجل الحياة، تاركاً موته قدوة بطولة وتذكار فضيلة، لا للشبان فقط، بل للأمة بأسرها.

يمثل هذا الجزء من الأصحاح وكذلك الأصحاح السابع أقدم الأمثلة الباقية من قصص استشهاد المؤمنيين بإله واحد، وهى المصدر المباشر لما ُعرف بعد ذلك بأدب الاستشهاد والشهداء اليهود والمسيحيين، لا سيما تقبل الشهيد الآلام بسرور بدلاً من أن يأتى بتصرف أو سلوك تافه فى نظر الأمم، وكذلك الحوارات التى تدور بين الشهيد ومضطهديه ومعذبيه، والإيمان الراسخ له حتى الموت، ثم تسجيل غضب المضطهدين ثم إعجابهم عندما تذهب عذاباتهم ُسدى، ثم تقديم الشهيد كمثل يُحتذى به لدى جميع المؤمنين ولا شك أن ما ورد في (عبرانيين 11: 35، 36) يشير إلى (2 مكا 6: 18-7 : 42).



ألعازار Eleazar : اسم عبرى معناه "الله قد أعان" :
وهو شيخ مسنّ يبلغ من العمر تسعين عاماً، وكما أشرنا فى موضع سابق فإن "الكاتب" ُيقصد به اللاهوتي والمعلم، وهو المسمىّ الرابي أو الحاخام، وفى العهد الجديد كان اللّقب يشير بوجه خاص إلى اللاهوتي. وكان ألعازار من أبرز كتبة ذلك الوقت، وقد أضفت عليه تقواه وعلمه مهابة وكرامة خاصة.
وأغلب الظن أنه كان فى اليهودية و بالتحديد فى أورشليم، وربما كانت هناك معرفة قديمة بينه وبين الذين عذّبوه (آية 21، 22) والذين كانوا في الغالب من اليهود المتعاونين مع العدو، ربما أنطاكيين من أورشليم. ومن هنا فمن المرجّح أن تكون أورشليم هى مكان استشهاده ، وسوف نناقش لاحقاً الرأى القائل بأن ألعازر هو أبو المكابيين السبعة (اصحاح 7) وأن استشهادهم كان فى أنطاكية حيث عرش الملك . . وحيث أقامت لهم الكنيسة الأنطاكية كنيسة هناك.

وقد وجد الُمضطهدون فى الضغط على ألعازروسيلة للضغط بالتالي على الأصغر سناَ وثقافة وتمسّكاً، ذلك متى أذعن لهم، ولكنه رفض بشدة تناول لحم الخنزير أو تقديمه ذبيحة أو حتى لمسه، وكذلك لئلا يكون عثرة لتلاميذه وجيل الشبان كله (آية 25) (1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175656&posted=1#_ftn1).

فلما وضعوا اللحم في فمه بالقوة، بصق من فمه ما ُوضع فيه قسراً، وكان بعض من نواب الملك أصدقاء قدامى له ولم يكن يسرّهم موته عرضوا عليه أن ُيحضر لحماً طاهراً بمعرفته ويأكله قدام الجميع وكأنه لحم الذبيحة وفى هذا اعفاء له من مسئولية العثرة، ولكنه رفض أيضاً إذ كان يحرص على أرضاء الله أولاً ثم الناس بعد ذلك، فلقد أراد أن يكون صادقاً مع الله ومع نفسه ومع الآخرين، دون اللجوء إلى مثل تلك التمثيلية، وبينما أشفق عليه رجال الملك، لم يشفق هو لا على نفسه ولا على زوجته وأولاده وتلاميذه.

وإن فى ذلك تبكيت صريح لأولئك الذين يخفون صليبهم أو هويّتم الدينية خوفاً من الاضطهاد، وكذلك أولئك الذين يهربون من المواجهة، بل والذين ينكرون المسيح خوفاً من عقاب أو خسارة مالية أو حتى الاضطهاد والموت. فهوذا شيخ طاعن لا يهاب العذاب ولا يهرب من الموت، وقد وثق أنه سيموت آجلاً أو عاجلاً، والأفضل له أن يموت ميتة كريمة يشهد بها لله والوصية تاركاً سيرة حسنة من بعده ويبقى أميناً إلى آخر لحظة فى حياته.

يروى مار اسحق القصة التالية فيقول:
سمع أحد الملوك بأن حكيماً فى بلده قد آثر الصمت وامتنع عن الكلام ليقضى بقية حياته يسمع فقط ويتأمّل، واستدعاه وطلب إليه أن يسلك على نحو طبيعي: يتكلم ويسمع، ُيعلم ويتعلم، يناقش ويحاضر، حتى لا يكون مغالياً ويفيد الآخرين. ولكن الرجل لم يردّ على الملك بكلمة واحدة، فانتهره الملك كيف يسخر منه هكذا ويهزأ بعرشه وتاجه بصمته هذا. ومن ثمّ أمر السياف بأخذ رأسه. وفيما الحكيم والسياف خارجان انتحى بالسياف جانباً وأوصاه إن آثر الحكيم الصمت حتى النهاية ولم يتكلم ولا خاف من الموت فلا يمسّه بسوء، أماّ إن خاف وتكلم فعليه عندئذ أن يقتله ! ! أما السيّاف فرفع السيف محذراً ومعطياً الرجل آخر فرصة لعله يتكلم فينجو بذلك من الموت، فلم ينبث ببنت شفة، فأعاد الجلاد سيفه إلى غمده، وعاد بالرجل إلى الملك، الذى أكرمه ثم أطلقه. أماَ الفيلسوف فقد فكر فى نفسه قائلاً: إني ميت لا محالة . . آجلاً أو عاجلاً، فلأموتن عن مبدأ، حتى أترك قدوة طيبة لتلاميذي ومريديّ وكل من سمع بى، فإن تراجعت فتكلمت فلسوف أصير عاراً لدى الجميع(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175656&posted=1#_ftn2).
وهكذا اختار الرابى ألعازار أن يموت على الإيمان بدلاً من أن يحيا لزمن يسير فى الخزي، هكذا يقول الآباء " إن الموت فى الجهاد خير من الحياة فى التكاسل" ولم تغره خطة مندوبي الملك لانقاذه، وهو ما يعيد إلى أذهاننا ما كان يحدث فى عصور الاستشهاد، حين كان بعض القادة يضطرون ـ بحسب أوامر الملك ـ إلى محاكمة وربما قتل بعض من أقاربهم أو أصدقاءهم بسبب تمسّكهم بالمسيح، وكيف كان هؤلاء المسيحيين يحثّون القادة على تنفيذ أوامر الملك دون شفقة، إذ أن فى ذلك ربحاً لهم فهم ـ أي الجلادون ـ يعينونهم على تحقيق أمل طالما اشتهوا تحقيقه. وقد تسبب موقف الشهداء هذا كثيراً فى إيمان القادة أنفسهم واستشهادهم معهم بعد اعترافهم بالمسيح.



لماذا نهت الشريعة عن أكل لحم الخنزير؟

يرجع ظهور هذا الحيوان إلى آلاف السنين قبل الميلاد فى آسيا، وهو من الثدييات ذوات الأظافر ومنه أربعة أنواع: الأفريقى (الحلّوف والهلّوف والهيلوشير) ثم الأوربى (الرتْ) ثم الأفريقى (البيكاري) ثم الأسيوي (البابيروس). وقد حرمت الشريعة أكله للأسباب التالية:

1ـ فهو وإن كان مشقوق الظلف إلاّ أنه لا يجترّ (لاويين 11 : 7 و تثنية 14 : 18) ومغزى ذلك أن الذى لا يجتر يشبه الذى لا يلهج طوال اليوم فى كلمة الله، ومشقوق الظلف هو القادر على السعى فى الطريق الروحي والتمييز بين الخير والشر، وكان هذا المغزى كامناً فى الوصية ومادام الشعب غير مستنير فإنه لا يكتشفه.

2ـ كان الخنزير شائع بين الوثنيين الذين حول بنى إسرائيل، سواء تربيته أو أكله أو تقديمه كذبائح لآلهتهم، وكانت الشريعة تساعد اليهود فى التحرر من كل ما هو عادة وثنية.

3ـ تكوين جسم الخنزير يسمح له بتناول أى شئ كطعام، ولذلك فقد عُدّ كوسيلة حيوية فى تحويل القاذورات والنباتات إلى لحم.

4ـ بسبب قصر رقبته لم يكن يستطيع تنظيف جسمه مما يعلق به من حشرات، ولذلك فهو يتمرّغ فى الأوحال مما يجعل منظره قبيحاً مقززاً.

5ـ يستخدم الخنزير أنفه مع رقبته ذى العضلات القوية فى حفر الأرض بحثاً عما يقتات به، مما يزيد منظره قبحاً.

6ـ يحمل الخنزير فى جسمه عدوى بعض الأمراض الخطيرة، لا سيّما "الدودة الشريطية" والتى قد ُتودى بحياة الإنسان متى دخلت جسمه عن طريق أكل لحم الخنزير.

هذا وقد استمر التحذير من التعامل مع الخنزير سواء أكله أو تربيته أو تقديمه كذبيحة بالتالي، فإلى ذلك أشار إشعياء النبى (65 : 4 و 66 : 3 ،17). كما حُرّم على رعاة الخنازير دخول الهيكل أو مصاهرة اليهود، بل ُعدّ كل من لمس الخنزير: نجساً، حتى أصبحت كلمة خنزير تطلق على النجس والمتعثّر فى توبته.

وفى أيام السيد المسيح كان هناك رعاة خنازير، يرعونها بقصد بيعها إلى الجنود الرومانيين الذين فى أورشليم، وذلك فى كورة الجدريين حيث دخلت الشياطين فى قطيع الخنازير (متى 8: 30-32 و مرقس5: 11-16 و لوقا 8: 32 ،33). ولكنه ومنذ أن أعلن الله للقديس بطرس بأنه لا يوجد شيء نجس من خلائق الله، أصبح أكل لحم الخنزير مثله فى ذلك مثل جميع الحيوانات والطيور مباحاً (أعمال 11: 5-11).



الدولبـة Tympanum, Tumpanon: وتسمى أيضاً "التوتير Rack" وهى آلة تعذيب رهيبة تفتق عنها ذهن الفرس للتنكيل بعتاة المجرمين وأولئك المراد الانتقام منهم عند موتهم، وهى عبارة عن آلة مستديرة مثل الترس أو الساقية تدور فوق برج عالى ملئ بالرماد (رماد الذبائح غالباً) يثبت المحكوم عليه فى تلك الآلة على ظهره ثم تدار فيدور معها فى الرماد حتى يموت مختنقاً، وفى حين ثُبت فى مدار الدولاب سكاكين أو سيوف بارزة تمزق جسد المحكوم عليه كلما مر بها.

وفى العصر السلوقى (زمن هذه الأحداث) كانت هناك آلة من هذا النوع فى بيرية، يرسل إليها من كانت جرائمهم خطيرة مثل سبّ الملك أو نهب المقدسات، وقد ُقتل منلاوس رئيس الكهنة الخائن بنفس الطريقة (13: 4-8) ولكنه وبينما اعتبر اليهود ألعازار شهيداً، فقد اعتبروا موت منلاوس انتقاماً وقصاصاً عادلاً من الله.

أما الذين أظهروا لألعازار العطف لما تقتضيه الصداقة، فقد ضاقوا بإصراره، واعتبروه مساً من الجنون أن يختار إنسان الموت بدلاً من عرض سخيّ ينقذ حياته من الموت، فتحوّلوا إلى جلادين له، وكانوا يتركون له الفرصة ـ بعد كل شوط من التعذيب ـ لكى يتراجع عن موقفه، ولكنه لم يفعل، بل أنه لما شارف على الموت صرّح بأنه وبرغم الآلام القاسية التى يكابدها إلاّ أنه مستريح الضمير راض النفس غير نادم على ذلك.

وهكذا أعطى ذاته مثالاً نادراً فى الاستشهاد من أجل محبة الله، وقد اعتبروه آباء الكنيسة الأولى شهيداً مسيحياً قبل المسيحية، إذ يشترك مع شهداء المسيحية فى المنهج، من حيث الاستخفاف بالآلام الحاضرة مقابل المجد العتيد، وكذلك النظرة إلى الجسد وزواله، مقابل إرضاء الله أكثر من الناس.

يقول القديس كبريانوس الشهيد فى مقالته الحادية عشر إلى فرتاناتوس فى الحث على الاستشهاد (1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175656&posted=1#_ftn3) :

" لقد تنبأ الرب بأنه سيكون لنا ضيق فى العالم واضطهاد (يوحنا 15: 18-20) وأنهم سيخرجوننا من المجامع ليقتلوننا وهم يظنون أنهم يقدمون خدمة لله (يوحنا 16: 2-4) ثم طمأننا بأن حزننا سيتحول إلى فرح (يوحنا 16 : 20) وكذلك قال: " قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فيّ سلام، فى العالم سيكون لكم ضيق ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم" (يوحنا 16 : 33) .."

ويضيف الشهيد كبريانوس:

" إن هذه الأشياء التى تحدث الآن للمسيحيين ليست جديدة أو مفاجئة، حيث أن الأبرار والمستقيمين والذين قدسّوا كلمة الله بخوف يتعرضون دائماً للضيقات والعقاب بطرق وحشية ومتنوعة، ويعانون من الضيق، فهوذا هابيل البار قتله أخوه، ويعقوب عاش فى المنفى بسبب أخوه، ويوسف بِيع وداود اضُطهد من شاول واضطهد آخاب إيليا النبي، وذُبح زكريا بين الهيكل والمذبح صائراً بذلك ذبيحة فى الموضع الذى اعتاد فيه تقديم الذبائح، هكذا نحتفل بالعديد من الشهداء الأبرار . . الفتية الثلاثة . . دانيال . . ومثلهم الأخوة المكابيين السبعة وأمهم . . ودعنا نتكلم عن ألعازر والذى عرضت عليه الفرصة لكى يتظاهر فقط بأكل اللحم النجس، لم يوافق على هذا المكر مصرّحاً بأنه لا يتلاءم مع سنه ومكانته ولا نُبله أن يكون مرائياً مما يعثر الآخرين، وأنه ليس بذي عائد كبير كسب لحظات قصيرة من الحياة مقابل تحمّل عقاب سرمدى من الله، ومن بين الجلدات والعذاب صرّح بأنه مسرور رغم كل تلك الآلام، لقد كان مخلصاً ذو فضيلة ذائعة ونقية بوفرة إذ لم يعمل حساب للملك أنطيوخس بل للملك الديان، وأدرك أنه لا يخدم خلاصاً أن يخدع الناس، بينما الله هو قاضي ضمائرنا وهو المخوف وحده، وهو لا ُيخدع أو يُهزأ به. هكذا نحن إذا عشنا أيضاً كمكرسين لله، إذا جعلنا طريقنا على خطوات الآباء القديمة المقدسة، فلنُجز خلال الاختبارات والمعاناة ذاتها وشهادات الآلام، إنه لا يمكن حصر عدد الشهداء، هكذا يصرّح سفر الرؤيا حيث كان جمع لا يحصى من جميع قبائل الأرض، هؤلاء قيل عنهم أنهم الذين قد أتوا من الضيقة العظيمة وقد غسّلوا ثيابهم وبيّضوا ثيابهم فى دم الخروف (رؤيا 7: 9-15) فإذا كان مجمع الشهداء المسيحيين قد أظهر وبرهن أنه بهذه العظمة، فلا يظن أحد أنه شئ صعب أن ُيصبح شهيداً، عندما يرى أن ُيصبح شهيداً، عندما يرى أن حشد الشهداء لايمكن أن ُيحصى، ويرد كذلك في وصايا الآباء الاثني عشر تعليقاً على استشهاد ألعازار: (1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175656&posted=1#_ftn4)" وأولئك الذين ماتوا فى الأسى سيقومون فى ابتهاج والذين قد عاشوا فى الفاقة لأجل الرب سيغتنون والذين كانوا معوزين سيمتلئون ومن كانوا ضعفاء سيتقوّون والذين ُوضعوا للموت لأجل الرب سيقومون للحياة . . .".

ويقول الأب أفراهات السريانى فى الشروحات Pemonstrations الفصل الحادى والعشرين عن الاضطهاد (2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175656&posted=1#_ftn5) :

"اسمعوا يا أحبائى هذه أسماء الشهداء والمعترفين والمُضطَهَدين . . . يهوذا المكابى واخوته ُاضطهدوا وهم أيضاً احتملوا التعيير، الأخوة السبعة بنو المرأة المباركة احتملوا التعذيب بجلدات مُرّة (2مكا 7) وصاروا معترفين وشهداء حقيقيين، وألعازار الشيخ والمتقدم فى السن أثبت مثالاً نبيلاً من أجل اعترافه، فقد اعترف وصار شهيداً حقاً. . ."




(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175656&posted=1#_ftnref1) كان قدماء الملوك يضغطونبقوة على من يخالف معتقداتهم من رعاياهم، وهناك نصوص قديمة نصف اضطهاد نابونيدس Nabonidus لعابدى ردوخ، بل أن هناك كتابات تصف احتمال الشهداء المردوخيين لآلام الاضطهاد ُانظر: Jonathan A. Goldten, II Macc P. 282
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175656&posted=1#_ftnref2) للأمة بأسرها (آية 31) : جاءت في الأصل العبري ( لِرَبيم من هاعام = لكثيرين من الشعب)، وفي اليونانية ( toiV pleistoiV)، وجاءت في الفولجاتا ) universae genti أي لكل الشعب).
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175656&posted=1#_ftnref3) ANF, Vol. V, P. 502-505.

(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175656&posted=1#_ftnref4) ANF, Vol, VIII, P. 21.
(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175656&posted=1#_ftnref5) NPNF, Vol. XIII, P. 401.

st-athanasios
02-21-2009, 04:24 PM
الأصحاح السابع

إستشهاد السبعة المكابيين مع أمهم
كان ذلك خلال مأدبة طقسية أقامها الملك أنطيوخس ابيفانيوس، حيث جئ قدامه بمن ُوشي بهم أنهم يرفضون الهيلينية متمسّكين بشرائعهم
(راجع آية 41) وتعد هذه القصة من أروع قصص الاستشهاد فى العهد القديم، فلم يكن الأولاد بأقل شجاعة من أمهم فى الإقدام على الاستشهاد، كما لم تشفق الأم عليهم بسبب رابطة الأمومة والدم، إذ كانت تؤمن بأن ذلك سيحملهم رأساً إلى الفردوس.
وبينما يرى بعض الشرّاح أن أحداث الاستشهاد هذه قد وقعت في أورشليم، ومن ثمّ يكون أنطيوخس أبيفانيوس قد عاد إلى هناك سنة 169 ق.م.بعد نهب الهيكل(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175658&posted=1#_ftn1). ولكنه من الواضح أن استشهاد الام وأبناءها قد تمّ في أنطاكية، وأن لغتهم كانت اليونانية بينما لغة أسلافها هي العبرية (آيات 8، 21، 27).
وتحتفل بهم الليتورجية السريانية تحت اسم "السبعة المكابيين مع أمهم"، أما بقية الليتورجيات فتدعوها "أم المكابيين" و "أم شهداء المكابيين". وفي أيام القديس جيروم كان قبرهم معروف ويتم تكريمه( (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175658&posted=1#_ftn2)2) ونقلت عظامهم لروما، وهم الآن موجودون في كنيسة القديس بطرس في بينكولي( (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175658&posted=1#_ftn3)3). وقد إعتقد كلكمان خطأ أن هذه القبور تخص متتيا الحشموني وبنيه في روما، وكان في كولونيا في ألمانيا كنيسة على اسمهم، كانت هناك واستمرت قائمة حتى 100 سنة مضت، وتدعى: "Makkabaer Kirche".
إننا لا نعرف أسماء الأبناء السبعة، ولكن هناك شواهد كثيرة تقول أن الأم إسمها "حنة " كما دعتها احدى المصادر اليهودية القديمة بـ "مريم بنت تنحوم" ( (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175658&posted=1#_ftn4)1) ويقول التلمود عنها في باب الطلاق (جِطين 2:57) أنها غير معروفة( (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175658&posted=1#_ftn5)2).

إستشهاد الأبن الأول
1 وقبض أيضاً على سبعة إخوة مع أمهم، فكان الملك يريد أن يُكرههم على أكل الخنزير المُحرم، ويعذبهم بالسياط وأطناب الثيران. 2 وجعل أحدهم نفسه لسان حالهم فقال: "ماذا تبتغى أن تسألنا وأن تعرف عنا؟ إننا مستعدون لأن نموت ولا نخالف شرائع آبائنا". 3 فنحنق الملك وأمر بإحماء المقالى والقدور. 4ولما أُحميت، أمر لساعته بأن يُقطع لسان الذى جعل نفسه لسان حالهم، وأن يُسلخ جلد رأسه وتُجدع أطرافه على عُيون إخوته وأمه. 5 ولما أصبح عاجزاً تماماً، أمر بأن يُدنى من النار، وفيه رمق من الحياة، ويُقْلى. وفيما كان البخار منتشراً من المِقْلاة، كان الآخرون هم وأمهم يَحُثُّ بَعضُهم بعضاً أن يُقدِموا على الموت بشجاعة، قائلين: 6"إن الرب الإله ناظر، وهو يرأف بنا حقاً، كما صرح موسى فى النشيد الذى يشهد أمام الجميع بقوله: وبعبيده يرأف".


لاشك أن الذى حمل أنطيوخس على السلوك مع هؤلاء الأبرار بهذه القسوة هو كبرياؤه، إذ أنكر على الرعايا مخالفة أوامره، وكان يخشى من تفشّي الظاهرة وانفلات زمام الأمور منه، كما رأى أنطيوخس أنه لا ملك أو إله غيره هو. هذا وبينما أنقذ الله أبراراً آخرين من الموت على يد مضطهديهم من أجل إيمان وخلاص أولئك المضطَهدين، فإن أنطيوخس ِدين وعوِقب بسبب موتهم على يديه، وفي هذا يقول القديس أغسطينوس:
" لايظن أحد أنه كان ينبغى أن ينقذ الله الشهداء من أيدى مضطهديهم كما حدث مع الفتية الئلاثة ودانيال النبى، فإن هؤلاء قد ُانقذوا من أجل أن يؤمن الملوك الذين يضطهدونهم بأن الذى يعبده هؤلاء هو الإله الحقيقى، لأنه فى رحمة الله العجيبة ومشورته التى لا ندركها يدبر لخلاص هؤلاء الملوك، أما فى حالة أنطيوخس الملك والذى عذّب المكابيين بقسوة حتى الموت، صارت آلامهم وموتهم عقوبة أكبر له، وقد صرّح الشهيد السادس له بأنه وبرغم انهم يُعاقبوا بسبب خطاياهم فإنه هو ذاته لن يفلت من العقاب (آية 18 ،19) وأنك لترى أيضاً كيف كان هؤلاء حكماء، فإنهم وهم داخل الذلّ والآلام يعترفون بإخلاص بأنهم يعاقَبون بسبب خطاياهم من قبل الرب الذى ُكتب عنه " لآنه الذى يحبه الرب يؤدبه " (أمثال 12:3). (1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175658&posted=1#_ftn6)

ولم يكن أكل لحم الخنزير فى ذاته هو ما يصرّ عليه المضطهدون (وفى المقابل يصر على إنكاره الشهداء) وإنما لأنه كان بمثابة ُكفر باليهودية كلها وتقويض لركن هام فيها، ألا وهو الطهارة والركن الأهم هو
الأمانة للوصايا.
سلخ جلد الرأس وجدع الأطراف:
بحسب ما ورد فى تاريخ هيرودت، فقد كان سلخ جلد الرأس يتم "بالأسلوب المنجلى" وذلك بجز جلد الرأس دائرياً عند مستوى الأذنين ثمّ سلخه بالشدّ والهزّ (1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175658&posted=1#_ftn7) وأما بتر الأطراف فقد كان يتضمن بتر الأطراف أو النهايات، أما فيما يتعلق بالوجه فقد كان البتر يعنى جدع الأنف والأذنين، ولكن (الآية 5) هنا تشير إلى العجز التام الناتج عن قطع اليدين ـ ربما الذراعين ـ والقدمين والساقين، ومثل هذه الطريقة استخدمها الملوك الأشوريون مع المتمردين(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175658&posted=1#_ftn8). وربما الأذنين والشفة والأنف(3) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175658&posted=1#_ftn9) وهكذا عمل أيضا أنطيوخس الثالث قبل حوالي 50 سنة من هذا التاريخ، لأخياس قريبه الذي ثار ضده.
هذا وقد وردت (الآية 4) في الأصل العبري هكذا: (سَلخ جلد رأسه على طريقة الإسكيثيين) إذ يحدد النص العبري طريقة السلخ وهو الطريقة التي كانت معتادة للاسكيثيين.
على طريقة الإسكيثيين: وباليونانية (periscuqiasantaV): كان الاسكيثيين مشهورين جدا بقسوتهم في الشرق القديم، ويبدو أن الأنطاكيين إقتبسوا من طرق تعذيبهم: سلخ أعدائهم وتقوير الرأس، إذ كانوا يصنعون بعض الأدوات من جلد فروة الرأس(4) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175658&posted=1#_ftn10) .

أطنـاب الثيـران:
كانت تلك الأطناب (الأمعاء) تستخدم فى صنع السياط، كما كانت تستخدم كأوتار فى شد الخيام ونصبها " أوسعى مكان خيمتك ولتبسط شقق مساكنك، لا تمسكى أطيلى أطنابك وشددى أوتارك" (إشعياء2:54) ويقول التقليد اليهودى بأن السياط التى كانت تستخدم فى جلد المحكوم عليهم كانت تصنع من أمعاء ثور وحمار معاً، حيث يقال للمجرم عند الجلد : " الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه أما إسرائيل فلا يعرف. شعبى لايفهم" (إشعياء3:1).

المقـالى والقـدور:
ربما كانت المقالى هى تلك الأوانى الضخمة التى كان يوضع داخلها المحكوم عليه ثم توقد تحتها النار، بينما القدور هى الأوانى التى تشبه الغلايات والتى ُتملأ بالماء أو الزيت أوالقار ثم تغلى ليلقى فيها المحكوم عليه، وهى طرق ُعرفت فيما بعد على نطاق واسع إبان فترات الاضطهاد للمسيحيين إذ ُتذكر كثيراً خلال سيرهم، فنقرأ عن القديسة الشهيدة التى حكم عليها بأن تلقى عارية فى قدر كهذا به قار يغلي، إذ طلبت من مضطهديها أن يتركوها بملابسها مقابل أن ينزلوها ببطء فى ذلك الإناء الرهيب، وذلك بسبب محبتها للعفة لآخر لحظات حياتها.
كانت مثل تلك الطرق الوحشية فى التعذيب معروفة فى العالم القديم، ولعل الأشوريين كانوا أول من استنبط هذه الطرق المريعة وعنهم أخذ اليونانيين(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175658&posted=1#_ftn11)، فمع أن الإسكندر الأكبر كان ُيعد من أعظم الملوك الفاتحين فى التاريخ، إلاّ أنه لم يتورع عن إلحاق العذابات المريرة بالذين عصوا عليه، مثلما فعل مع أهل صور ومع حاكم غزة والذى أمر بربطه من عرقوبه فى زيل حصان ثم سحله فى شوارع المدينة !.

ونعود الآن إلى الشهداء السبعة، فقد تضايق أنطيوخس من شجاعة الفتى الأول الذى رغم عجزه نتيجة التعذيب تكلّم بشجاعة نيابة عنهم(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175658&posted=1#_ftn12)، وأراد من ثم أن يرعبه ويرعب به الأم وبقية الأخوة، ويذكّرنا ما فعله معه بما لاقاه القديس يعقوب المقطع وهو من الشهداء الفارسيين وكان جندياً ضمن جنود الملك سكراد بن صافور ملك الفرس، فبعد أن ضربوه بدأوا فى تقطيع أصابع يديه ورجليه ثم ساعديه ورجليه وفخذيه حتى لم يبق منه سوى الرأس والجذع فقط، وأخيراً قطعوا رأسه فنال إكليل الشهادة فى سنة 420 م.
وكان لسان حال ذلك الفتى البار هو ما قاله القديس يعقوب هذا: " ليس لى رجلان لكى أقف أمامك ولا يدان أبسطهما قدامك، وهوذا أعضائى مطروحة حولى فأقبل نفسى إليك".
وهكذا بدلاً من ينجح المضطهد فى ترويع الباقين، إذا بهم يحثون بعضهم بعضاً على التقدم للاستشهاد بفرح وثبات، متذكرين قول الرب على فم نبيّه موسى: "لأن الرب يدين شعبه وعلى عبيده يشفق حين يرى أن اليد قد مضت ولم يبق محجوز ولا مطلق" (تثنية 32 : 36).
هذا وقد أرسى هذا الفتى المبدأ الذى سيعمل به بقية أخوته ومضمونه أن الموت هو أفضل من المساس بالشريعة، وبأن الخالق سوف يقيمهم من الموت بحسب الوعد المذكور فى (تثنية 32 : 39) والذى ذكرتهم أمهم به، والحقيقة أن الأصحاح 32 من سفر التثنية به الكثير من الرسائل والوعود لتعزية أولئك الشهداء، مصائب اسرائيل قد تكون عقاب على خطاياه هو وليست علامة تخلى الله عنه (32 : 15 – 30) وأن الله سوف ينتقم من العدو (32 : 35 ، 41 – 43) الذى ليس له مخلص من يده (32 : 39) وسوف ُيحي وُيشفي الشهداء الذين ُشوهوا (32 : 39).

إستشهاد الأخ الثانى
7 ولما فارق الأول الحياة على هذا الوجه، ساقوا الثانى إلى التعذيب، ونزعوا جلد رأسه مع شعره، ثم سألوه: "هل تأكل لحم الخنزير قبل أن تُعاقب فى جسدك عضواً عضواً؟". 8 فأجاب بلغة آبائه وقال: لا، ولذلك ذاق هو أيضاً بقية العذاب كالأول. 9 وفيما كان على آخر رَمَق قال: "إنك أيها المجرم تسلبنا الحياة الدنيا، ولكن ملك العالم، إذا متنا فى سبيل شرائعه، سيقيمنا لحياة أبدية".




كان الأخ الثانى مستعداً لاجتياز الآلام ذاتها ولم يستطيعوا أن يثنوه عن عزمه هذا، ولكنه لم يتراجع حتى بعد أن قطع شوطاً من الآلام المريعة، هذا ويفيد تعبير نزعوا جلد رأسه مع شعره، أن نزع الجلد تم عن طريق شد الشعر بقسوة، وذلك بخلاف الأخ الأول كما مرّ بنا، وفيما هو مشرف على الموت صرّح للملك بأنه وإن كانت له سلطة فهى فإنما على الأجساد المرتبطة بهذه الدنيا، ولكن الله وهو ملك الملوك ورب الأرباب سيكافئه بحياة لا تفنى.
الحيـاة الأبدية:
هذه واحدة من المرات القليلة التى يرد فيها تصريح مباشر عن الحياة الأبدية، راجع أيضاً (دانيال12: 2 ،3) حيث يشير إلى اضطهاد أنطيوخس فى (دانيال 11) راجع أيضاً (2مكا 12: 38-46 و 14: 46) بينما وردت اشارة أخرى فى العهد القديم مثل (إشعياء 26 : 19 و أيوب 19: 26،27)، كما وردت إشارات أخرى فى السفر هنا تؤكد هذه العقيدة، حيث سيقوم الشهداء بقدرة الخلاّق (آية 23) ويقومون هم للحياة (آية14 قابل يوحنا 5: 29) يقومون لحياة أبدية (آية 9 ،36) هذا وقد ُنوقشت هذه العقيدة مرة أخرى عندما أرسل يهوذا يقدّم ذبيحة عن الأموات (12: 38-46).
لغـة آبائـه:
جاءت في العبرية (بلسان الآباء) وفي اليونانية (patriw fwnh = باللغة الأم) وُيقصد بها العبرية ويعتبرها اليهود "اللغة المقدسة" و "لغة السماء" و"لغة الوحي"، غير أنهم اضطروا إلى تعلّم الأرامية والتكلم بها جنباً إلى جنب مع العبرية إبان السبى، غير أن الجيل الثاني لجيل السبي ضعفت معرفته باللغة العبرية، ونلاحظ أنه عقب العودة من السبى وعند قراءة عزرا لسفر الشريعة على مسامع الشعب اضطر إلى ترجمة ما يقال إلى اللغة الأرامية حتى يفهم الشعب، إلا أن الأرامية كانت معروفة لدى اليهود قبل السبى كلغة للاتصالات الدبلوماسية مع الشمال مثل آشور وبابل، ولعلّ أول إشارة إلى ذلك جاءت فى (2مل 18 : 36 و إشعياء 36 : 10) عندما طلب مندوبو حزقيا الملك إلى ربشاقى قائد جيوش سنحاريب التكلم بالأرامية حتى لا يعرف الشعب ما يدور من نقاش، من هنا نشأ ما يسمى بـ "الترجوم" وهو كتاب من نهرين للأسفار المقدسة، أحدهما عبري والآخر أرامي، مثلما هو الحال الآن فى الكنيسة القبطية فى جميع كتب الليتورجية، أى عبارة عن نهرين قبطى وعربى.
هذا وقد استخدم كل من الأم وابنها بعض التعبيرات العبرية
(آية 21 ،27) وهو ما يتضح فى موضع آخر (12: 37 و 15: 29) وقد تكون نصوص محفوظة، وربما كانت لغتها الأساسية مع أولادها هي العبرية، هذا ويتضح لنا من النص أن الطاغية كان يكلمهم باليونانية..
هكذا رقد الثانى شهيداً عن طيب خاطر بعد تقطيع أعضاءه.
وقد كان الهدف من التعذيب بشكل عام قديماً وحديثاً، إمّا الحصول على المعلومات، أو العقاب على جرائم خطيرة مثل الخيانة. ولكن التعذيب إذا أفضى إلى نتائج لا علاج لها (مثل البتر) فيكون الهدف منه قطعاً هو أن يصبح الشخص عبرة للآخرين، ولذلك فإننا نجد أنه من الغريب هنا أن ُيمنح الثانى فرصة للتراجع عن أفكاره وعناده.
يقول كاتب سيرة الشهيد يعقوب المقطع: "حُرم من قدميه لكن نفسه كانت تسير بخطوات واسعة نحو الفردوس . . وُبترت يداه لكن أعماقه كانت تتسلم غنى نعمة الله الفائقة وشُوّه جسمه فى هذا العالم، فكان بهياً للغاية فى عينى الله وأعين السمائيين . . أخذ الملك منه موقفاً مضاداً، فظهر له ملك الملوك السيد المسيح وعزّاه وقواه فابتهجت نفسه(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175658&posted=1#_ftn13).



(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175658&posted=1#_ftnref1) يرد ذلك في كتاب المكابيين الرابع (4: 22 _ 5: 4) وهو كتاب غير قانوني، وكذلك كتاب جورجيوس كادرينوس Georgios Cadrenus وكتاب يوسيفون اليهوديYosefon (القرون الوسطى) الفصلين 18، 19 باعتبارها أحداث وقعت في أورشليم أو بالقرب منها، وكجزء من الاحداث المترتبة على نهب أورشليم، كما حاول بعض المفسرين استنتاج ذلك من (إرميا 15: 5_9).
(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175658&posted=1#_ftnref2) onomast.ed.Lagarde 140
(3) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175658&posted=1#_ftnref3) راجع Card Rampolla وفي جريدة Bessarione 1897 - تحرير Bevenot.
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175658&posted=1#_ftnref4) راجع ملاحظة إينيليو في منوراة هماؤور – شمعدان النور – لألنقاف 337:2
(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175658&posted=1#_ftnref5) يوجد لهذه القصة إشارات كثيرة جدا في الأجاداه اليهودية (راجع سونيس GVd 131 و أيضا في أعمال جاستر في الجزء الإنجليزي 196 ).
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175658&posted=1#_ftnref6) Nicene and P.N.F, vol. IV, P. 357. الرسالة 111 إلى فيكتوريانوس
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175658&posted=1#_ftnref7) تاريخ هيرودت ( 4 / 64).
(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175658&posted=1#_ftnref8) جدير بالملاحظة هنا أن هناك عدة تعبيرات فى اللغة العربية خاصة بهذا النوع من العقاب والتعذيب، فيقال "بتر ذراعه" أو جدع أنفه أو صلم أذنيه أو خمس عينيه أو قطع أو حزّ رأسه . . .الخ.
(3) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175658&posted=1#_ftnref9) زينوفون 1،9،13 Anab .
(4) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175658&posted=1#_ftnref10) هيرودوت: (4: 64 - 65).
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175658&posted=1#_ftnref11) هناك إشارة إلى مثل هذه العقوبة فى (إرميا 29 : 22) لاثنين من الأنبياء الكذبة صدقيا وآخاب (شخصيتان غير معروفتان) اللذين قلاهما ملك بابل بالنار، ومن المعروف أن عبادة النار كان يرافقها تقديم ضحايا بشرية.
(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175658&posted=1#_ftnref12) ولما أصبح عاجزاً تماماً(آية5): جاءت في الأصل العبري (مُرُسَّق أفاريم = مسحوق الأعضاء – مقطوع الأعضاء) وجاءت في اليونانية (acrhston = بلا فائدة).
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175658&posted=1#_ftnref13) قاموس أباء الكنيسة وقديسيها . القمص تادرس يعقوب (الجزء الخامس / ص 169 ـ 172).

st-athanasios
02-21-2009, 04:50 PM
إستشهاد الأخ الثالث

10 وبعده عذبوا الثالث، وأمروه فدلع لسانه لساعته وبسط يديه بقلب جليد، 11 وقال بشجاعة: "إنى من السماء أُوتيتُ هذه الأعضاء، وفى سبيل شرائعها أستهينُ بها، ومنها أرجو أن أستردها". 12 فبُهتَ الملك نفسه والذين معه من بسالة ذلك الفتى الذى يبال بالعذاب شيئاً.

إستمر الملك فى تعذيب هؤلاء الأبطال بنفس البشاعة، فلمّا جاء دور الإبن الثالث نظر إلى جلاديه مشيراً إلى أعضاء جسمه معلناً أنها هبة من الله، فليستردها الله بالكيفية التى يسمح بها، وهى لا تعني شيئاً سوى أنها وديعة لا يملكها، ولكن الله سيعيدها إليه فى شكل آخر لجسد نوراني ممجد، لا يجوع ولا يتألم ولا يفنى، ثم بسط (دلع) لسانه ويديه بقلب جليد (صابر) ففعلوا به كما حدث مع السابق وسط ذهول الملك وحاشيته من تلك الشجاعة النادرة، تماماً كما كان يحدث مع مضطهدي المسيحيين.


إستشهاد الأخ الرابع
13ولما فارق هذا الحياة، عذبوا الرابع ونَكَّلوا به بِمِثْل ذلك. 14 ولما أشرف على الموت، قال: "خير أن يموت الإنسان بأيدى الناس ويرجو أن يقيمه الله، فلك أنت لن تكون قيامة للحياة".



المقصود بأن يموت الإنسان بأيدى الناس، أن الأمر متعلق بهذا الجسد وهذه الحياة الفانية، أما من كان موته من قِبل الله فسيكون هلاكه أبدياً " لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها بل خافوا بالحرى من الذى يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما فى جهنم" (متى10: 28) ،بل أن الله قادر أن يحوّل اضطهاد الناس إلى بركة، وعوض الجسد الترابي سيرث الملكوت بآخر نورانى ممجد.
ورغم توبيخ الفتى لأنطيوخس إلاّ أن الأخير تمادى فى تجبره وشروره إذ لحقت عذاباته ببقية الأخوة وأمهم. ولكن الله كان عجيباً فى محبته لهم فسواء الذين خلصوا من العذاب ولم يحرقوا مثل دانيال والفتية الثلاثة وغيرهم، أو هؤلاء الذين تركهم ليبذلوا حياتهم حباً به.. فالمهمّ هو المكافأة الأبدية.

يقول القديس أغسطينوس " لا تخف . . فقط إعمل ما يأمرك به وإذا لم يخلصك جسدياً فهو سيخلصك روحياً، فهو الذى أخرج من النار الفتية الثلاثة، هل أخرج المكابيين من النار؟ ألم يُنشد الأولون (الفتية الثلاثة) الألحان فى وسط اللهيب بينما هلك المكابيون فى اللهيب؟ ألم يكن إله الفتية هو إله المكابيين؟، الواحد خلّصه والآخر لم يخلّصه؟ كلاّ لقد أنقذ كليهما !! لكن الفتية الثلاثة أنقذهم هكذا حتى تحيّر الجسدانيون لكن المكابيين لم ينقذهم هكذا، لأن هؤلاء الذين اضطهدوهم سوف يجوزوا عذاباً أعظم، إذ بينما اعتقدوا أنهم قد تغلبوا على شهداء الله: تغلب الشهداء عليهم ! ، لقد خلُص بطرس عندما أتاه الملاك فى السجن وقال انهض عاجلاً وانقذه الله، فهل فقد بطرس برّه عندما لم ينقذه الله من الصليب؟ ألم ينقذه آنذاك؟ لقد خلص وقتها، هل صار أثيماً فلم يسمعه كما فى الأول؟ . . لقد أرسله الله أخيراً إلى هناك (الأبدية) حيث لا يمكنه أن يعانى من أى شر. (3) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175663&posted=1#_ftn1)

إستشهاد الخامس
15 ثم ساقوا الخامس وعذبوه. 16 فحدق إلى الملك وقال: "إنك بما لك من السلطان على البشر، مع أنك قابل الفساد، تفعل ما تشاء. ولكن لا تظن الله قد خذل ذريتنا. 17 إصبر قليلاً فترى قدرته العظيمة، كيف
يعذبك أنت ونسلك".

إن للملك سلطان على الأجساد ليس من قبل الله بالطبع، لأن الله وهبه السلطان ليفعل الخير وينشر العدل فى مملكته لا لكي يذلّ أولاد الله، ومع ذلك فهو لن يستطيع القضاء على الأمة، بل لقد أسهم الاستشهاد فى جميع عصوره فى ازدهار الأمة، وتزايد عدد المسيحيين وحملهم على التمسك أكثر بالله، وصرف أذهان الناس عن الاهتمامات الرديئة جاذباً أنظارهم نحو السماء، إن الملك قابل للموت والفساد ولكن الله سرمدى، سمح للملك بتبكيت الشعب من جهة ومن جهة أخرى أسهم فى منحهم الأكاليل.
وقد مات أنطيوخس بالفعل شر ميتة (راجع تفاصيل ذلك فى
1مكا6: 12 ،13 و 2مكا 1: 11-17) وكذلك حدث مع كل ملك من العائلة السلوقية خلفاؤه، فلكل منهم قصّة مؤلمة فى نهايته، وقد طارد أحدهم الآخر وقتلوا بعضهم بعضاً، ونفى البعض وهرب البعض الآخر، حتى آلت دولتهم إلى الرومان فى النصف الثانى من القرن الأول قبل الميلاد.
يقول القديس أمبروسيوس: " لقد فضّل الشهداء الموت على العبودية والخزى، ماذا أقول عن آلامهم؟ دعنا لا نذهب بعيداً، ألم ُيحرز أبناء المكابيين انتصارات على الملك أنطيوخس المتكبّر، فى مثل عظمة انتصارات آبائهم؟ لقد كان هذا الملك مسلحاً ولكنهم قهروه بدون أسلحة جماعة الأخوة السبعة وقفت غير مقهورة مع أنهم محاطون بجحافل الملك، إلاّ أن التعذيبات فشلت، والمعذبون توقّفوا، ولكن الشهداء لم يفشلوا، إن أحدهم إذ دعوه يخرج لسانه لكى يقطعوه، أجاب "إن الرب لا يسمع أولئك الذين يتكلمون فهو سمع لموسى عندما كان صامتاً، أنه يسمع الأفكار الصامتة لخواصه، أفضل من أصوات الآخرين كلهم، أتخشى سوط لسانى ألا تخشى صوت الدم المسفوك على الأرض؟ الدم أيضاً له صوت به يصرخ جهراً إلى الله كما حدث فى موت هابيل".

إستشهاد الأبن السادس
18 وبعده ساقوا السادس، فلما أشرف على الموت قال: "لا تَغتَرَّ بالباطل، فإننا نحن جلبنا على أنفسنا هذا العذاب، لأننا خطئنا إلى إلهنا، ولذلك جرى لنا ما يقضى بالعجب. 19 وأما أنت فلا تحسب أنك تبقى بلا عقاب، بعد أن أقدمت على محاربة الله".



لعل الشهيد السادس هو أكثر من نطق الله على لسانه بالكثير من الُدرر فى هذا السياق، إنه يؤكد إن هذا الاضطهاد ليس نصرة لأنطيوخس
ـ لئلا يغترـ وإنما هو تأديب من الله بسبب خطايا الأمة. هذا وقد لاقى اليهود على مدار تاريخهم الكثير من الاضطهادات ولكن أكثر تلك الاضطهادات كان قومي أو سياسي، مثلما لاقوا من الأشوريين والبابليين وفى مصر أيضاً، ولكنها المرة الأولى التى يتعرّضون فيها للتعذيب على هذا النحو بسبب العقيدة مما يعنى أن الاضطهاد ديني بالدرجة الأولى، وكان الملوك السابقين الذين احتلّوا أورشليم أو الذين سبوا سكانها إلى بلادهم، يفسحون لهم المجال ليعبدوا إلههم ويقيموا شرائعهم، حتى أن التلمود البابلى فاق فى أهميته نظيره الذي ُكتب فى أورشليم !.
ولقد اعتبر هذا الشهيد أن أنطيوخس إنما يحارب الله وليس اليهود، لأن اليهود فى إصرارهم هذا يتمسكون بوصايا إلههم، ولذلك فإن الله وإن سمح لهم بالموت إلاّ أنه لن يترك أنطيوخس دون عقاب ". . . فيا بنى لا تحاربوا الرب إله آبائكم لأنكم لا تفلحون" (2أخ 13: 12) هكذا يقول أيضاً غمالائيل معلم الناموس: ". . وإن كان مِن الله فلا تقدرون أن تنقضوه لئلا ُتوجدوا محاربين لله أيضاً " (أعمال 5: 39). وقد كانت أقوال الفتى السادس هنا بمثابة نبوءة عما سيجرى لأنطيوخس، فعند موت الأخير قال " الآن أتذكّر المساوئ التى صنعتها فى أورشليم وكيف أخذت آنية الذهب والفضة التى كانت فيها وأرسلت لإبادة سكان اليهودية بغير سبب. فأنا أعلم بأنى لأجل ذلك أصابتنى هذه البلايا. وها أنا أموت بغمّ شديد فى أرض غريبة (1مكا 6: 12 ،13 راجع أيضاً (2مكا 1: 11-17).

الأم تشجع أولادها وتعبر عن فرحها

20 وكانت أمهم أجدرهم جميعاً بالإعجاب والذكر الحميد، فإنها عاينت بنيها السبعة يهلكون فى مدة يوم واحد، وصبرت على ذلك بشجاعة، بسبب رجائها للرب. 21 وكانت تُحَرَّضُ كلا منهم بلغة ىبائها، وهى ممتلئة من المشاعر الشريفة، وقد أضفت على كلامها الأنثوى بسالة رجولية، فكانت تقول لهم: 22"لست أعلم كيف نشأتم فى أحشائى، ولا أناوهبتكم الروح والحياة، ولا أنا نظمت عناصر كل منكم. 23 ولذلك فإن خالق العالم، الذى جبل الجنس البشرى والذى هو أصل كل شئ، سيُعيدُ إليكم برحمته الروح والحياة، لأنكم تستهينون الآن بأنفسكم فى سبيل شرائعه".



لم يتبق الآن سوى الأخ الأخير ولعله أصغرهم سناً، وإنّا نتعجب كثيراً كيف تجلّدت هذه الأم واحتملت كل ذلك على مرأى ومسمع منها، ويقول الكتاب أن ذلك بسبب رجاءها الشديد فى الرب ولكونها ناظرة إلى لا ما يرى، بل كانت ترى فى عذاب أولادها تمجيداً لهم، وفى موتهم من أجل الله اكليل شهادة وحياة أبدية، لقد كانت تمتلك شجاعة تعوز الكثير من الرجال الذين يخرّون تحت أقل الضغوط، لقد كانت تشعر أنهم ليسوا ملكاً لها بل وهبها الله إياهم وكونهم فى رحمها وليس لها فضل فى حياتهم، بل أن خالق الجنس البشرى هو القادر أن يهبهم حياة من جديد وإنما حياة أبدية خالدة معه، راجع (أيوب 1: 8-12 و مزمور 139: 13-15 و جامعة 11 ؛ 5).



الروح والحياة (آية 22):
من الملفت استخدام التعبيرين معاً، وهل هناك فرق بين كل منهما، فقد تكون الروح هى النسمة التى وهبها الله للإنسان حسبما ورد فى (تكوين 2 : 7) بينما الحياة صفة تشترك فيها جميع الخلائق، ومع ذلك فإن الحياة تأتى نتيجة للروح، ولكن الحيوانات والطيور والأسماك وغيرها لها نفس وليس روح، وبالتالى فهى تفنى بمجرد موتها (انفصال النفس عن الجسد) وهكذا ُتطلق صفة الروح على النفس البشرية العاملة المفكرة والمبدعة والتى على صورة الله.
ولا أنا نظمت عناصر كل منكم: جاءت في الأصل العبري للآية هكذا (ومادة كل أحد لم أصورها أنا) وكلمة مادة الواردة في الأصل العبري هي كلمة (حومير) والتي تعني (مادة – عنصر – طين – قش – صلصال)، وربما تكون بذرة الجنين الأولى المعروفة بالزايجوت.وجاءت باليونانية هكذا kai thn ...... stoiceiwsin ouc egw dieruqmisa = ومادة .... لم أشكلها بشكل مناسب). أي أن الأم ليست هي المسئولة عن خلق وتصوير وابداع الأعضاء البشرية بالكيفية الممتازة هذه، بل هي مجرد حاوية لما يعمله الله. وجاءت باللاتينية في الفولجاتا هكذا (membra non ego compegi) وتعني (والأعضاء لم أقسّمها أنا) وبالإجمال فإن الفكرة هنا مطابقة تماما لما ورد في: (مزامير 139: 13 – 17 و أيوب 10: 8 – 12).

هذا وقد أثنى الكثير من آباء الكنيسة العظام على هذه الأم العظيمة وخصّوها بالكثير من المديح والاطراء. فيقول القديس أغسطينوس فى تناوله لأمثلة فى الثبات:
" لكن بما أننا نتكلّم هنا عن احتمال الآلام والمعاناة الجسدية، أعبر من هذا الرجل (أيوب البار) العظيم دائماً وغير المقهور أبداً: هذه حالة رجل، لكن هذه الكتب المقدسة (المكابيين) تقدم لى امرأة لها ثبات ُمذهل، ويجب على أن أدخل حالاً إلى الحديث عنها، هذه المرأة وبصحبتها سبعة أبناء سمحت للمستبدّ الجلاد أن ينتزع أعضائها الحيوية من جسمها بدلاً من كلمة بذيئة من فمها، مشجعة أبناءها بحثهّا إياهم، مع أنها عانت من تعذيب أجسامهم، بل هى نفسها خضعت إلى ما دعتهم إلى احتماله، أيّ صبر يمكن أن يكون أعظم من هذا ؟ وإلى الآن مالنا نندهش من ُحب الله المزروع فى قلبها وتحملها ظلم المستبد والجلاد والألم ، وطبيعتها كإمرأة والعاطفة الطبيعية؟ ألم تسمع "عزيز فى عينى الرب موت أتقيائه" (مزمور166 : 15) ألم تسمع " البطئ الغضب خير من الجبار" (أمثال 16 : 32) ألم تسمع "مهما نابك فاقبله و كن صابرا على صروف اتضاعك، فإن الذهب ُيمحّص في النار، والمرضيين من الناس يمحّصون في آتون الاتضاع " (سيراخ 2: 4 ،5) كل هذا قد عرفَته (هى).
والكثير من النصائح الأخرى للثبات ُكتبت فى هذه الكتب التى وحدها كانت موجودة فى ذلك الوقت بنفس الروح القدس الذى يكتب ذلك فى العهد الجديد (1 (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175663&posted=1#_ftn2)) . وفى موضع آخر عند الحديث عن الطاعة لله أولاً ثم الوالدين ثانياً، يقول: لاحظ أم المكابيين تقول "يا أبنائى أنى لست أعلم كيف نشأتم فى أحشائى (آية22) يمكننى أن أحبل بكم، أن ألدكم استطيعه، لكن أن اُنشئكم هذا لا أستطيعه، اسمعوا له (لله) إذاً، فضلّوه عنى لا تزعجوا أنفسكم بأنه ينبغى لى أن أبقى هنا بدونكم هكذا أمرتَهم وهم أطاعوها. ما علمته هنا الأم لأطفالها علَمه الرب يسوع المسيح لذاك الذى قال له "ابتعنى". (2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175663&posted=1#_ftn3)
أماّ القديس جيروم فيقول فى الرسالة إلى كروماتيوس وجوفينوس ويوسابيوس:
" أحيي أمك وأمى بالتقدير الذى ُاكنه لها كما تعرف، مرتبطة معكم كما فى حياة مقدسة، هى عندها بدايتكم يا أولادها القديسين إنها أمكم، أحي معها أخواتكن اللواتى يُرحّب بهن حيثما يذهبن، لأنهن قد انتصرن على طبيعتهن والعالم، وينتظرن مجىء المسيح العريس مصابيحهن مُلئت ثانية بالزيت. سعيدة هى الدار التى هى بيت الأرملة حّنة وبيت عذارى هنّ نبيات، وتوأم صموئيل الذى تربى فى الهيكل! محظوظ السقف الذى يظلل الشهيدة أم المكابيين مع أبنائها حولها كلهم لابسون إكليل الشهادة! فعلى الرغم من أنكم تعترفون يومياً بالمسيح بحفظ وصاياه، إلاّ أنكم أضفتم إلى مجدكم الخاص هذا مجداً عاماً بالاعتراف العلني لأنه من خلالكم أبعد ُسم البدعة الأريوسية سابقاً من مدينتكم(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175663&posted=1#_ftn4).
وأما القديس باسيليوس الكبير فيقول فى الرسالة السادسة حيث يبدو من السياق أنها موجهة إلى أم فقدت ابنها:
" دعونا نقبل ما حدث لأنه من يقبل أن يقاوم إرادة الله، فالرب الآن يختبر حبك له، هناك الآن فرصة لك من خلال صبرك أن تأخذي نصيب الشهداء، فإن أم المكابيين رأت موت بنيها السبعة بدون تنهّد، بدون حتى أن تذرف دمعة بلا قيمة، وشكرت الله لأنها رأتهم يتحررون من قيود الجسد بالنار والحديد والضربات الشريرة، وربحت المديح من الله والشهرة وسط الرجال إن الخسارة كبيرة، كما يمكننى أنا نفسى أن أقول، ولكن عظيمة أيضاً المكافآت الممنوحة من الرب لمن يصبر(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175663&posted=1#_ftn5).
ويطوّبها القديس أمبروسيوس قائلاً: " ماذا أقول عن الأم التى بالبهجة نظرت جثث أطفالها كأكاليل كثيرة كجوائز الانتصار، ووجدت لذة فى أصوات أبنائها المحتضرين، كما فى أغانى المغنيين، وكأنّ أولادها هم نغمات القيثارة المجيدة من داخل قلبها، وانسجام للحب أحلى من أى نغم يمكن أن يعطيه العود(3) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175663&posted=1#_ftn6).

الملك يحاول إغراء آخر الأخوة المكابيين
24 وظن أنطيوخس أنه يسخر به ورأى فى هذا الكلام إهانة، فأخذ يحرض بالكلام أصغرهم الباقى، بل أكد له بالقسم أنه يغنيه ويسعده، إذا ترك سُنَنَ آبائه، ويتخذه صديقاً له ويُقَلدُه المناصب. 25 إلا أن الفتى لم يصغ لذلك البتة، فدعا الملك أمه وحثها أن تشير على الفتى بما يؤول إلى خلاصه. 26 فانحنت عليه واستهزأت بالطاغية العنيف، وقالت بلغة آبائها: "يا بنى أرحمنى أنا التى حملتك فى أحشائها تسعة أشهر، وأرضعتك ثلاث سنوات، وعالتك وبلغتك إلى هذه السن وربتك. 28 أسألك يا ولدى أن أنظر إلى السماء والأرض، وإذا رأيت كل ما فيهما، فأعلم أن الله صنعهما من العدم، وان جنس البشر هو كذلك. 29 فلا تخف من هذا الجلاد، بل كن جديراً بإخوتك وأقبل الموت لألقاك مع إخوتك بالرحمة".
يتحول الملك هنا من الوعيد إلى الوعد، ومن التهديد الى الملاطفة والاغراء، فها هوذا بعد أن فشلت طرق التعذيب الرهيبة فى التأثيرعلى الاخوة الستة ولا الباقين، وقد رفض الابن الصغير العروض السخيّة التي يسيل لها لعاب الكثيرون، والتى من أجل اليسير منها ترك آخرون إلههم سعياُ وراء مجد زائل. وهو النهج الذى انتهجه أيضاً مضطهدي المسيحيين فى القرون الأولى حين كانوا يعرضون المناصب الرفيعة على الشهيد بينما يعدون الآخرين بالزواج والمال، وهوذا أنطيوخس هنا يعرض عليه ما هو أكبر إذ يتخذه "صديقاً للملك" وهى رتبة كبيرة كما أسلفنا مُنحت لـ فيلبس ونكانور وهما من كبار ضباطه.

ولكن التعزية التى ملأت قلوب الشهداء، وكذلك المجد الذى انفتحت عليه أعينهم فى السماء، وهم ما يزالون فى الأرض وتحت وطأة التعذيب والإهانات .. كل ذلك جعلهم يستخفّون بمثل تلك العروض.
حينما حاول الملك توسيط الأم لدى ابنها (آية25) لكى يخلص، لم يكن يقصد خلاص نفسه بالطبع بل خلاصه من ذات المصير الذى آل إليه اخوته من التعذيب والموت، وفيما ظن الحاضرون أنها انصاعت لرغبة الملك وتوسلاته، إذ بها تشجعه على أن يحذو حذو اخوته الذين سبقوه ليلحق بهم ويفوز بالإكليل، بل أنها اعتبرت موته شهيداً بفرح هو رحمة بها واكراماً لها، وعليه أن ينظر لجميع ما حوله ليرى ويدرك أن الله هو خالق العالمين.

فأعلم أن الله صنعهما من العدم (آية 28): جاءت في اليونانية (ex ouc ontwn) وجاءت في المخطوطات اليونانية والفولجاتا اللاتينية والآرامية بدلا من النسخة الشائعة هكذا: ( ouc ex ontwn = من أين) وفي الفولجاتا(ex nihilo). والمقصود هنا سؤال بقصد الإستنكار وتوضيح "من أين جاء أصل العالم" ؟! فتكون الإجابة الإعجازية: "من العدم". وهو الشيء الذي كثيرا ما ورد في حوارات الربيين مع الكفرة. قال أحد الفلاسفة للربي غمالائيل: " لقد كان إلهكم خالق عظيم لكنه وجد مادة عمل منها الأشياء ... و أودع فيها الروح بقوة ...." ونجد لدى بعض النتأغرقين من اليهود ايمانهم أن العالم ُكوّن من مادة أولية مثل قول فيلون: ( إن العالم خُلِقَ ex amor fou ulhV من مادة هيولية).
ولعلّه فى هذه الآية أول تأكيد صريح لخلق الله كل شىء من العدم، راجع (إشعياء24:44) ففى إشارة الأم إلى أن الله قد خلق كل شىء من العدم تأييد هام لفكرة خلق الله للمادة والتى منها خلق جميع الأشياء بعد ذلك، وعلى هذا يعلق العلامة أوريجانوس قائلاً: " هكذا تعلّمنا أم المكابيين الشهداء السبعة" (1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175663&posted=1#_ftn7).
هذا وقد ثار نقاش فلسفى كبير بين الفلاسفة الوثنيين قبل الميلاد، حول الخلق وهل تم من مادة موجودة أم من العدم، بحيث خلق الله المادة أولاً ومنها خلق كل شئ، ولكن الأمر ُيحسم هنا فى مواجهة المتشككين من اليهود المهلّنين (المتأثّرين بالفلسفة اليونانية) وكذلك اليهود الذين بدأوا فى اعتناق الفكر الصدوقى، ولذلك فإن عبارة ex duk onton والتي وردت في المخطوطات اللوسيانية تعني: "مما لم يكن" (آية 28) وكذلك العبارة اللاتينية ex nilulo تعنى: " من لا شيء" . ومن ثم أصبحت عقيدة الخلق من العدم أساسية فى الإيمان المسيحى، وهكذا وجد الشراح واللاهوتيون فى سفري المكابيين تعليماً عقائدياً وركيزة هامة.




(3) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175663&posted=1#_ftnref1) NPN F. S1 , voi v111, P. 77. تفسير مزمور 34
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175663&posted=1#_ftnref2) NPN F, S1, Vol. V1, P. 53. مقال فى مبادئ الكنيسة الجامعة (فصل 23 ، 43)
(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175663&posted=1#_ftnref3) NPN NPN F, S1, Vol. V1, P. 53. مقال فى مبادئ الكنيسة الجامعة (فصل 23 ، 43)العظة 50 فى دروس من العهد الجديد.
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175663&posted=1#_ftnref4) NPNF, s1, voi. V1, P. 10 الرسائل
(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175663&posted=1#_ftnref5) V111, P. 115 رسائله
(3) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175663&posted=1#_ftnref6) Ibid S2, vol.X,p.34 واجبات الإكليروس
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175663&posted=1#_ftnref7) ANF. Vol X, P. 307 الكتاب الأول / تفسير إنجيل يوحنا

st-athanasios
02-21-2009, 04:54 PM
ويقول القديس أغسطينوس تعليقاً على أن المخلوقات خلقت من العدم:
" لذلك فإن الله قد صنع كل الأشياء لا من مادة موجودة سابقاً، لأنه لم يكن شئ موجود مطلقاً، بل من العدم يقول القديس بولس . . "الذى . . . يدعو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة " (رومية 4: 17) ولكنه وبأكثر وضوح ُكتب فى سفر المكابيين: أنظر يا ولدى إلى السماء والأرض وإذا رأيت كل ما فيهما فأعلم أن الله صنع الجميع من العدم (آية 28) ومن هنا فقد ُكتب فى المزمور "لأنه أمر فُخلقت" (مزمور 148 : 5) وهكذا صنع كل الأشياء بكلمته وبأمره، يقول القديس بولس أيضاً " لأن منه وبه وله كل الأشياء" (رومية 11 : 26) (1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftn1).


الفتى يوبخ الملك

30 وما أن انتهت من كلامها حتى قال الفتى: "ماذا أنتم منتظرون؟ إنى لا أطيع أمر الملك، وإنما أطيع أمر الشريعة التى ألقيت إلى آبائنا عن يد موسى. 31 وأنت أيها المخترع كل شر على العبرانيين، إنك لن تنجو من يدى الله. 32 فنحن إنما نتألم من أجل خطايانا. 33 وإن سخط علينا ربنا الحى حيناً قلياً لمعاقبتنا وتأديبنا، فسيصالح عبيده من بعد. 34 وأما أنت أيها الكافر، يا أقذر كل بشر، فلا تتشامخ باطلاً ولا تعلل النفس بالآمال الكاذبة وترفع يدك على عبيده، 35 لأنك لم تنج إلى اليوم من قضاء الله القدير الرقيب. 36ولقد صبر إخوتنا على ألم ساعة، سعياً لحياة لا تزول، وسقطوا فى سبيل عهد الله. وأما أنت فسيحل بك، بقضاء الله، العقاب الذى تستوجبه بكبريائك. 37 وأنا كإخوتى أبذل جسدى ونفسى فى سبيل شرائع آبائنا، وأبتهل إلى الله أن لا يبطئ فى توفيق أمتنا وأن يحملك، بالمحن والضربات، على الاعتراف بأنه هو الإله وحده. 38 عسى أن يحل علَىَّ وعلى إخوتى غضب القدير الذى ثار على أمتنا بالعدل!" 39فحنق الملك لمرارة الاستهزاء فزاده تعذيباً على إخوته. 40وهكذا فارق الفتى الحياة غير مدنس، وقد وَكَلَ إلى الرب كل أمره. وفى آخر الأمر ماتت الأم بعد بنيها. 41 وكفى ما رويناه عن المَآدبِ الطقسية والتعذيبات المُبَرحَة.



مختـرع الشـر: تعبير شائع فى ذلك الوقت، ُاطلق أيضاً على الشيطان. وهكذا وبينما يدّعي أنطيوخس الألوهية، فإنه ُيوصف هنا بالشرير والمفكر بالشر والمتفنّن فيه " فى قلبه أكاذيب يخترع الشر كل حين. يزرع خصوما" (أمثال 6 : 14) وأيضاً " أما يضلّ مخترعوا الشر، أمّا الرحمة والحق فيهديان مخترع البر" (أمثال 14 : 22) وأيضاً لا تخترع شراً على صاحبك (أمثال 3: 29).
عبـرانيين: وأما هذا التعبير فقد استخدم للإشارة إلى اليهود فى السفر أكثر من مرة (راجع أيضاً 11: 13 و 15: 37) كما استخدم فى سفر يهوديت أكثر من مرة (يهوديت 10 : 12 و 12: 11 و 14: 18) ولكن مصطلح عبرانيين استخدم بالأكثر للإشارة إلى اليهود خلال الفترة من إبراهيم حتى حلم يعقوب حين تحول اسمه إلى إسرائيل، ومن ثم أطلق تعبير بنى إسرائيل على الشعب منذ ذلك الحين وحتى سبى بابل. ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم ُيستخدم تعبير يهود نسبة إلى يهوذا السبط الأكبر والأكثر فعالية.

يشير الشهيد هنا إلى أنه وبالرغم من أن الله يعاقب الأمة على خطاياها، وهو فى ذلك عادل (آية 38) إلاّ أنه سريعاً ما يفتقدها بالخير، كما أنه (أى الشهيد) لا يعدّ نفسه قديساً لكونه سيموت لأجل الله، وإنما هو يرضى بتأديب الله بشكر! مثل اخوته الذين صبروا على الآلام الحاضرة من أجل المجد العتيد.
أماّ الآمال التى يشير إليها هنا ويتعلق بها أنطيوخس فهى القضاء على العقيدة اليهودية، وتحويل البلاد إلى مملكة هيلينية ثقافةً وعقيدةً ولغةً، غير أن ذلك لن يتم له ـيصرح الشهيدـ فإن الله سيعاقبه ويثأر لدم الشهداء الأبرار.
هذا ويلخص الشهيد الأخير جميع الأفكار والدروس المهمة فى الأصحاح، لاسيما وأن الاضطهاد قد جاء على إسرائيل نتيجة خطاياه وهو ما ورد أيضاً فى (6: 12 – 16). ويقول التلمود في أحد أبوابه (سنهدرين 27 : 2) عن هؤلاء الشهداء: " لقد ماتوا بعد خطأ جمهور إسرائيل، إذن فإسرائيل كلها مسئولة عن هذا ".

وكان من الطبيعى أن يستاء الملك من جرأة الفتى وتصريحاته مما جعله يزيده آلاماً أكثر من السابقين. وأمّا الأم وبعدما اطمأنت على الكل وأنهم قد ماتوا أمناء من أجل الله والوصية، فقد قبلت الموت بفرح وراحة(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftn2) ولعلها تذكّرنا بالأم دولاجي والتى ُذبح أولادها على حجرها واحداً بعد الآخر، وحينما كان المضطهِدون يظنّون أنهم بذلك يرعبونها حتى ترجع عن إيمانها، كانت هى فى الحقيقة تسرّ لأنها كانت تخشى أن تضعف عزائهم إن ماتت هى قبلهم.




بعض من أقوال الأباء عن الشهداء المكابيين

نظر الكثير من الآباء إلى هؤلاء الشهداء باعتبارهم شهداءً مسيحيين قبل المسيحية، لأسباب عدة، منها الأمانة إلى حد الموت فى الشهادة لله وحفظ الوصية، ثم التشابه الكبير بين أساليب كل من الوعد والوعيد من قبل الحكام المضطهدين، ثم أساليب التعذيب ذاتها والتى اتصفت بالبشاعة والتمثيل بالأجساد قبل القتل، وفى المقابل البسالة والشجاعة التى لاقى بها الشهداء مثل ذلك الظلم، ثم التوبيخ ـ الناتج عن تلك الشجاعة ـ للمضطهدين، ولقد أثنى القديس بولس عليهم فى فجر المسيحية قائلاً " . . تقووّا من ضعف صاروا أشداء فى الحرب هزموا جيوش غرباء. أخذت نساء أمواتهن بقيامة (استعادت أم المكابيين أولادها بالقيامة) وآخرون عذبوا ولم يقبلوا النجاة لكى ينالوا قيامة أفضل (السبعة الشهداء) وآخرون تجربوا فى هزء وجلد ثم فى قيود أيضاً وحبس. وُرجموا ُنشروا ُجرّبوا. ماتوا قتلاً بالسيف طافوا فى جلود غنم وجلود معزى معتازين مكروبين مذلّين، وهم لم يكن العالم مستحقاً لهم تائهين فى برارى وجبال ومغاير وشقوق الأرض. فهؤلاء كلهم مشهوداً لهم بالإيمان لم ينالوا الموعد. إذ سبق الله فنظر لنا شيئاً أفضل لكى لا يكملوا بدوننا" (عبرانيين 11: 34-40).

الكنيسة الجامعة من الختان والغرلة
هكذا يجمع القديس بولس بين شهداء اليهود الذين من الختان والآخرين الذين من الأمم (الغرلة) حيث سيكُمل الفريقان معاً بالله. يقول القديس أغسطينوس تعليقاً على الآية " اللهم إن الأمم قد دخلوا ميراثك نجسوا هيكل قدسك، جعلوا أورشليم أكواماً دفعوا جثث عبيدك طعاماً لطيور السماء، لحم أتقيائك لوحوش الأرض، سفكوا دمهم كالماء حول أورشليم وليس من يدفن"(مزمور79:1-3) وهى الآية التي تعد بمثابة نبوءة عما سيحدث فى العصر المكابى، يقول "..هذه الأشياء ُعملت من قبل الأعداء الآخرين، قبل أن يجئ السيد المسيح بالجسد، فى ذلك الوقت كان الأنبياء القديسون عندما حدث السبى إلى بابل، وتلك الأمة قد تضررت بشكل كبير، وفى ذلك الوقت وتحت حكم أنطيوخس، أيضاً المكابيون بعدما تحمّلوا الآلام المروعة، تكللّوا بشكل مجيد، أو بالتأكيد بعد قيامة الرب وصعوده، وكذلك هؤلاء الذين تعذّبوا بأيدي عابدي الأصنام وأعداء السيد المسيح، وهكذا زخرت هذه الكنيسة بهذا الكم من الشهداء، إذا فهى ميراث الله، تجمّعت من الختان والغرلة، أى من شعب إسرائيل ومن بقية الأمم، بواسطة الحجر الذى رفضه البناؤون والذى أصبح رأس الزاوية (مزمور 118 : 22) (1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftn3)
أما القديس يوحنا ذهبى الفم تعليقاً على الآية "ولما أكمل يسوع أمره لتلاميذه الاثنى عشر انصرف من هناك ليعلم ويكرز فى مدنهم" (متى10: 1) فيقول: ماذا إذن هل كان الذين عاشوا قبل مجئ المسيح مخطئين؟ كما يظن البعض قد خلصوا، دون اعترافهم بالسيد المسيح لأن هذا لم يكن مطلوباً منهم، وإنما طلب منهم فقط ألاَ يعبدوا الأصنام وأن يعرفوا الإله الحقيقى، لأن الرب إلهنا قد قيل عنه "رب واحد" (تثنية 6: 4) لذا فإننا نعجب بالمكابيين لأنه بسبب مراعاتهم للشريعة عانوا ما قد عانوا (2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftn4) .
وفى حديثه عن معاملات الله مع شعب إسرائيل يقول: "حتى بعد السبى لم يتركك بل أعادك إلى حريتك وأعاد إليك الهيكل وشكّل حكومتك وكان هناك أيضاً أنبياء ثانية، بل حتى فى زمان سبيك لم يتركك دون أنبياء فهوذا دانيال وحزقيال وفى مصر إرميا وموسى فى الصحراء، ولكنك عدت إلى رزيلتك ثانية وانجذبت إلى النهج الإغريقي فى حكم انطيوخس الأثيم (دانيال 8: 14 و 1مكا4: 54) ولمدة ثلاث سنوات ونصف كنت مُسلماً إلى أنطيوخس ولكنه وبواسطة المكابيين رفعت تلك الكؤوس الساطعة البهية ثانية، وأما الآن فلا شئ من هذا.(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftn5)
وفى حديث طويل عن الشهداء المكابيين، يقول الشهيد كبريانوس فى مقالته إلى فرتوناتوس للحثّ على الاستشهاد:
"وهذه الأمور التى تواجه المسيحيين الآن ليست جديدة أو مفاجئة، حيث يتعرض الأبرار والأمناء على الدوام للضيقات والآلام الحادة من بدء العالم وحتى الآن. وها هم الأخوة السبعة رمز الكمال فى عددهم، لقد برهنوا على إيمانهم قدام أنطيوخس، نعم لقد تمثّل فى أنطيوخس هذا المسيح الدجّال (ضد المسيح) والذى طلب أن يلوّث أفواه الشهداء المجيدة غير المقهورة، عن طريق أكل حلم الخنزير، وإذ ضربهم بشدة بالسياط ولم يظفر بشئ أمر بأن تسخن أسياخ من حديد حتى توهّجت، وقد بدأ بالفتى الذى جعل من نفسه نائباً ومتحدثاً عنهم، وأمر بقطع لسانه ثم شيّه بالنار، حيث أثار الملك بقوة إيمانه وثباته فى الفضيلة، هذا الذى اعترف بالله فمجده الله، لأن اللسان الذى اعترف باسم الله أوجب على نفسه أن يمضى أولاً إلى الله. ثم فى الثانى أبتكر آلاماً أشدّ، حيث أنهم قبل أن يعذبوه فى أطرافه الأخرى نُزع عنه جلد وشعر رأسه ـ بدافع الغيظ بلا شكـ لأنه بما أن المسيح هو رأس الرجل والله هو رأس المسيح، فإن الذى قطع رأس الشهيد كان يضطهد الله نفسه والسيد المسيح فى هذا الرأس، لكن الأخ الثانى هذا وإذ وثق بشهادته واعداً نفسه بمكافأة الله بالقيامة، صاح قائلاً: " إنك أيها الفاجر تسلبنا الحياة الدنيا ولكن ملك العالمين، متى متنا فى سبيل شريعته فسيقيمنا لحياة أبدية ( آية9 ). وأما الثالث فإذ أوقفوه بادر ببسط لسانه إذ تعلم من أخيه أن يحتقر عذاب قطع اللسان، بل أنه قدّم يديه أيضاً لتُقطعا، وهو سعيد بهذا النمط من العقاب، إذ كانت قرعته أن يمد يديه على مثال الرب المصلوب، أما الرابع ففى فضيلة مماثلة احتقر التعذيب مجيباً لكى يُفحم الملك صارخاً بصوت سمائي: "حبذا ما يتوقعه الذى يُقتل بأيدى الناس من رجاء أقامة الله له أما أنت فلا تكون لك قيامة الحياة " (آية14). أما الخامس فبجانب وطئه تحت أقدام المعذبين وعذاباته الحارة المتعددة بقوة الإيمان منتعشاً أيضاً بعلم الغيب ومعرفة الأحداث المستقبلية (التنبؤ) بروح إلهى تنبأ إلى الملك، بقضيب الله والثأر الذى يتحتم أن يلبيه بسرعة شديدة: " أنك بما لك من السلطان على البشر مع كونك فانيا تفعل ما تشاء، ولكن لا تظن أن الله قد خذل ذريتنا. أصبر قليلاً فترى بأسه الشديد كيف يعذبك أنت ونسلك (آية 16) فأية راحة يجدها الشهيد وأى تخفيف عنه عندما ينظر إلى عذابه الخاص، بل وتنبأ أيضاً بعقوبات ُمعذّبه!. وأما السادس فعلينا ألاَ نستعرض شجاعته فحسب وإنما أيضاً تواضعه، لأنه لم يدع فضلاً لنفسه ولا عمل اعتبار لشرف اعترافه الخاص بكلمات عزيزة، وإنما بالأحرى نسب الاضطهاد الذى كان يعانيه من الملك إلى خطاياه هو، فى حين نسب إلى الله أنه سينتقم منه لاحقاً، وقد أثبت هذا الشهيد أن الشهداء متواضعون واثقون من انتقام الله نيابة عنهم، ولم يفتخر الشهداء بشئ فى معاناتهم، فيقول فى شهادته: لا تغترّ بالباطل فإن نحن قد جلبنا على أنفسنا هذا العذاب لأنا قد خطئنا إلى إلهنا، ولذلك وقع لنا ما يقضى بالعجب، وأما أنت فلا تحسب أنك تُترك هكذا بعد معاداتك لله.

st-athanasios
02-21-2009, 04:57 PM
وأماَ الأم الطوباوية والتى لم تهتز بسبب ضعف طبيعتها،ولا تزعزعت بسبب فداحة مصابها، وإنما نظرت إلى بنيها المحتضرون بابتهاج، ولم تحسب ما يحدث لهم عقاباً من الله بل أمجاداً، معطية نفسها ـ كامرأة عظيمة ـ شهادة لله بطهارتها مثل أولادها الذين أعطوا أنفسهم كشهود لله من خلال التعذيب وبتر الأعضاء.
فلما جاء دور الأخ الأخير، حاول الملك استمالته واسترضاؤه بالاغراءات بأمور هذا العالم، لعلّ رجوعه عن الاستشهاد يسكن غضب الملك نفسه! وتسكن قوته وشراسته باستمالته واحداً فقط منهم، بل طلب الملك إلى الأم التوسّط لدى ابنها فى هذا الأمر، ولكنها إذ أصبحت أم الشهداء متذكرة الشريعة والله ومحبة أبنائها، توسلت إلى ابنها ـ بشجاعة ودون ضعف ـ أن يعترف بالله! ساعية ألاّ ينفصل الأخ السابع عن اخوته فى تحالف المجد والفرح، وأرادت أن تقدّم السبعة كاملين كهدية لله لا العالم، ولذلك فقد حثّته وشجعته متوسلة إليه أن يرحمها وُيقدم على الاعتراف بالله والشهادة، لقد كانت الأم عظيمة حين حثّت ابنها على الفضيلة ومخافة الله، وفى إيمانها الصادق لم تَعد نفسها ولا ابنها بشئ من شرف الشهداء الستة ولا اعتقدت بأن صلوات الأخوة تنفع لانقاذهما ـ إذا أنكرا الإيمان ـ بل أقنعته أن يصبح شريكاً فى آلامهم حتى يوجد معهم فى اليوم الأخير. وفى النهاية استشهدت تابعة أولادها، إذ لم يكن ممكناً أن ترسلهم شهداء ولا تلحق بهم(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftn6).
وقد استشهد الشهيد كبريانوس مرة أخرى باستشهاد ألعازر والأخوة السبعة وأمهم فى الكتاب الثالث ضمن ثلاث كتب للرد على اليهود، فى أن ما نعانيه فى هذا العالم من آلام لا يقاس بالمكافآت التى وعد بها الرب(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftn7).


ويقول القديس أغسطينوس أن تعب هؤلاء المكابيين الشهداء لم يكن هباءً، ودون فائدة، كلاّ، فقد تمسّكوا بالشريعة والتقليد.(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftn8) وهو ما يردده أيضاً القديس جيروم فى رسالته إلى القديس أغسطينوس(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftn9).
وعن الأم يقول القديس أغسطينوس أيضاً: "لقد قرأ كلنا عن أم الفتية المكابيين، والتى كانت أكثر عثراً حقاً فى الفضائل عندما عانى أولادها أكثر من المعاناة فى الولادة، هكذا حثتهم على الثبات متكلمة بحكمة (كيف أن الله هو الذى تولى تكوين أجسادهم ونفوسهم فى رحمها، وهو خالق العالم وهو الذى سيعيد إليهم الحياة من جديد (آية 23) وكان القديس فى هذا السياق الرد على بدعة نشأة بخصوص الروح ومنشأها والأعضاء كذلك، فهى من الله وليس من الوالدين(3) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftn10).


قصة شهيده يهودية من التاريخ

يتحفنا تاريخ الكنيسة بقصة رائعة لشهيدة يهودية ماتت أيضاً فى سبيل محبتها لله وأمانتها للوصية، فقد اضطهدت كثيراً بسبب عفتها، وكانت تدعى حسنة، إذ تركها زوجها فى عهدة أخيه الصغير حتى يعود من تجارته فلما أراد ذلك الأخ أن يحملها على خيانة زوجها نهرته وأبت ذلك بشدة، ومن ثمّ أقام عليها شهود زور بأنها خاطئة فحكم عليها المجلس بالرجم، ولما ظنّوا أنها ماتت جرّوها من رجليها حتى المدافن حيث تركوها هناك دون دفن، غير أن أعرابياً صالحاً أنقذها واعتنى بها فى بيته، فلما طلب الزواج منها رفضت لكونها متزوجة، ولكن زوجة ذلك الأعرابى وبدافع الغيرة دبرت لها مكيدة إذ سعت فى أن يتزوجها عبد كان يعمل لديهم فلما رفضت أيضاً، قام ذلك العبد بقتل ابن الإعرابى ثم اتهمها بذلك، وقبل أن يهمّ الأعرابى ذاته بقتلها انتقاماً، أدرك فى الحال أنها مكيدة وأنها بريئة. ومن ثمّ فقد صرفها من عنده خوفاً على حياتها وأعطاها أربعين ديناراً. وبينما هى فى طريقها رأت رجلاً ُيساق إلى الصلب بسبب دين كان عليه بلغ مقداره: مقدار ما معها هى، فأعطته إياه وأنقذته من الموت.
ومضت هى بلا مال أو مأوى إلى أن آوتها سيدة فاضلة فى بيتها، وفى ذات يوم ُاصيبت السيدة بحمى فصلّت حسنة لأجلها فُشفيت، وجاء إليها قوم مرضى فصلت لأجلهم فنالوا الشفاء إلاّ واحداً كان مصاباً بالبرص هذا اعترف أمام الجميع أنه صنع ذنباً عظيماً إذ أراد التزوج من زوجة أخيه فلما رفضت أقام عليها شهود زور وتسبب فى قتلها رجماً، وكان أخيه يقف إلى جواره باكياً، فصلت لأجله إلى الله فشفى فى الحال، ولكن المفاجئة الكبرى أنها رفعت عنها غطاء الرأس قائلة للأخ الكبير أنا حسنة زوجتك . . لا تحزن، فذهل الرجل من المفاجأة، وعاشت معه بعد ذلك خمسة
عشر عاماً(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftn11).




مابين المكابيين والثلاثة فتية

يظن البعض أن النجاة من الأخطار أو الموت، أو اجتراح الآيات هى شرط حتمى لتعزيز قداسة إنسان وعلامة قبوله لدى الله، ولكن الذين قاموا من الموت على يد السيد المسيح ومن بعده التلاميذ ومن بعدهم القديسين، ماتوا أيضاً بعد ذلك! والذين اجترحوا المعجزات وشفوا مرضى عديدين مرضوا وماتوا، وكثير من القديسين تغلبوا على الوحوش والحيات، ولكن قديسين آخرين قتلتهم الوحوش والأفاعى سواء فى ساحات الاستشهاد، أو فى مناسكهم فى الغابات والجبال ولم ينتقص هذا من قداستهم فى شئ، كذلك فإن بعض أجساد الراقدين مازالت سليمة لم تتحلل رغم مرور مئات السنين على رقادهم، فى حين تحللت بقية الأجساد مع أنها أجساد شهداء وقديسين أيضاً، ولم يفصل هذا الأمر بين قوم وآخرين فى مسألة القداسة.
هكذا فقد كانت هناك حاجة إلى تناول ما حدث للفتية الثلاثة ودانيال من جهة، وما حدث للمكابيين الشهداء من جهة أخرى، وهل تميز الفتية على المكابيين لأنهم نجوا من الموت على يد المضطهد؟.
يقول القديس أغسطينوس: "أليس هو الله نفسه، من كان إله المكابيين وإله الثلاثة فتية؟ فهؤلاء أنقذهم من النار بينما المكابيون فنيت أجسادهم فى العذاب بالنار، ولكن إرادتهم بقيت صامدة فى حفظ الناموس، الفتية ُانقذوا علانية، بينما المكابيون تكلّلوا سراً ؟ إنه لشئ عظيم أن تُنقذ من لهيب جهنم ذاك أفضل من النجاة من آتون الاضطهاد البشرى(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftn12).
وفى موضع آخر يقول "إذا ماذا؟ هل الشهداء الذين تعرّضوا للوحوش المفترسة لتتصارع معهم، وتمزقوا بأسنان الوحوش الضارية، ألم يكونوا خاضعين لله؟ أو هل كان الفتية الثلاثة خداماً لله بينما لم يكن المكابيون خداماً لله؟ هل تعرّفت النار على هؤلاء الرجال الثلاثة كخدام لله فلم تحرقهم ولا آذت ملابسهم، بينما لم تتعرّف على المكابيين ؟ كلاَ، لقد تعرفت عليهم يا اخوتى، ولكنه هناك حاجة إلى السوط بإذن من الرب، لقد قال فى الكتاب المقدس "يجلد كل ابن يقبله" (عبرانيين 12 : 6) اتظنون يا اخوتى أن الحديد كان سيثقب الأعضاء الحيوية من جسد الرب ما لم يسمح له الرب بذلك، أو أنه كان سيعلَق موثقاً فى الشجرة (الصليب) ما لم تكن تلك إرادته، ألم يتعرف عليه مخلوق؟ أم أنه وُضع مثالاً للصبر للمخلصين له؟ أنظروا إذن فالله أنقذ البعض علانية، بينما أنقذ البعض خفية، ولكنه خلصهم جميعاً روحياً (خلّص أرواحهم) ولم يتخلّ عن أحد قط "(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftn13).
وفى تفسيره لسفر المزامير تعرض من جديد لهذا الأمر، حيث عَلق على الآية: " ُانظر إلى نفسى وبخّها من أجل أعدائى خلصني" (مزمور69: 18) قائلاً: يجب ألاّ نعبر سريعاً على هذه الآية، فهناك نوع من النجاة السريّة للرجال القديسين صُنعت لأجلهم خصيصاً، فإنه من الواضح أن هذا جُعل بسبب أعدائهم، إمّا لعقابهم أو لنجاتهم، لأن الله حقيقة لم ُينقذ الأخوة فى كتاب المكابيين من نيران المضطهد . . فى حين أن الفتية الثلاثة قد أنقذوا علناً من آتون النار، لأن أجسادهم أيضاً قد ُانقذت، فكانت سلامتهم علانية، وفى حين أن (الأخوة المكابيين) تكللوا سراً فإن الفتية ُانقذوا جهراً، كلٍ على أية حال خلص.. هناك إذن نجاة سرية وهناك نجاة علنية، السرية تعود على الروح والعلنية تعود على الجسد أيضاً مع الروح، لأن الروح تخلص سراً والجسد بشكل علني.. هكذا عندما قام الرب يسوع المسيح من الأموات وصعد إلى السموات آمن به أولئك الذين شكّوا عند موته . . . هكذا يقصد داود النبى
بـ "من أجل أعدائى خلصنى" لأن الأعداء لن يربحوا شيئاً إذا نجيت
روحى فقط " (2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftn14).
وتعليقاً على الآية "يدعوني فاستجيب له.معه أنا فى الشدة "(مزمور 91: 15) يقول القديس أغسطينوس أيضاً: " بينما تظن أن الله تركك لأنه لا ينقذك عندما تشاء فإنه ينقذك، لقد أنقذ الفتية الثلاثة من النار؟ هل الذى عمل هذا، تخلّى عن المكابيين؟ حاشا لله! لقد خلص كليهما: الأولون جسدياً حتى يخزى الكافرون، والآخرون روحياً لكى يحذوا المؤمنون حذوهم
" ُانقذه وأمجده " (1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftn15).
وفى النهاية يقول فى ردَه على فستوس المانوي: إن الرجال الأبرار الأقدمون والذين رأوا فى الأسرار التى كانت أيامهم وعند إعلان الإيمان فى المستقبل، إذ مكنتهم تقواهم من أن يتبينوا فى ضوء النبوة الخافت، والذى به عاشوا "لأن البار بالإيمان يحيا" (رومية 1 : 17) إذاً فهؤلاء الأبرار كانوا مستعدين أن يعانوا، بل أن العديد منهم عانى فى الحقيقة، كل محاكمات التعذيب القاحل لأجل تلك الأسرار الرمزية التى تنبأت عن أشياء فى المستقبل.. أننا نشعر بالإعجاب الشديد تجاه المكابيين الذين رفضوا أن يمسّوا الطعام الذى يتناوله المسيحيون بشكل قانوني، هكذا أكثر بكثير يجب على المسيحى فى أيامنا هذه أن يكون مستعداً أن يعانى كل الآلام، لأجل معمودية السيد المسيح وافخارستيا المسيح وصليبه المقدس، إذ أنها براهين تحقيق ما أشارت إليه النبوات (الأسرار) القديمة أنه سيتحقق فى المستقبل(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftn16).




(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftnref1) NPEF. S1, vol. Iv, P. 357.

(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftnref2)لم يذكر هنا شئ عن كيفية استشهاد الأم، ولكن تفاصيلاً كثيرة عن ذلك وردت فى كتاب المكابيين الرابع، وكذلك كتاب (يوسيفون) والذى يرجع للعصور الوسطى.

(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftnref3) NPNF, s1, vol. V111, P. 301.تفسير سفر المزامير


(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftnref4) NPNF, S21, vol. X, P. 241.


(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftnref5) NPNF, S1, vol. X, P. 241.


(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftnref6) ANF, Vol. V, P. 502-505. الأطروحة الحادية عشر


(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftnref7) Ibid, P 539.


(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftnref8) NBN.F, S1, Vol. 1, P. 274. رسائل بين القديس أغسطينوس والقديس جيروم /رسالة 40


(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftnref9) Ibid, S1, Vol. 1 , P. 340. رسائل القديس أغسطينوس


(3) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftnref10) NPNF, S1, Vol. V, P. 324.

(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftnref11)قاموس آباء الكنيسة وقديسيها / القمص تادرس يعقوب / الجزء ح-ص / ص19-22 .


(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftnref12) NP.NF. S1, Vol. V11, P . 80 عظات على إنجيل يوحنا (يو2: 23-25 ؛ 3: 1-5 )



(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftnref13) NPNF, S1, Vol V11, P. 509.العظة الثامنة على (يوحنا الأول 4: 12-16)


(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftnref14) Ibid, Vol V111, P. 306.


(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftnref15) Ibid, P. 381.


(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175683&posted=1#_ftnref16) NPNF, S1, Vol. IV, P. 244.

st-athanasios
02-21-2009, 08:35 PM
الأصحاح الثامن


بدايات الثوره المكابية
1مكا 3 : 1 – 4 : 26
إكتملت سلسلة الاضطهادات السلوقية من نشر الهيلينية بالقوة ونهب الهيكل إلى التعذيب والقتل من أجل الإيمان، وعند هذا الحد كان من الضرورى أن يأخذ الغيوريين من اليهود على عاتقهم دفع تلك الشرور وقيادة الأمة لتصحيح المسار ومواصلة المسيرة. وعندما بدأ يهوذا المكابى وجد تعاطفاً وتجاوباً كبيراً مع دعوته. فاستطاع بعد عدة معارك خاطفة إيقاع الرعب فى قلوب السلوقيين. وكانت تلك هى بداية الحقبة المكابية.


يهوذا الماكبى والغيرة المقدسه


1وكان يهوذا المكابى ومن معه يتسللون إلى القرى ويدعون إليهم أبناء جنسهم ويضمون إليهم الذين ثبتوا على دين اليهود، حتى جمعوا نحو ستة آلاف. 2 وكانو يبتهلون إلى الرب أن ينظر إلى الشعب الذى أصبح يدوسه كل أحد، ويعطف على الهيكل الذى دنسه الكافرون، 3ويرحم المدينة المتهدمة والتى أشرفت على الزوال، ويُصغى إلى صوت الدماء الصارخة إليه، 4ويذكر إهلا الأطفال الأبرياء ظلماً والتجاديف على أسمه،
ويُظهر بُغضه للشر.



أقربائهم: جاءت في اليونانية ( suggeneiV: أي من أبناء اسرهم) ويؤكد هذا المعنى الكلمة الواردة في الترجمة اللاتينية الفولجاتا (Propinquos أو Cognatos) ونرى من سياق النص هنا أن الباقين في اليهودية كدين كانوا ستة آلاف شخص، وطبقا لما ورد في (1مكا6:4) نرى أن الذين اشتبكوا في القتال مع جرجياس من جيش يهوذا ثلاثة آلاف، مما يعني استعفاء نصف قوته بسبب الخوف .
بعد أن هرب يهوذا المكابي ومن معه إلى الجبال (5 : 27) بدأوا فى حشد الغيورين من الشعب من أجل تنسيق المقاومة ضد هذا الخطر الذى زحف على الأمة، وقد وجدوا مناصرين كثيرين كانوا فيما يبدو ينتظرون مَن يقودهم فى تلك الحرب المقدسة (1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175688#_ftn1)، حيث جعلوا هدفهم منذ البداية ودافعهم هو إنقاذ الشعب من الضلال وإعادة الكرامة والطقوس إلى الهيكل، وصيانة المدينة المقدسة أورشليم. ولذلك فهى حرب مقدسة فى منشأها، وإن كانت قد انحرفت عن هذا الهدف بعد ذلك، حين برزت الأهداف
السياسية والتوسعية.
الدماء الصارخة إليه:
إنها بالتأكيد دماء الشهداء المكابيين (ألعازر والأم وبنيها السبعة ثم استشهاد السيدتين مع ابنيهما اللذين ختناهما) والتى صعدت إلى قدام الله، فسمع لصراخهم ونزل وخلصهم كما سيجيئ لاحقاً " .. وتنهّد بنو إسرائيل من العبودية وصرخوا فصعد صراخهم إلى الله من أجل العبودية. فسمع الله أنينهم فتذكر الله ميثاقه مع إبراهيم واسحق ويعقوب ونظر الله بنى إسرائيل وعلم الله " (خروج 2: 23 ،24) ومرة أخرى سنقرأ فى سفر الرؤيا كيف صرخ الشهداء من جديد إلى الله " . . رأيت تحت المذبح نفوس الذين قتلوا من أجل كلمة الله ومن أجل الشهادة التى كانت عندهم وصرخوا بصوت عظيم قائلين حتى متى أيها السيد القدوس والحق لا تقضى وتنتقم لدمائنا من الساكنين على الأرض . . " (رؤيا 6: 9 ،10). وفى حين انتقم الله للشهداء المكابيين فى العصر المكابى ذاته، فإن أكبر انتقام أجراه الله لشهداء سفر الرؤيا هو أن بعض مضطهديهم قد استشهدوا مثلهم فجاءوا هم الآخرين واخذوا ثياباً بيض مثلهم ورقدوا إلى جوارهم ! ! مثل لونجينوس وأريانوس وغيرهم (رؤيا 6 : 11).
هذا ويلاحظ أن هذه الصلاة قد جاءت عقب صلاة الأخ السابع بين الشهداء المكابيين فى الأصحاح السابق (7 : 38) ولاحقاً سيدرك المحاربون كيف أسهمت دماء هؤلاء الشهداء فى الانتصار (آية 28).

وهكذا تحددت دوافع الثورة المكابية وتبلورت (آية 2-4):
1ـ الشعب الذى صار مدوساً.
2ـ الهيكل الذى دنّسته الأمم.
3ـ أورشليم المدينة التى تهدّمت.
4ـ دماء الشهداء الذين ُقتلوا.
5ـ اهلاك الأطفال الأبرياء (الذين ُختنوا).
6ـ التجاديف على اسم الله.
7ـ الشر الذى استشرى بشكل عام. (راجع 1مكا 2).



بواكير الثوره الماكبيه

1 مكا 3 : 10 - 26




5 ولما أصبح المكابى على رأس جيش، لم تعد الأمم تثبت أمامه، إذ استحال سخط الرب إلى رحمة. 6 فجعل يفاجئ المدن والقرى ويحرقها، حتى إذا استولى على مواقع توافقه، هزم الأعداء الكثيرين. 7 وكان أكثر غاراته فى جنح الليل، فذاع خبر شجاعته فى كل مكان.



هنا عرض مختصر لأعمال يهوذا المكابى، ولعل الأصحاحات السبعة السابقة كانت تمهيداً ضرورياً لإبراز حتميّة قيام المكابى بما هو آت، فها قد تبلورت الثورة المكابية وصار لها جيش، ومن ثم بدأ يهوذا فى شن حملات خاطفة فى عمل عسكرى محلّى وفى مواقع منفصلة، كانت أشبه بغارات ليلية، حيث كان لعنصر المفاجآت العامل الفعّال فى احراز الانتصارات، ويتضح لنا هنا بجلاء أن يهوذا كان يجيد التخطيط وأنه قائد موهوب وفذّ، وكما سبق فى حديثنا عنه فى (1مكا 3: 2-9) فهو يعد القائد العسكري الأشهر بعد داود النبى فى التاريخ اليهودى كله، ومن بين أسباب نجاحه أيضاً أنه لم تكن له أية أهداف شخصية، غير أن السرّ الحقيقى لهذا النجاح الباهر هو أن:
سخط الرب تحول إلى رحمة (آية 5/ب): فالحرب للرب، وهو قادر أن يغلب بالكثير وبالقليل (- -) وكما سمح الله للأعداء بالاساءة إلى الشعب، فهوذا يعود من جديد ليرحم هذا الشعب. وكان هذا هو مفتاح الحل، أن يرحم الله هذا الشعب ومن ثم فلن تقدر عليه أية قوة.
وهكذا بدأ السلوقيون في الانتباه إلى أن هناك ثورة وجيش وهجمات وانتصارات، ومن ثم بدأت المواجهات العسكرية الحقيقية، بعد أن كانت مجرد اضطهادات عنيفة من قوم لهم اليد العليا فى البلاد، ضد شعب مقهور ومفكك بلا قائد.

حمله نكانور وجرجياس
8 فلما رأى فيلبس أن هذا الرجل آخذ فى التقدم شيئاً فشيئاً وأن انتصاراته تتزايد، كتب إلى بطليمس، قائد بقاع سورية وفينيقية، يسأله النجدة لشؤون الملك. 9 فاختار الساعته نكانور بن بتركلس، من خواص أصدقاء الملك، وجعل تحت يده لا أقل من عشرين ألفاً من مختلف الأمم، ليستأصل ذرية اليهود عن آخرهم، وضم إليه جرجياس، وهو من القواد المحنكين فى شؤون الحرب. 10 فعزم نكانور أن يؤخذ من مبيع اليهود المسبيين جزية ألفى القنطار التى كانت للرومانيين على الملك. 11وأرسل لوقته إلى مدن الساحل يدعو إلى شراء عبيد يهود، مُسعراً كل تسعين عبداً بقنطار، ولم يخطر له ما سيحل به من عقاب القدير.



فيلبس المذكور ههنا هو ممثل الملك فى أورشليم (راجع التعليق على 5: 22 ،23) وكان هو أول من أحسّ بتلك التحركات والهجمات المتلاحقة، وقد خشى من تفاقم المقاومة وانفلات زمام الأمور من يده ـ وقد أفلت لاحقاً بالفعل ـ وقام بطليموس قائد إقليم بقاع سورية وفينيقية (راجع 1مكا 3: 38 و 2مكا 4: 45 و 6 : 8) ويشمل الإقليم أيضاً أورشليم: بتجهيز حملة عسكرية قوية أسند قيادتها إلى قائد محنك ُيدعى جرجياس، (راجع التعليق على 1مكا 3: 27-60).
أماعن نكانور بتركلس، فقد كان الاسم نكانور شائعاً فى الفترة التاريخية التى نحن بصددها، وقد يكون من الصعب تحديد شخصية نكانور هنا، ولكن النص هنا يوحى بأنه هو ذاته المذكور فى (1: 12-15 : 37). وقد جاء ومعه أكثر من عشرين ألف جندي(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175688#_ftn2).
من خواص أصدقاء الملك: جاءت في الأصل العبري (ميه أَهَفايو هَريشونيم = من أحبائه الأوائل) .

جرجياس: ربما كان هو الشخص ذاته المذكور فى (10 : 14 و 12: 32-37) وقد شارك فى حملة مهمة ثم حكم مواقع استراتيجية بعد ذلك، وإن كانت اخطاؤه التكتيكية (1مكا 4: 1-22) قد أسهمت فى انتصار يهوذا المكابي هنا، ومع ذلك فقد واصل ليسياس ثقته به (ُانظر التعليق على 10: 14 ،15).
فى ذلك الوقت كان السلوقيون قد وثقوا بقوتهم أكثر من الضرورى فلم يحتطوا، وهو شرك تقليدي يسقط فيه الأقوياء، إذ يجب على الإنسان مهما كان قوياً أو ناجحاً: التحسّب لكل شيء، وألا يفْرط فى الثقة بنفسه وإمكانياته. وقد اعتمد السلوقيون على قوتهم وجنودهم وعتادهم، ولم يكونوا قد عرفوا أن الله قد حوّل سخطه إلى رحمه لشعبه (آية 5/ب) وأنه ليس بالكثرة ولا بالقوة "بل بروحي قال رب الجنود" ( ////////).
بل ومن المؤسف أنهم قد نشروا اعلاناً بين سكان الشعوب الوثنية لاسيّما سكان الساحل مثل صور وصيدا وهم أغنياء يعملون فى التجارة وفى الرقيق، بأن هناك أعداداً ضخمة من الأسرى اليهود سيتم بيعهم، وأن كل تسعين منهم سيباعون بقنطار، أى أن العبد يساوى 67 دراخمة أو 12 جنيه مصرى (إذا كان قنطار ذهب) وهو سعر منخفض جداً، حتى إذا كان سعر الجملة ! أما إن كان المقصود قنطار فضة فسيكون أقل من ذلك بكثير جداً. فإذا كان المطلوب تحصيل ألفى قنطار من بيع الأسرى فإنهم فى هذه الحالة يحتاجون إلى بيع مئة وثمانين ألف يهودى (ما بين عبد وأمَة) راجع فى ذلك (1مكا 3: 41).
إلى هذا الحد كان السلوقيون واثقون بأنفسهم ، وهكذا "باع" نكانور وجرجياس اليهود قبل المُلتقى (آية 14) ولكن الله خذلهم إذ نفخ فى تلك الفتيلة المدخنة..

الجزية المقررة:
ُفرضت الجزية من الرومان على أنطيوخس الثالث بموجب معاهدة السلام الُمبرمة بين الطرفين في سنة 188 ق.م. وحتى ذلك الوقت كانت ما تزال بعض الأقساط واجبة السداد، ومع أن الغنائم التى حصل عليها أنطيوخس الرابع من مصر كانت كافية لسداد جميع الديون، إلاّ أنه كان ُمسرفاً بطبيعته، مما أرهق خزانته، كان على أنطيوخس أن يدفع مبلغ 12000 طالن على 12 قسطاً سنوياً متساوياً، مما حدا به إلى الاستيلاء على كنوز مصر ومحاولة نهب الهيكل وكذلك نهب هيكل برسابوليس . . ويقول المؤرخون أن أنطيوخس قام بدفع المبلغ المتبقي من التعويض للرومان بالكامل مصحوباً بالاعتذار عن التأخير حيث كان يتوجّب سداد الأقساط بالكامل عند عام 177 أو 176 ق.م.
ويقول المؤرخ بوليبيوس أن فترة دفع الجزية كانت اثنتى عشر سنة (تبدأ سنة 188 أى تاريخ معاهدة أباميا) ونعرف من العالم ليفى Livy أن أبولونيوس كان فى روما فى سنة 173 ق.م. ليعتذر عن التأخير فى الدفع(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175688#_ftn3)، رغم أن الوصف الذى يورده يوحى بأنه فى تلك المناسبة كان يحضر معه آخر دفعة من المبلغ، ولهذا فمن المرجح أن الرومان قد وافقوا على تأجيل دفع الدين، كما أنه قد جاء بدفعة معدّلة الموعد.


يهوذا يعظ جنوده التوجيه المعنونى
12 فبلغ يهوذا خبر قدوم نكانور، فأخبر الذين معه بمجئ الجيش، 13فهرب الخائفون وقليلو الإيمان ببر الله وهاجروا إلى أماكن أخرى. 14 وباع الآخرون كل ما كان باقياً لهم، وكانوا يبتهلون إلى الرب أن يُنقذ من نكانور الكافر من باعهم قبل الملتقى، 15 وإن لم يكن ذلك من أجلهم، فمن أجل العهود المقطوعة مع آبائهم وحُرمِة أسمه العظيم الذى أطلق عليهم. 16 فحشد المكابى رجاله وهم ستة آلاف، وحرضهم أن لا يرتاعوا من الأعداء ولا يخافوا من كثرة الأمم المجتمعة عليهم ظلماً، وأن يقاتلوا ببأس، 17 جاعلين نُصب عيونهم الإهانة الأثيمة التى ألحقوها بالمكان المقدس وما أنزلوه بالمدينة من سوء المعاملة والعار، مع القضاء على سُنن الآباء. 18 وقال إن هؤلاء إنما يتوكلون على سلاحهم وأعمالهم الجريئة، وأما نحن فنتوكل على الله القدير الذى يستطيع بإيماءة واحدة أن يصرع الزاحفين علينا، بل العالم بأسره. 19 ثم ذكر لهم النجدات التى أمد بها آباؤهم، وما كان من إبادة المئة والخمسة والثمانين ألفاً على عهد سنحاريب، 20 وما كان من المعركة التى شنوها على الغلاطيين فى بابل، كيف برز اليهود للقتال وهم ثمانية آلاف رجل، ومعهم أربعة آلاف من المقدونيين، وكيف، حين أصبح المقدونيون فى وضع حرج، أهلك أولئك الثمانية الآلاف مئة وعشرين ألفاً بالنجدة التى أتتهم من السماء، وعادوا بغنيمة وافرة.



كانت تلك نذير أول معركة حقيقية ما بين جيش يهودى والجيش السلوقى، إذ سيتحول الأمر من الآن فصاعداً إلى مواجهات عسكرية منظمة وليس اضطهاد شعب من ِقبل الحكام، أو المناوشات المتفرقة. وكالعادة فى كافة الحروب فقد تراجع البعض بسبب الخوف، وحتى وبعد سن القوانين التي تمنع الهروب من الخدمة العسكرية ما تزال هذه الظاهرة موجودة. وهنا يخشى بعض الجنود اليهود من عدم التكافؤ ما بين القوة السلوقية الكبيرة المدرّبة والمسلحة تسليحاً جيداً، والجيش اليهودى الناشئ قليل العدد والعتاد.
ولا شك أن ذلك كان يعكس ضعف إيمان منهم، لأن الحرب مقدسة فى حالتهم هذه ومع ذلك فنحن نقرأ فى (1مكا 3 : 56) أن يهوذا نفسه قد صرف البعض منهم عملاً بما ورد فى (تثنية 20 : 1-9) والذى يقضي بإعفاء كل خائف وحديث الزواج وصاحب البيت أو الكرم الجديد، من الخروج للحرب لئلا يضعف قلبه فيؤثر على الباقين. وفى المقابل فقد باع البعض الآخر جميع ما يملك ليتفرغ للحرب على الأرجح. حاسبين ذلك رسالتهم وجُلّ اهتمامهم وربما وضعوا مالهم تحت تصرف القادة اليهود.
وفى (1مكا 3: 40-54) ُيذكر أن الشعب اجتمع فى المصفاه مع يهوذا ورجاله، مثلما اجتمع من قبل صموئيل النبى، ويتبع اليهود فى ذلك ذات الخطوات التى سلكها حزقيا بعد ما واجه انذار سنحاريب الأشورى.
وصلى اليهود إلى الله لكى يمد لهم يد العون، إن لم يكن لأجلهم لأنهم خطاة، فليكن من أجل العهود التى قطعها مع آبائهم(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175688#_ftn4) ومن أجل مدينته وهيكله ومن أجل:
إسمه الذى دعى عليهم (1مكا 7 : 37):
وهو اصطلاح عبرى ظهر للمرة الأولى فى (تثنية 28 : 10) راجع أيضاً (1مل 8 : 43 و 2 أخ7: 14 و عاموس 9 : 22 و أعمال 15 : 17) هكذا يقول الرب " فإن تواضع شعبي الذين ُدعى اسمى عليهم وصلّوا وطلبوا وجهى ورجعوا عن طرقهم الرديئة فإننى أسمع من السماء وأغفر خطيتهم وأبرئ أرضهم " (2أخ7: 14). وفى الصلوات اليهودية ُوجدت هذه الصلاة " أبانا وملكنا تصرف من أجل اسمك القدير المرهوب الذى دعى علينا. . " (2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175688#_ftn5)

التوجيه المعنوى:
وهو أمر شائع وضرورى لاسيّما قبل البدء فى المعارك، والهدف منه تذكير الجنود بالقضية التى سيحاربون لأجلها، ويظهر من حديث يهوذا أنه كان شخصية روحية وليس قائداً عسكرياً فذاً فحسب، فهو مُطّلِع بشكل جيد على الأسفار وتاريخ الآباء وتراثهم، وهو الآن يرسّخ فى أذهانهم المبدأ الهام بأن الرب ليس كثير عليه أن يغلب بالقليل.
فإن داود النبى قد سبق فأكّد هذه الحقيقة وترك هذه الخبرة ميراثاً لكل الآتين من بعده، إذ وقف أمام جليات الفلسطيني قائلاً " أنت تأتى إلىّ بسيف ورمح وأما أنا فآتى إليك باسم رب الجنود" وفى المزامير يقول "هؤلاء بالمركبات وهؤلاء بالخيل أما نحن فبإسم الرب إلهنا نذكر. هم جثوا وسقطوا أما نحن فقمنا وانتصبنا " (مزمور 20 : 8) وهكذا يستطيع الله بنفخة فاه أن يبيد الأمم، بإيماءة واحدة.. أى بمجرد إرادته(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175688#_ftn6)، وهو ما حدث مع الأشوريين بقيادة سنحاريب إذ هلك منهم 185 ألف (2مل 19 : 35 وإشعياء 37: 36).

معركة الغلاطيين:
الغلاطيون هم الغاليون Galatians: وُيعرف عنهم قوة أبدانهم وبطشهم فى الحروب وهم قبائل سلفية شرسة غزت العالم الناطق باليونانية فى النصف الأول من القرن الثالث ق.م. وقد استقرت أعداد كبيرة منهم فى منطقة وسط آسيا الصغرى، وسببوا ضيقاً شديداً لسكان المنطقة على مدار سنين طويلة. وقد خاضوا حروباً كثيرة مع الرومان قبل أن يخضعوا لهم فى سنة 189/188 ق.م. بعد حملة ناجحة بقيادة جنايوس مانليوس، ومع ذلك فقد منحهم الرومان مزيداً من الحريات (راجع التعليق على1مكا 8: 2) كما قام أومنيس ملك برغامس بإخماد ثورة كبيرة لهم فيما بعد خلال عامى 168-166 ق.م.
أما عن معركتهم مع اليهود المذكورة هنا فالأرجح أنها دارت فى سنة 220 ق.م. عندما تحالف اليهود مع أنطيوخس الثالث الكبير لمحاربة المرتزقة الغلاطيين التابعين للقائد الثائر (مولون) وهو حاكم ولاية متمرد فى ميديا، وكان معه قوة كبيرة من الغلاطيين فى جيشه، حسبما أورد المؤرخ بوليبيوس(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175688#_ftn7) ومن المحتمل أن يكون اليهود وقتها يعملون كمرتزقة فى جيش أنطيوخس هذا، حيث يوجد فى التاريخ أكثر من دليل على أن اليهود كثيراً ما عملوا كمرتزقة مع ملوك يونانيين.
وقد انضم إلى اليهود فى تلك المعركة أربعة آلاف جندي مقدوني ما لبثوا أن انسحبوا متخلّين عنهم تاركين اليهود يجيشهم الُمؤلّف من ثمانية آلاف مقاتل فقط. يواجهون هذا العدد الضخم من جنود الغلاطيين. ولا غرابة فى الاعتماد على اليهود فى حماية المملكة المقدونية، إذ شكّل اليهود نسبة كبيرة فى التعداد البابلي، كما كانوا مفضّلين عن غيرهم بسبب إخلاصهم ومهارتهم العسكرية. وبالرغم من تشكيك العالم " ليفى" فى هذا العدد الضخم من الغلاطيين (120 ألفا) حيث يظن أنهم (20 فقط) إلاّ أن العشرين فى حد ذاتهم كثيرين أيضا،ً ونحن نعلم أن الحرب لها مفاجآتها وقوانينها وثغراتها أيضاً، يضاف إلى ذلك التدخل المباشر لله، فإن النجدة أتتهم من السماء وعادوا بغنيمة وافرة (آية 20).



(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175688#_ftnref1) بينما يرد هنا أن عدد الذين تجمعوا حول يهوذا المكابى هو ستة آلاف جندى، فإنه يرد فى (1مكا 4 : 6) أن عددهم ثلاثة آلاف، وقد يبدو أن هناك تناقضاً ولكن الثلاثة آلاف كانوا قوة أساسية بينما البقية التى انضمت مع الوقت كانت احتياطية راجع أيضاً (1مكا 7: 40 ؛ 9 : 5).
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175688#_ftnref2) ورد في (1مكا 3: 39) أنهم كانوا أربعين ألفا وليس عشرين. وربما كان عشرين ألفا كانوا تحت إمرة نكانور فقط، وفي كتاب المكابيين الثالث "كتاب غير قانوني" (38:3) فنرى أن القوات كلها كانت أربعين ألفا، نصفهم خاضعين لإمرة نكانور (العشرين ألف).أما الرابي كوهين فيقول: رئيس الجيش الموكل ببقاع سوريا و فينيقية أرسل 20 ألف رجل، وانضم هؤلاء للجيش الذي جاء مع القواد الآخرين، فكان التعداد الإجمالي 40 ألفا.
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175688#_ftnref3) بوليبيوس (21 : 17) و Livy (42 : 6).
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175688#_ftnref4) كما ورد فى (لاويين 26: 42-45 و تثنية 28: 10 و صموئيل أول 12 : 22 و أشعياء 43 : 7 و ارميا 14 : 7 و حزقيال 36 : 22 و دانيال 9 : 19 و 2 أخ 7 : 14).
(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175688#_ftnref5) وتسمى صلاة (أبينو ملكينو (Abinu malkenu ُانظر :Jonathan A. Goldsten, II Macc.
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175688#_ftnref6) بإيماءة واحدة: جاءت في اليونانية (eni neumiati) وجاءت في الآرامية: (بروح فيه)، كما ُقرئت في بعض المخطوطات اليونانية: ( بروحه = pneumati).

(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175688#_ftnref7) بوليبيوس (5: 40-43)

st-athanasios
02-21-2009, 08:40 PM
الهجمة الأولى على نكانور

21 و بعدما شددهم بهذا الكلام حتى أصبحوا مستعدين للموت في سبيل الشريعة والوطن، قسمهم إلى أربع فرق. 22 و أقام كل واحد من إخوته، سمعان و يوسف و يوناثان، قائداً على فرقة، و جعل تحت يده ألفاً وخمس مئة. 23 ثم أمر عزرا أن يتلو عليهم الكتاب المقدس، وجعل لهم كلمة السر نجدة الله، ثم اتخذ قيادة الكتيبة الأولى وحمل على نكانور. 24 فأيدهم القدير، فقتلوا من الأعداء ما يزيد على تسعة آلاف، وجرحوا وجدعوا أعضاء معظم جيش نكانور، وألجأوا الجميع جميع جنوده إلى الهرب. 25 و غنموا أموال الذين جاءوا لشرائهم ثم تعقبوهم مسافة غير قصيرة، إلى أن استعجلتهم الساعة، فأمسكوا وعادوا.



كان تقسيم الجيش إلى فرق وأقسام، ُيعد تكتيكاً عسكرياً قديماً وضرورياً وناجحاً، حيث يمكن ارباك العدو من خلال مهاجمته من أكثر من جهة، أو محاصرته من كل جانب، كما أن ذلك يتم خوفاً من تمكن العدو من كسر الجيش، فلا يخور الجيش كله ويهلك جميع الجنود. كما استخدمت فى هذا الإطار أيضاً طرقاً أخرى مثل الكمائن والتربصّ وغيرها..

الفرق العسكرية:
الكلمة اليونانية المستخدمة هنا هى Speira بمعنى فرقة وتضم حوالى 1500 رجل، وبنهاية القرن الثانى ق.م. ونتيجة لجهود جريويس ماريو Grius Mariu الإصلاحية تحولت الكتيبة أو الفرقة من مجرد شرذمة من الجنود، فأصبحت تضم من 500 إلى 1000 رجل، وهكذا يكون يهوذا المكابى قد حاكى التكتيكات الرومانية مقابل المقدونية.

وأما القادة الذين جعلهم يهوذا رؤساءً للفرق ومنهم سمعان (وهو شقيقه الأكبر) ويوناثان وهو شقيقه أيضاً، وأماَ يوسف المذكور هنا فهو نفسه المذكور فى (1مكا 5: 55-62) وهو الذى أضرّ بالجيش حين رغب فى كسب نصر باسمه، وأما ذكره هنا باعتباره أخو يهوذا المكابى فهو من قبيل الأخوية فى الأهداف والود، وإن كان البعض يخمّن أن يوسف هذا هو: يوحنا "الأخ الخامس للمكابيين " (مع يهوذا / سمعان / ألعازر / يوناثان) وفى اتجاه آخر يرى البعض أن يهوذا اختار ثلاثة قادة منهم اثنان من اخوته والثالث وهو يوسف ليس من اخوته، إذ أن ألعازر أخوه والمذكور لاحقاً هنا لم يعمل كقائد عسكرى (إذ لم تكن له هذه الموهبة) بل كمرشد ديني، مثل يوحنا أيضاً وهو الأخ الخامس والذى كانت تنقصه الحكمة إلى جوار شجاعته.
الكتاب المقدس: لعلها المرة الأولى التى يذكر فيها مصطلح "الكتاب المقدس" كتعبير عن الكتب الإلهية، وهو التعبير المستخدم الآن للدلالة على العهدين القديم والجديد، بل أن كلمة "الـ كتاب" وحدها مع "ال التعريف" تعنى على الفور الكتاب المقدس، ولكنه للتأكيد يقال الكتاب المقدس، وهو الصفحات التى تقدست بأنفاس الله من خلال ما أوحى به إلى رجال الله القديسون الذين دونوه. هذا وقد وردت تعبيرات مشابهة لذلك فى (رومية 1 : 2 وتيموثاؤس الثانية 3 : 15 "الكتب").
ويؤكد لنا من جديد هذا السلوك قبل الحرب من حيث التقوى والتسلّح بكلمة الله، أن الحرب ليست استعمارية وليست مبنية على مخططات توسعية، بل هى من أجل الرب والوصية والعبادة(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175824#_ftn1).

كلمة السرّ Watch word : وهى عادة حربية متبعة منذ القديم، فقد ُوجدت فى التراث اليوناني والروماني، كما وردت فى كتاب " قاعدة الحرب" فى خرائب قمران، والهدف منها هو التمييز بين الجندى الوطنى وجنود الأعداء، وكذلك على سبيل الحذر من اندساس الأعداء، وإن كان البعض يرى فى هذه الكلمة: الهتاف الذى يطلقه الجنود عند الهجوم، مثل صيحة الهجوم فى المباريات والمعارك أيضاً.
أبقى يهوذا المكابى معه عدد ألف وخمسمائة جندى فقط، في حين جعل بقية الآلاف الستة مع القادة الثلاثة الآخرين، وهذا يفسر لنا ما ورد فى
(1مكا4 : 6) حين هاجم جرجياس ومعه ثلاثة آلاف فقط، فلعله هناك استعان ببعض مما لدى القادة الآخرين فى تلك الهجمة، فقتلوا كثيرين وجرحوا مثلهم، وأما عن "جدع الأعضاء" الُمشار إليه هنا فهو لا يعنى التمثيل بالجثث وإنما يعنى المصابين والجرحى، بينما هرب الجنود المتبقين أحياء.. ويذكر هنا أنه فى بعض الحروب كان الجنود يحملون أعضاء قتلاهم مثل الأيادى أو الآذان كدليل على النصر ولإحصاء عدد القتلى أمام القائد.
وأما الذين استعدوا لشراء اليهود! حسبما بشّرهم نكانور وجعلهم برفقة جيشه، فقد لاذوا بالفرار حالما رأوا أن اليهود قد ألحقوا الهزيمة بأعدائهم، ولكن اليهود طاردوهم واستولوا على أموالهم. ثم توقّفوا عن مطاردة جنود نكانور إذ كان اليوم هو الجمعة وقد قارب السبت على المجئ. فكان من اللائق أن يستريحوا محتفلين بالسبت. وفى حين يذكر 1مكا 3: 38 الخ و 4: 1-25) دوراً أكبر لـ جرجياس وليسياس فى المعركة فى حين لا يشار إلى دور نكانور، فإنه هنا يركز على دوره.


الأحتفال بالسبت وتقسيم الغنائم
26 وكان ذلك اليوم عشية السبت، ولذلك لم يُطيلوا تعقبهم. 27 وجمعوا أسلحة الأعداء وأخذوا أسلابهم، ثم حفظوا السبت، وهم يباركون الرب كثيراً ويحمدونه لأنه حفظ لهم إلى ذلك اليوم أولى قطرات ندى رحمته. 28 ولما أنقضى السبت، وزعوا على المعذبين والأرامل واليتامى قسماً من الغنائم، واقتسموا الباقى بينهم وبين أولادهم. 29 وبعدما انتهوا من ذلك، أقاموا صلاة عامة، سائلين الرب الرحيم أن يعود فيصالح عبيده مُصالحة تامة.



كان الهجوم على قوات نكانور فى فجر الجمعة، وقد ُقهرت قوات جرجياس ولاذت بالفرار، وهكذا تدخّلت العناية الإلهية لتعفي اليهود من الدفاع عن أنفسهم فى السبت، ورغم أن ذلك قد أصبح مقبولاً بعد الفتوى الحشمونية بجواز القتال الدفاعى فى السبوت، إلاّ أن يهوذا ورجاله توقّفوا عن متابعة الأعداء لقرب دخول السبت.
أما تسابيح الانتصار اليهودية، فقد كان لها صيغة مناسبة هى "مبارك هو الرب الذى . . . " راجع (خروج 18: 1 و صموئيل أول 25 : 39 و مزمور 106 : 1 – 107 : 1 و أرميا 33 : 11) وفى الاستخدام الحالي لدى اليهود، يرد: " مبارك أنت أيها الرب إلهنا ملك الكون الذى أحيانا وحفظنا وأتى بنا إلى هذه الساعة .. "

كانت أول باكورات المكابيين، وأول ما اهتموا أن يفعلوه بعد أول فوز ونصر حقيقي، هو الاحتفال بالسبت والوصية والطقس الذى حاربوا لأجله، حيث كان ذلك أول ما اهتم بتأكيده، حين قدّموا الشكر للرب الذى حفظهم إلى اليوم الذى ينعمون فيه بأولى قطرات (ندى) رحمة الله كمقدمة لسيل فياض من تلك الرحمة.
ولكن هل هناك علاقة أو تشابه ما بين هذه العبارة "قطرات الندى" وتلك الواقعة الواردة فى (صموئيل الثانى 21 : 10) حيث قدم الشعب سبعة من أبناء شاول ُعلقوا على خشب وحرستهم رصفة (أم اثنين منهم) ابتداءاً من يوم الحصاد و حتى نزل المطر ؟ ففى النسخة اليونانية لسفر صموئيل الثانى ُترجمت الآية (21 : 10) بنفس الكلمات الواردة هنا، إذا فهناك تواز ما بين دماء الشهداء السبعة وأمهم والتى استدرت مراحم الله. ودماء السبعة فى أيام داود النبى والتى استدرت أيضاً مراحمه . .
وأما الغنائم فقد وزّعوها فيما بين ُاسرهم هم والطبقات المحرومة من الشعب مثل المعوزين المُعدمين (المُعذّبين) والأيتام والأرامل، هذا وقد اتبعوا تقليداً قد يعدّ جديداً، وذلك بتوزيع قسم من الغنائم على ُاسر الشهداء باعتبارهم جنوداً، راجع فى ذلك أيضاً صموئيل الأول (30: 24 ، 25 وسفر العدد 31: 26 ، 27). وهو الأمر الذى فعلوه من جديد بعد المعركة الثانية الناجحة (آية 30) ولا ُيعرف بالضبط المقصود بـ الصلاة العامة هنا: هل هى بديل لذبيحة الشكر والسلامة والتى كانت ُتقدم فى مثل تلك الحالات بعد النصر، حيث الطقوس فى الهيكل متوقفة، هل صلى الجنود معاً، أم أن القادة نادوا بصلاة عامة فى الشعب، ولكنها على أية حال بادرة على عودة الأمة للتماسك روحياً. ومما لا شك فيه أن للاستعمار وللحروب آثارها السلبية سواء على العبادة أو الاقتصاد أو الثقافة والأدب والفن وغيرها.


ملاحظة حول الجزء (2مكا 8 : 30 – 10 : 9)

يلاحظ القاريء أن الأحداث الواردة في هذا الجزء من السفر غير مرتبة ترتيبًا تاريخيا. ولكنه يجب أن ُتفهم من جهة المضمون وعلاقتها بما قبلها وبما بعدها.
فمن جهة المضمون : نرى من خلال (1مكا 3 : 38 – 4 : 25) أن هذه الحرب مع ليسياس كانت مع جيش واحد كبير وكان حلفاؤه – طبقا لـ (1مكا) هما: نكانور و جرجياس، ولا يوجد ذكر لطيموتاوس وبكيديس هناك. ونعرف أنه من خلال عدد القتلى الذين كانوا من جيش تيموثاوس وبكيديس عشرين ألف، أي أنهم كانوا مساويين لجميع جيش نكانور (2مكا 9:8)، ومن هذا نرى أن جيش طيموتاوس وبكيديس كان كبيرا جدا وأكبر من جيش نكانور وجرجياس. ومن خلال هذا أيضاً نرى أنه لا علاقة بهذه القطعة بالحرب الأولى مع ليسياس.
وأمّا من ناحية المكان: فإنه لا توجد أية علاقة بما قبلها أو بعدها، إذ أن الفقرة كلها تتحدث عن نكانور فقط، ونرى أنها جاءت فاصلة وقاطعة للموضوع من خلال (2مكا 8 : 29،34-36) كما أنه لا علاقة لـ ( 2مكا 8: 30-33 ) بحرب ليسياس الأولى. لكنها ترتبط بحرب ليسياس الثانية وليس الأولى.
ونجد خبر حرب ليسياس الثانية في (1مكا 4: 1- 38) أنه في السنة التالية خرج على يهوذا بستين ألف راجل و خمسة ألاف فارس، وهنا نرى أن عدد جيشه الثاني كان أكثر بـ 20 عشرين ألف من عدد جيشه في السنة الأولى. وأكبر دليل على ذلك أن السفر في (2مكا 33:8) يتكلم عن احتفالية الانتصار في أورشليم التي لم تكن قد ُاخِذت بعد – وفي الإنتصار الأول على نكانور الوارد ذكره في (1مكا 4: 24-25) لم يأخذوا أورشليم، وهذا أكبر دليل على أن هذه القطعة (2مكا 8 : 30 – 33) تتعلق بخبر هجوم يهوذا على ليسياس في المرة الثانية. هذا بالإضافة لعدم ذكر أسماء طيموتاوس وبكيديس رؤساء جيش ليسياس في الحرب الأولى الواردة في 1مك 4: 25 ...إلخ

· من كل ما تقدم يمكننا ترتيب الأصحاحات (8-10) بناءً على رؤيتها التاريخية على النحو التالي:

1- (ص 1:8-29) سقوط نكانور وجرجياس في عماوس.
2- (ص 8: 34 -36) هروب نكانور.
3- (ص 8: 30 – 33) سقوط (نكانور؟) وتيموثاوس وبكيديس (رؤساء جيش ليسياس) في ملحمة بيت صور وصعود يهوذا لأورشليم ومعاقبة كليستانيس وأصدقاؤه.
4- (ص 10 : 1-8) تطهير الهيكل وتدشينه والإحتفال بعيد المظال.
5- (ص 9 : 1- 29) عودة أنطيوخس أبيفانيوس من فارس ومرضه. في الطريق وموته.
6- (ص 10 : 9) آية عن موت أبيفانيوس.
7- (ص 10 : 10) أنطيوخس أوباطور وليسياس وصيّه والقيم العام.

ولكن اهتمام الروح القدس بالطبع هنا كان جمع الانتصارات في قطعة واحدة، ثم التفرغ لخبر موت الأثيم ضد المسيح أنطيوخس أبيفانيوس، ثم التفرغ لخبر تطهير الهيكل، وهذا لا يخلّ بالسفر مطلقا لأن ترتيبه إلهي، وهو أمر شائع في سائر الأسفار تبعاً للهدف العام من السفر.


هزيمة طيمو تاوس و بكيديس

عرض سريع لعقاب المضطهدين
30 وبارزوا رجال طيموثاوس وبكيديس، فقتلوا منهم ما يزيد على عشرين ألفاً واستولوا على حصون شامخة، واقتسموا كثيراً من الأسلاب جعلوها حصصاً متساوية لهم وللمُعذبين واليتامى والأرامل والشيوخ. 31 وجمعوا أسلحة الأعداء واهتموا بوضعها فى أماكن مناسبة، وحملوا ما بقى من الغنائم إلى أورشليم. 32وقتلوا رئيس سبط من أصحاب طيموثاوس، وكان رجلاً شديد الكفر، ألحق باليهود أضراراً كثيرة. 33 وبينما هم يحتفلون بالظفر فى وطنهم، أحرقوا الذين أضرموا النار فى الأبواب المقدسة، كما أحرقوا كلستانيس الذين كان قد فر إلى بيت صغير. فنال الجزاء الذى استوجبه بكفره.



أعطى توقف المكابيين عن مطارة فلول الأعداء بعد الانتصار، الفرصة للأعداء لإعادة الكرّة ومهاجمتهم، فقد تمكن نكانور ـ قائد قوات العدو ـ من الفرار. وعاد الجيشان إلى الالتحام من جديد، وأحرز اليهود نصراً جديداً غنموا من ورائه الكثير من العتاد والمؤن والأسلحة.
إلى جوار الغنائم استولى المكابيين على الأسلحة وبعض الحصون، وأغلب الظن أن أسلحتهم هم كانت من صنع محلّى أو مستوردة من ذلك النوع العادى، بل كانو يحتاجون إلى الأسلحة بشكل عام، أنظر (1مكا 3 : 6) ذلك مقارنة بما لدى السلوقيين من أسلحة متطورة وحديثة، وها هم قد استولوا على كميات ضخمة منها، الأمر الذى احتاجوا معه إلى البحث عن كيفية تخزينها، حيث يشير تعبير "أماكن مناسبة" هنا إلى أنه قد صار لهم ترسانة من الأسلحة ! !.
وقد قضت الشريعة فى (سفر العدد 31: 12 و 21-54) بأن ُيؤتى بالغنائم إلى المحلة، حيث يقدم منها أولاً نصيب الرب، قبل تقسيمها بين الشعب، وفيما بعد الانتصار على نكانور فى هذا الأصحاح كان السؤال الذى يطرح نفسه أين المحلة.؟ هل أورشليم وهى التى لم يستردّوها إلاّ فيما بعد (10: 1) ؟ وكيف يأخذ الرب نصيبه فى حين ما يزال الهيكل ليس فى أيدى اليهود؟

طيموتاوس وبكيديس:
طيموتاؤس المذكور هنا هو ذاته المذكور فى (1مكا 5: 11-44) وفى (2مكا 12: 2 و 10-26) وأما بكيديس فهو أحد رجال طيموتاوس، مع أنه لم ُيذكر سواء فى (1مكا 5: 11-44 أو 2مكا 12: 10-26) وإذا كان بكيديس قد نجا من الموت، فسيكون هو ذاته القائد الذى عمل تحت إمرة ديمتريوس الأول والذى هزم يهوذا المكابى فى النهاية (1مكا 7: 8-20 و 9: 1-18).
رئيس السبط: جاءت في اليونانية (fularchn = رئيس الفيلة) من (fulh)، وجاءت في اللاتينية (الفولجاتا) بأكثر وضوحاً: (فيلارخوس من جيش تيموثاوس). والمقصود به هنا هو رئيس قبيلة عربية، تحالف مع طيموتاوس العموني ضد اليهود، وقد ُهزم فى بدايات الحملة المكابية كما هو واضح هنا راجع (12 : 10 وما يليها) ولفظة سبط هنا تعنى قبيلة. أما عن الرجل نفسه فإنه يوصف بأنه شرير أضرّ باليهود كثيراً.
كلستانيس Callistanece : هو أحد الضباط السلوقيين المعاونين لنكانور، يبدو أن الأخير كلّفه بإحراق أبواب الهيكل، غير أن المكابيين قبضوا عليه هو ورجاله حيث قتلوهم وأما هو فقد هرب إلى أحد أزقة الهيكل، ولكنهم أمسكوا به وقاموا بحرقه بالنار التى أراد هو اضرامها فى المكان المقدس.
ولاشك أن الذين اضرموا النار فى الموضع المقدس هم من اليهود المرتدين والذين عملوا كمعاونين ومرشدين للقادة السلوقيين مثل نكانور وجرجياس ونقرأ فى (1مكا 4 : 38) عن احراق الأبواب كما قام ياسون رئيس الكهنة بإحراق أحد الأبواب، أنظرأيضاً، 2مكا 5: 5-16) ومع أن الدمار قد شمل أكثر من جانب من الهيكل، إلاّ أن البوابة كان لها مدلول خاص لدى المهتمّين اليهود، إذ ربطوا بينها وبين بعض النبوات كدليل على عقاب الله، راجع (إرميا 17 : 27 و وقارنها بـ 1مكا 1 : 43 ، 45 ، 52 ثم حزقيال 44 : 1، 2 مع 2 مكا 1 : 8).



نكانور يهرب ويشهد لإله إسرائيل
34 وأما نكانور الشديد الفجور، الذى كان قد استصحب ألف تاجر لبيع اليهود، 35 فلما رأى الذين كان يحتقرهم قد أذلوه بعون الرب، خلع ما عليه من الثياب الفاخرة، واعتزل عن الآخرين جميعاً وفر كالعبد الآبق فى الحقول، حتى وصل إلى أنطاكية، محفوظاً فوق كل شئ، بعد أن انقرض جيشه. 36 وبعدما كان قد وعد الرومانيين بأن يؤدى لهم الجزية من ثمن مسبيى أورشليم، عاد يعلن أن اليهود لهم من يحارب عنهم، وأنهم لذلك لا يُغلبون، لأنهم يتبعون ما رسم لهم من الشرائع.



يحمل اليهود لهذا الرجل ذكريات مؤلمة ويحتفظون له بكراهية كبيرة، إذ جدّف كثيراً على الموضع المقدس، وأقسم أن يفنى اليهود عن بِكرة أبيهم، حتى أنهم بعدما قتلوه فى احدى معاركهم لاحقاً قاموا بتعليق جثته على سور أورشليم، ومن بين بوابات الهيكل كانت هناك "بوابة نكانور" سُميت تذكاراً لانتصارهم عليه. (1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175824#_ftn2) ومن المحتمل أن يكون موضعها باتجاه الموضع الذى علقوا جسده عليه. ويستخدم كاتب السفر التعبير اليونانى Trisaliteuos والوارد أيضاً فى(1: 3) ويعنى " شديد الفجور" أو "خاطئ ثلاثة أضعاف ! !" (2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175824#_ftn3).
وُيضيف السفر هنا بعض التفاصيل، لما ورد فى (1مكا 3 و7: 33-50) إذ يُذكر أنه تخفى فى شكل شخص فقير حتى لا يُقبض عليه ويقتل، واتخذ الحقول والجبال طرقاً حتى وصل إلى أنطاكية، متحسراً على جيشه الذى انكسر وحلمه ـ الذي تبدد ـ بجمع المال من بيع اليهود ! !. وبدلاً من رغبته فى بيع اليهود كعبيد بأبخس الأثمان، ها هو يهرب مثل عبد فقير(3) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175824#_ftn4).

إعترافـه: وأكثر ما يهمنا فى الأمر أن نكانور يعترف بأن اليهود لهم من يحارب عنهم، والمقصود من (الآية 36) هنا هو أنهم لن يُغلبوا ماداموا يتبعون وصايا إلههم والذى سيتولى حيئذ الدفاع عنهم. ويذكرنا ذلك باعتراف هليودورس رئيس وزراء سلوقس الرابع الذى حاول نهب كنوز الهيكل ولم يستطع، راجع (3: 36-39).




(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175824#_ftnref1) ويقول الرابي كوهين ما يلي: قرأوا الكتاب المقدس لأنه كان عيد الأسابيع كما جاء في (1مكا 5:3) إذ قرأوا الجزء المخصص لليوم (البراشا = القطمارس) وهذا يدل على نجاح البعض في إخفاء الكتاب المقدس بطريقة ما أثناء الإضطهاد السلوقي.
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175824#_ftnref2) راجع كتاب الهيكل / للناشر ـ الباب الثانى.
(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175824#_ftnref3) جاءت في الأصل العبري: ( رِشَع همروشاع )، وفي اليونانية: ( مثلث الإثم = trisalithrioV) وهكذا جاءت في ( 3:15).

(3) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175824#_ftnref4) جاءت الآية 13 في الأصل العبري: ( ذُلّ بمعونة الرب على أيدي الرجال الذي كان يعتقد في قلبه أنهم لا شيء ]إِفِس = صفر، لا قيمة له [ بعدما خلع ثياب مجده، هرب وحيدا في الأرض كعبد هارب، وجاء لأنطاكية مُحطّما على فقدان الجيش).

st-athanasios
02-21-2009, 08:48 PM
الأصحاح العاشر


تطهير الهيكل يعقبه سلسله من الأنتصارات
لم يسلك أنطيوخس أوباطور الخامس كما أمل أبيه أنطيوخس الرابع، بل سار فى نفس طريقه، ومن ثم فقد واصل اليهود كفاحهم من أجل تأمين البلاد وتعضيد شرائعهم. فبعد الانجازات العسكرية الباهرة التى حققها المكابيون فى بداية جهادهم أصبح الطريق ممهداً لإزالة النجاسة وشناعة الخراب الت ألحقها السلوقيون بالهيكل. هذا ويمكن تقسيم هذا الأصحاح إلى قسمين:
القسم الأول : (1-9) تطهير الهيكل وتحديد عيد التجديد(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175832&posted=1#_ftn1).
القسم الثاني : بقية أخبار أنطيوخس.


تطهير الهيكل
(1مكا 4: 36 – 61)

1 أما المكابى والذين معه، فأستردوا الهيكل والمدينة بقيادة الرب، 2 وهدموا المذابح التى كان الأجانب قد بنوها فى الساحة وخربوا أماكن العبادة. 3 وبعد أن طهروا الهيكل، صنعوا مذبحاً آخر، واقتروا حجارة اقتبسوا منها ناراً وقدموا ذبيحة بعد مدة سنتين، وهيأوا البخور والسرج وخبز التقدمة. 4 ولما أتموا ذلك، جثوا بصدورهم وابتهلوا إلى الرب أن لا يصابوا بمثل تلك الشرور، وأن يؤدبهم هو بحلم إن خطئوا، ولا يسلمهم إلى أمم مجدفة وحشية. وأتفق أنه فى مثل اليوم الذى فيه نجس الغرباء الهيكل، فى ذلك اليوم عينه تم تطهير الهيكل، وهو اليوم الخامس والعشرون من ذلك الشهر الذى هو شهر كسلو. 6فعبدوا ثمانية أيام بفرح، كما فى عيد الأكواخ قبيل ذلك فى الجبال والمغاور، مثل وحوش البرية. 7ولذلك رفعوا الأناشيد إلى الذى يسر تطهير مكانه المقدس، وفى أيديهم مزاريق وأغصان خضر وسعف. 8 وفرضوا فريضة عامة ومثبتة بالاقتراع أن تُعيد جميع أمة اليهود هذه الأيام فى كل سنة.



مثلما كانت الانتصارات من عند الرب، هكذا أيضاً يسترد اليهود الهيكل بقيادة الرب، لقد خرج الأمر من عنده، يسمح بتدنيس الهيكل ثم يقضي بتطهيره. الآن يهرب كهنة الوثن مع أتباعهم ممن نشروا الفساد والدعارة في الموضع المقدس، لقد أوقعت الانتصارات المدوّية الرعب فى قلوبهم. ولم يتبقَّ فى أورشليم من الوثنيين السلوقيين سوى سكان القلعة (عكرة) والذين لم يستطع المكابي طردهم من هناك، بل اكتفى بمشاغلتهم فقط أثناء عملية التدشين (1مكا 4: 41) وقد ظلوا هناك إلى أن طردهم سمعان المكابي (1مكا 13: 49-52).
ولم تكن هناك قوة كافية لمنع يهوذا المكابي ورجاله من الاستيلاء على أورشليم والهيكل، بعد انسحاب ليسياس على اثر معاهدة السلام مع اليهود، وحتى سكان قلعة عكرة أنفسهم لم يتصدّوا لليهود إلاّ بشكل متقطّع (1مكا 4: 41).
وقد تأخّر تطهير الهيكل لعدة أشهر، ربما بسبب انتظار اليهود التقاة "الموعد المحدد" الوارد ذكره فى (دانيال 11: 24) وهو رأس السنة السبتية، وهو الموعد المتنبأ به لنهاية الاضطهاد، حيث تشير النبؤة إلى أن منلاوس رئيس الكهنة المرفوض يفقد سلطانه، وقد اعتمد أولئك التقاة على هذه النبوة فى تجريد منلاوس من نفوذه وذلك فى أواخر صيف 164 ق.م. أو أوائل خريف ذلك العام، ومن المؤكد أنهم استبعدوه من الهيكل حتى أنه في سنة 163 (13: 3) طلب من الحكومة في أنطاكية تأكيد سلطته.
أما المكابيين فإنهم بعد هدم مذابح "زيوس" قاموا بهدم المواضع التي كانت ُتقام فيها الولائم الطقسية والفجور، وكذلك مساكن كهنة الوثن وكل مكان لحقته النجاسة من خلال التواجد الوثني. هذا وتأتي أماكن العبادة (آية 2) في اليونانية (temenh) وفي الفولجاتا اللاتينية (delubra =الهياكل). والمقصود بالكلمة اليونانية في الأصل هو: ( أيكة مقدسة أو شجرة مقدسة كانوا يسجدون هناك كمكان عبادة).

اقتدحـوا حجـارة:
وُيقصد بها قدح حجر بآخر للحصول على النار، وهو أمر لا يتعارض مع ما ورد فى بداية السفر عن اشتعال الذبيحة من خلال "ماء النفطار" الذى جلبوه من الجب حيث دفنت أدوات الخدمة الهيكلية، فإن ذلك تم بعد العودة من السبي، بينما ظلت النار المقدسة مستمرة إلى أن توقّفت الخدمة فى الهيكل، ومن ثمّ حصلوا على النار بهذه الطريقة(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175832&posted=1#_ftn2). ولكن يجب ألاّ ُيؤخذ القول أن ذلك تم بعد سنتين على نحو حرفي، لأن المدة كانت ثلاث سنوات(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175832&posted=1#_ftn3).
وقد صلّى اليهود أن يؤدبهم هو برحمته فيما بينه وبينهم متى أخطأوا من جديد، دون أن يسلمهم لأيدى أعدائهم والذين ثقلت عليهم يدهم هكذا، فلقد أذلّهم السلوقيون وأذاقوهم من المر أشرّه "... قد ضاق بي الأمر جداً. فلنسقط فى يد الرب لأن مراحمه كثيرة ولا أسقط فى يد إنسان" (2صموئيل أول 24 : 14).
وهكذا تم تدشين الهيكل وسط مظاهر بهجة شائقة، وكان اليوم الذى تدنّس فيه الهيكل هو الخامس والعشرين من ديسمبر (كسلو) وهو نفس اليوم الشهري الذى كان يُحتفل فيه بعيد ميلاد أنطيوخس أبيفانيوس. وهو أيضاً نفس اليوم الذى ُاحتفل فيه بتدشين الهيكل. وكان ذلك بعد موت أنطيوخس أبيفانيوس ببضعة أسابيع فقط، بينما بدأت أعمال التطهير قبل ذلك بفترة أي فى حياة أنطيوخس وبينما كان فى رحلته إلى الشرق. راجع التعليق على تدشين الهيكل (1مكا 4: 36-61 و 2مكا 2: 16-18).
أما عن وجه الشبه بين يوم التدشين وعيد المظال (آية 6) حيث مدة الاحتفالات ثمانية أيام، فإن تدشين الهيكل أيام سليمان وافق عيد المظال، يضاف إلى ذلك أن يوم التدشين فى عهد المكابيين قد جاء بعد ثلاث سنوات قضاها العديد من اليهود فى المظال والأكواخ فى الجبال بلا بيوت.

المزاريـق:
وهي عبارة عن غصن مصنوع من أي نوع من الأشجار، يغطي بأوراق اللبلاب والكروم وله مخروط من خشب الصنوبر عند قمته، كان ُيستخدم فى احتفالات ديونيسيوس لدى اليونان، بينما كان الأريزيون Airesione وهو عبارة عن غصن من الزيتون أو الغار ملفوفاً بالصوف وتتدلّى منه ثمار الفاكهة قد استخدم فى عبادة أبوللو، وأما اليهود فقد استخدموا أغصان النخيل والآس (نبات عطري) والصفصاف وفاكهة الـ الهادار Hadar والتى كانوا ُيؤمرون بأخذها فى عيد المظال (لاويين 23 : 40) وأصبحت ُتسمّى فى اليونانية ثيروسس Thyroses وإن كان الثيروس هنا مميز عن سعف النخل ، ويخبرنا المؤرخ بلوتارك أن اليهود فى أيام عيد المظال كانوا يأخذون الثيروس وأغصان الأشجار معاً(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175832&posted=1#_ftn4).

هذا وتشير "الفريضة والاقتراع" (آية 8) إلى أن تحديد أيام عيد الحانوكاه كان على يد المحكمة اليهودية العليا المختصة بشؤون الدين، بمشاركة يهوذا المكابي. والآية تفرض على كل يهودي أن يعيد عيد الحانوكاة أي عيد التجديد.





بين انطيوخس أوباطور ووصية لسياس
9 تلك كانت ظروف وفاة أنطيوخس الملقب بإبيفانيوس. 10ولنشرع الآن فى خبر أنطيوخس أوباطور بن ذاك الكافر، موجزين الشرور الملازمة للحروب. 11 لما استولى هذا على الملك، فوض تدبير الأمور إلى أحد يدعى ليسياس، وكان قائد القواد فى بقاع سورية وفينيقية. 12 وأما بطليمس المُسمى بمقرون، وهو أو من أنصف اليهود مما كانوا فيه من الظلم، فقد اجتهد أن يدبر شؤونهم تدبيراً سلمياً. 13 فلذلك سعى به أدقاء الملك إلى أوباطور وكثر كلام الناس فيه بأنه خائن لأنه تخلى عن قُبُرسَ التى كان فيلوماطور قد ولاَّه عليها، وأنه أنصرف إلى أنطيوخس إبيفانيوس ولم يشرف كرامة منصبه، فسمم نفسه وفارق الحياة.

عند هذا الحد ينتهى القسم الأول من السفر، حيث تمّ شرح الظروف والملابسات التى أوجبت الاحتفال بعيد التدشين، والذى يجب ـ بحسب الرسالة المرسلة ليهود مصر ـ أن يصبح الاحتفال به فرضاً على جميع اليهود سواء داخل اليهودية أو فى الشتات، لا سيما يهود مصر.



وبينما يبدو فى الأصحاح الخامس من سفر المكابيين الأول أن حروب يهوذا ورجاله كانت موجهة بشكل مباشر إلى الأمم الوثنية المحيطة باليهودية، فإن السفر هنا يشير إلى تحركات عدائية من المسئولين السلوقيين أنفسهم، ولا تعارض فى ذلك إذ ساند هؤلاء القادة أعداء اليهود من حولهم، فى حين يقوم تيموثاؤس القائد الحكومي بأعمال معادية لليهودية مباشرة (1مكا 5: 11،34،37).
ليسياس Lysias : بعد أن تملَّك أنطيوخس الخامس، أسماه ليسياس: أوباطور Eupator والذى يعنى "المشرّف أباه" (1مكا 6: 17) وكان صبياً فى ذلك الوقت لا يتجاوز عمره تسع سنوات وبالتالى فقد كان ليسياس هو الوصيّ عليه والملك الفعلى للبلاد، فى حين كان قائداً لإقليم البقاع. ولذلك فإن تعيينه (آية 11) هو تحصيل للحاصل وتصديق على الأمر الواقع إذ كان أنطيوخس أبيفانيوس قد عينه وصياً على ابنه، وذلك قبل أن يقوم بحملته إلى الشرق سنة 165 ق.م. بل وعيّنه قائد قواد (رئيس وزراء) فى النصف الغربى من الإمبرطورية السلوقية. وإن كان ذلك يُضاد ما قررّه أنطيوخس بتعيين فيلبس مكان ليسياس. ولكن الأخير اعتاد أن يأخذ بزمام المبادرة (1مكا 3 : 38 ألخ). كما قام ليسياس بحملة ضد المتمردين اليهود انتهت فى أوائل عام 164 ق.م. قبل تطهير الهيكل بزمن طويل (1مكا 3: 32-36 و 4: 26-35).

بطليموس مقرون (ماكرون):
هو حاكم إقليم بقاع سورية (قول سوريا) راجع (8:8) ربما بعد تولي ليسياس زمام الأمور فى البلاد إذ كان هو ذاته حاكماً لهذا الإقليم (آية 11) وهو ما جعل البعض يتعجّب كيف يكون حاكم البلاد عامة ثم حاكم إقليم البقاع. وهو واحد من اثنين وسبعين حاكماً عيّنهم أنطيوخس أبيفانيوس الرابع فى مملكته، وبالرغم من تصوّر البعض بأنه شخص غير "بطليموس بن دوريمانس" (1مكا 3: 38 و 2مكا 8:8) ورغم أنه قد حوّل قضيّة منلاوس رئيس الكهنة الخائن من اتهامه إلى اتهام الذين رفعوا الدعوى ضده فى صور أمام الملك (4: 45 ،46) إلاَ أنه هو هو الشخص ذاته، غير أنه وبعد تلك الإساءة إلى اليهود عاد ليتعاطف معهم ويتكلّم عنهم بالخير لدى الحكّام السلوقيين.
ويذكّرنا بطليموس مقرون بقائد المئة الروماني والذى شفع فيه اليهود لدى السيد المسيح لكى يشفي له غلامه إذ كان خيّراً يسعى لما فيه خيرهم ".. فلما جاءوا إلى يسوع طلبوا إليه باجتهاد قائلين انه مستحق أن ُيفعل له هذا لأنه يحبّ أمتنا وهو بنى لنا المجمع. فذهب يسوع معهم" (لوقا 7: 5) ونذكر أيضاً قائد المئة الذى خلّص القديس بولس من الموت مع بقية الأسرى على السفينة (أعمال 27: 34) وغيره كثيرون ممن أعطى الله اليهود نعمة فى أعينهم، وهكذا يهيّيء الله فى أقسى الظروف من يدافع عن كنيسته "هيأت لى مائدة تجاه مضايقى" (مزمور 23: 5).
غير أن بعض الأشرار سعى فيه ووشى به لدى الملك (فى الواقع لدى ليسياس) بحجة أنه أهمل شئون "قبرس" والتى ُعيّن عليها حاكماً من قبل أنطيوخس الرابع (لحساب بطليموس فيلوميتور ملك مصر) وأنه منحاز إلى فكر أنطيوخس أبيفانيوس "انصرف إلى أنطيوخس أبيفانيوس" (آية 13) وبوصفه كان حاكماً لقبرس فقد ظل على إخلاصه لبطليموس السادس فيلوميتور حتى بلغ الأخير سن الرشد فى النصف الثانى من عام 170 ق.م. وفيما بعد وفى عام 170 / 169 شن وزراء بطليموس هذا غير الأكفاء حرباً غير مدروسة على أنطيوخس الرابع، وقد فسّرت هذه الواقعة على أنها خيانة من بطليموس مقرون. بل لقد اُتهم أيضاً بأنه تقاعس عن اتخاذ الإجراءات اللازمة حيال زحف يهوذا ورجاله وتحقيق الانتصارات السهلة، فيما اعتبر سياسة استرضائية منه تجاه اليهود.
ويبدو أن الأمر كان أعظم من أن يحتمله أو يسعى لتبرير موقفه، ومن ثم آثر الانتحار، فقد كانت عقوبة تهمة "الخيانة العظمة" هى الموت، وهو أمر شائع سواء الاتهامات الجزافية أو الأحكام الجائرة، وقد اختار العديد من الأشراف الانتحار على تسليم أنفسهم للقتل، بل كان الملوك كثيراً ما ُيرسلون أوامرهم إلى أمثال هؤلاء ليقتلوا أنفسهم معتبرين فى ذلك كرامة لهم، وفي العصر الرومانى نقرأ كثيراً كيف كان أولئك يحضرون طبيبهم الخاص والذى كان يقوم بقطع شريان اليد لينزف الشخص ببطء حتى يدخل فى غيبوبة يلقى حتفه فيها(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175832&posted=1#_ftn5).
هذا وكان بطليموس مقرون قد تحوّل إلى خدمة السلوقيين عقب احتلال أنطيوخس الرابع لقبرس سنة 166 ق.م. وقد عُثر على بعض النقوش وكذلك فى تاريخ بوليبيوس على دلائل تشهد بوجود بطليموس حاكماً لقبرس(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175832&posted=1#_ftn6).




(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175832&posted=1#_ftnref1) تعتبر الآية الأولى تكملة لـ (2 مكا 8 : 30 – 33) عن موضوع تطهير الهيكل وتحديد عيد التجديد.
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175832&posted=1#_ftnref2) قدح حجارة: أخرجوا نارا من حك حجرين بعضهما البعض، واعتبروها نارا مقدسة وليست غريبة (لاويين 10 : 1...إلخ ) وعملوا كآدم إذ جهّز له الله حجران ملتهبان ليحكّهما أحدهما بالاخر ويخرج النار (التلمود – باب بساحيم (الفصح) في مشنا 2:54) : ] أحضر له الله تبارك اسمه حجران ليحكهما بعضهما البعض فخرج النور [ وأيضا راجع ( بريشيت ربا 11 – وهو أكبر كتاب تفسيري أبائي يهودي للتكوين).
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175832&posted=1#_ftnref3) السنتان هنا بدءا من بداية أعمال يهوذا المكابي وليس من بداية تدنيس الهيكل. وطبقا لـ (1مكا 54:1 و 54،52:4) ويوسيفوس في "الآثار اليهودية" أنه عبرت ثلاث سنين، وطبقا لـ (دانيال 27:9) ويوسيفوس في الحروب اليهودية" (كتاب 1 فصل 1 فقرة 1): أنه عبرت ثلاث سنين ونصف.
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175832&posted=1#_ftnref4) جاءت في اليونانية: (qursouV = بغصون من شجر اللبلاب أو من الجفنة مغطاة باللبلاب) التي كانت شعار الإله ديونيسيوس في كأس. و( kai kladouV wraiouV = بأغصان جميلة، بأغصان مزخرفة). كما جاءت الكلمة "سعوف نخيل" في اليونانية ( foinikaV )، وهذا يطابق ما جاء في: (1مكا 5:13 ، Baiwn = سعف). والكلمة العبرية هَدَر Hadar المشار إليها هنا يقصد بها "التعلق بفاكهة الموسم" وتعني أيضا: جلال، مجد، جمال، زخرفة ..) فالمعنى فى اللغتين واحد. ويرى يوسيفوس وغيره أنه يقصد بها "الموالح".ومما لا شك فيه أنهم اقتبسوا ما جاء في (لاويين 23 : 40).
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175832&posted=1#_ftnref5) أشهر من قتل نفسه بشرب السم في التاريخ اليوناني سقراط بعد محاكمته في القرن الخامس قبل الميلاد ، و شيشرون معلم نيرون قيصر.
(2) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175832&posted=1#_ftnref6) هذا وقد ذكر بوليبيوس خدمة بطليموس مقرون هذه وتَركِه لقبرص (بولوبيوس الجزء 18 فصل 55 :6 و 27 : 13).

st-athanasios
02-21-2009, 08:53 PM
الأنتصار على الأدوميين
14 ووُلَّىَ جرجياس قيادة البلاد، فشرع يجند من الأجانب، وينتهز كل فرصة لإلقام نار الحرب على اليهود. 15 وكذلك الأدوميون الذين كانت لهم حصون فى مواقع ملائمة كانوا يضايقون اليهود ويقبلون المنفيين من أورشليم، ويحرضون على الحرب. 16 فابتهل الذين مع المكابى فى صلاة عامةن وتضرعوا إلى الله أن يكون لهم حليفاً، ثم هجموا على حصون الأدوميين. 17 واندفعوا عليها بشدة، فاستولوا على تلك المواقع وردوا جميع الذين كانوا يقاتلون على السور وذبحوا كل من وقع فى أيديهم، وأهلكوا لا أقل من عشرين ألفاً. 18 وفر تسعة آلاف منهم إلى برجين حصينين جداً مجهزين بكل أسباب الثبات للحصار. 19 فترك المكابى سمعان ويوسف وزكا وعدداً من أصحابه كافياً لمحاصرتهما، وانصرف إلى أماكن أخرى كانت أمس حاجة. 20 غير أن الذين كانوا مع سمعان استغواهم حب المال، فارتشوا من بعض الذين فى البرجين، وخلوا سبيلهم، بعد أن أخذوا منهم سبعين ألف درهم. 21 فلما أخبر المكابى بما حدث، جمع رؤساء الشعب وشكا ما فعلوا من بيع إخوتهم بالمال، إذ أطلقوا أعداءهم عليهم. 22 ثم قتل أولئك الخونة، واستولى من فوره على البرجين. 23 وقرنت أسلحته بكل فوز، فأهلك فى البرجين ما يزيد على عشرين ألفا.



جرجياس:
يعنى تعبير "قيادة البلاد": حاكم الأقاليم، وفى بعض الأحيان كان هذا اللقب يعنى المناطق التى لا تتمتّع بالامتيازات فى المملكة مثل أدومية وغيرها، ومن خلال ما ورد فى (1مكا 5: 29) حيث نقرأ عن جرجياس الذى حارب اليهود وكانت له قاعدة فى يمنيا، ومن خلال (2مكا 12: 32-41) والتى ورد فيها دخول اليهود إلى يمنيا (12: 40) حيث يذكر أن العدد كان جرجياس أيضاً حاكم أدوم (12 : 32) وأن هذه الأحداث كلها وقعت فى حكم أنطيوخس الخامس، يمكن استنتاج وجود جرجياس واحد وهو حاكم أرض أدوم والمناطق الأخرى المحيطة باليهودية.
قام جرجياس بتجنيد عدد كبير من الأجانب (المرتزقة الفلسطينيين) ومن ثم فقد صار يتحرّش باليهود، لا سيما من خلال جيرانهم الوثنيين والذين تتسم علاقاتهم بهم بالعداء، والذى أصبح سمة تميّز العلاقة بينهم. فقد استعدى جرجياس الأدوميين على اليهود، ففى المدن المحصّنة (الحصون) والتي ُوجدت فى المنطقة هناك مثل مستعمرات أدومية متفرقة، مارس هؤلاء أنواعاً مختلفة من الضغط على اليهود، فقد استقطبوا المعارضين للنظام فى أورشليم ولا سيّما أولئك المتشيعين بالحضارة الهيلينية، ليس ذلك حباً بالهيلينية بل رغبة منهم فى اضعاف السلطة هناك، ومن ثم أصبحوا حجر عثرة لهم.
ولقد توسّل اليهود إلى الله أن يشهد على مضايقات الأعداء وظلمهم، وتبرئة أنفسهم من دمائهم. ذلك قبل أن يباغتوهم فى شجاعة وُيلحقوا بهم هزيمة قاسية ويكبّدوهم خسارة جسيمة.
وقد حقق اليهود الانتصارات الكبيرة على الأدوميين ولاحقوا أولئك الذين هربوا محتمين بالحصون حتى لايعودوا إلى مهاجمة اليهود أو مضايقة السكان اليهود الذين يحيون بينهم، ويشجّعون المرتدين من اليهود على العيش بينهم والعمل ضد بني وطنهم، ثم ولّى يهوذا بعضًا من رجاله لحراسة المحاصرين فى الحصون . . انظر التعليق على (1مكا 5: 1-8). ولا شك أن سمعان المذكور هنا هو سمعان شقيق يهوذا، فى حين كان يوسف وزكا (زكريا) من القادة الموثوق بهم أنظر (1مكا 5: 17-18 ، 55-56).
أما الأمور العاجلة التى من أجلها ترك يهوذا الساحة لأولئك القادة، فالأرجح أنها مناوشات وتهديدات طيموتاوس القائد العموني، حيث لم يكن ممكناً ليهوذا أن يعود لأسر القلاع المحاصرة قبل دحر قوات طيموتاوس (آية 24).



فى وسطك خيانة يا إسرائيل (19 ـ 23):
لم يخل الأمر مع ذلك من آثار الضعف البشرى والخيانة، ولابد أن يوجد بين الأمناء والثوّار بعض ممن يخونون القضية، ومن يسيل لعابهم أمام المال الوفير، وهو أمر شائع فى مثل تلك الظروف. ولم يكن هناك الكثير من أمثلة هؤلاء حول يهوذا المكابي، ولكن ذلك أيضًا ُيظهر لنا بالمقارنة: حكمة يهوذا المكابى وشجاعته.
أما خطورة تلك الخيانة فهى احتمال أن يعود الناجون وعددهم سبعمائة شخص، من جديد لمحاربة اليهود انتقاماً منهم، راجع انتصارات يهوذا المكابي والتعليق عليها فى (1مكا 5: 1-8).

رؤساء الشعب والمحاكمات:
من المحتمل أن يكون هؤلاء الرؤساء الذين حاكموا الخونة، عبارة عن مجلس عسكرى أو محكمة عسكرية، كبديل لنظام مجلس الشيوخ اليهودى، وقد كوّن أتباع المكابي أجهزة حكومية قومية لهم، وقد عاد الحكام السلوقيون إلى الاعتراف بسلطة مجلس الشيوخ بحلول مارس سنة 164 ق.م. ومن الواضح أن يهوذا لم يعطِ نفسه سلطة مطلقة للحكم بالإعدام على الخونة، رغم أنه كان من سلطته ذلك، لاسيّما فى الظروف القتالية الخاصة والطواريء التى عثر بها البلاد.
ومن المؤكد أن سمعان لم يشترك معهم فى الخيانة، وان كان قد ذكر اسمه ضمن الذين تولّوا مراقبة الحصون، فإن سيرته وأعماله فى سفر المكابيين الأول تؤكّد عكس ذلك. كما أن ظن البعض بأن "يوسف وزكا" هو تحريف للاسم يوسف بن زكريا المذكور في (5: 56) إلاّ أنهلا مانع من وجود واقعة اخرى غير تلك التي أساء فيها يوسف بن زكريّا إلى الجيش حين اشترك فى عملية خطيرة بسبب عدم طاعته، وأمّا الثمن الذي تقاضوه مقابل هذه الخيانة (70 ألف درهم) فهو يعنى أن الُمفرَج عنهم كانوا سبعمائة شخص إذا اعتبرنا أنهم تقاضوا مئة درهم عن كل واحد من الذين نجوا.
أما ن عدد القتلى المذكور هنا (عشرين ألفاً آية 23) مقابل التسعة آلاف المذكورين فى (آية 18) فلا تعارض بينهما إذ أنه من المحتمل أن يكون البرجان قد اُحتلاّ من قِبل حامية عسكرية قبل التجاء الفارين إليهما، وقد ُذكر في (1مكا 5: 5) أن يهوذا قد أضرم النار فى البرجين حتى مات المجتعون بهما حرقاً.

هزيمة طيماتاوس والأستيلاء على جازر


24 ثم إن طيموتاوس الذى كان اليهود قد هزموه من قبل حشد جيشاً عظيماً من الغرباء وجمع من أفراس آسية عدداً غير قليل، وزحف كمن يريد الاستيلاء على اليهودية بالسلاح. 25 فلما اقترب، توجه رجال المكابى إلى الابتهال إلى الله، وقد حثوا التراب على رؤوسهم وشدوا أوساطهم بالمسوح. 26 وجثوا عند قاعدة املذبح وابتهلوا إلى الله أن يكون معهم ومعادياً لأعدائهم ومضايقاً لمضايقيهم، كما ورد صراحة فى الشريعة. 27 ولما فرغوا من الصلاة، أخذوا السلاح وتقدموا حتى صاروا عن المدينة بمسافة بعيدة، ولما قاربوا العدو وقفوا. 28 وعند انتشار نور الشمس فى طلوعها، تلاحم الفريقان، هؤلاء متوكلون على الرب كفيلاً بالفوز والنصر وعلى بسالتهم، وأولئك متخذون اندفاعهم قائداً فى الحروب. 29 فلما اشتد القتال، تراءى للأعداء من السماء خمسة رجال رائعى المنظر، على خيل لها لجم من ذهب، وتقدموا اليهود، 30 وأحاطوا بالمكابى يحمونه بأسلحتهم ويقيانه الجراح. وكانوا يرمون الأعداء بالسهام والصواعق، حتى عميت أبصارهم وجعلوا يتفرقون لشدة اضطرابهم. 31 فذبح عشرون ألفاً وخمس مئة ومن الفرسان ست مئة. 32 وأما طيموتاوس فقد هرب إلى الحصن الذى يقال له جازر، وهو حصن منيع، وكان تحت إمرة خيراوس. 33 فتحمس رجال المكابى مسرورين وحاصروا المعقل أربعة أيام، 34وإن الذين فى داخله، لثقتهم بمناعة المكان، تمادوا فى التجديف وأفحشوا فى الكلام. 35فلما طلع صباح اليوم الخامس، هجم عشرون فتى من رجال المكابى على السور، وهم متقدون غيظاً من التجاديف، وجعلوا يذبحون ببسالة رجولية وتنمر كل من عرض لهم. 36 وكذلك تسلق آخرون من خلف إلى الذين فى الداخل، وأشعلوا البرين وأحرقوا أولئك المجدفين أحياء فى المحارق. وكسر آخرون الأبواب وفتحوا ممراً لبقية الجيش واستولوا على المدينة. 37 وكان طيموتاوس مختفياً فى جب، فذبحوه هو وخيراوس أخاه وأبلوفانيس. 38 وبعد ذلك، باركوا الرب بالأناشيد والتسابيح على إحسانه العظيم إلى إسرائيل ونصره إياهم.



بعد أن ذاق طيموتاوس مرارة الهزيمة على أيدى المكابيين، ولكنه استطاع الهروب ليعيد الكرّة من جديد وبصحبته جيش جرار معضد بعدد ضخم من الخيول جلبها من آسية(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175846&posted=1#_ftn1). وقد آثار ذلك مخاوف اليهود، ليس الخوف من الدخول فى المعركة فحسب بل استيلاء السلوقيين من جديد على اليهودية، وما قد يتبع ذلك من الإساءة إلى الهيكل والمقدسات من جديد.
وهكذا نجدهم يلجأون إلى الله بالصلاة مما يؤكد استمرار الدافع الديني خلف جميع الأعمال العسكرية الدفاعية، ولقد اعتاد اليهود أن يتوجّهوا بالصلاة إلى الله طالبين مراحمه كأول خط دفاع لهم (8: 2-4، 14-15 و 10 : 16،25 – 26) ولعلها أكثر مراحل جهاد اليهود تشبّعاً بالصلاة والإصرار على أن يكون الله شريكاً أساسياً فى قراراتهم، وهم هنا يذكّرونه بوعده: " .. ولكن إن سمعت لصوته وفعلت كل ما أتكلم به أعادى أعداءك وأضايق مضايقيك. فإن ملاكى يسير أمامك. ." (خروج 23: 22).
وكان لدى اليهود فى ذلك الوقت أربعة نبوات يتوقعون تحقيقها، وهى:
(1) أشعياء (30: 15-36): حيث يُعاتَب إسرائيل لاعتماده على القوة البشرية والخيل دون الاعتماد على الله، فيسمح الله لخمسة من الأعداء بإجبار شعبه على الفرار، ويطالب إسرائيل بطلب الرحمة من الله وطرح الأصنام، وحينئذ تأتى بركته ويأتى الله بغضب ليقضي على أعداء إسرائيل.
(2) زكريا (9: 9-16): حيث يجب على إسرائيل وقادته أن يتواضعوا ولا يكن لهم مركبات ولا فرسان ولا رماة، كما أن "دم العهد" والذى ُيفسّر ببساطة على أنه " دم الشهداء" ُيطلق الأسرى، كما ذكر اسم العدو فى تلك النبوة على أنه لاوان أى اليونان (الإمبراطورية السلوقية) وسوف يظهر الرب من فوقهم بـ "سهام مثل البرق" ويحميهم.
(3) يوئيل (2: 11-3: 21): ويذكر فيه أنه عندما يرجع اليهود المضطهَدون إلى الله بتوبة وصلاة سيمدّهم بالطعام ويبعد عدو الشمال (أنطيوخس الرابع) عنهم ليهلك بنتن بين البحرين، وُيهلك الأمم التى سارت ضد يهوذا وأورشليم.
(4) دانيال (11: 45 – 12: 1): حيث تنبأ أنه بعد موت ملك الشمال سيأتى زمان من المتاعب غير المسبوقة يخفّ خلاله الُمدافع الملائكي العظيم ميخائيل لنجدة إسرائيل، ويجتاز اليهود الأتقياء المخاطر.

وفى صلاة الحجاب التى يصليها رئيس الكهنة فى يوم الكفارة، يَرِدْ: (.. نسألك "يا يهوه" ألاّ يأتى أي سبي علينا، سواء فى هذا اليوم أو خلال هذه السنة، وحتى إذا ُاسرنا فى هذا اليوم أو هذه السنة فياليته أن يكون إلى مكان تطبق فيه الشريعة) (1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175846&posted=1#_ftn2) . هكذا كان العمل بالشريعة هو على رأس قائمة الأولويات فى فكرهم وجهادهم. وهكذا يليق بكل إنسان أن يكون اهتمامه الأول ما يفيد خلاصه، بغض النظر عن المكان والعائد المالي أو الكرامة الشخصية فإن خلاص النفس هو أثمن الأهداف وأولها.

رؤيــا لتعزيتهـم:
شاع فى القديم بين الوثنيين أن لليهود إله قوى يدافع عنهم وصفوه بأنه "إله السماء"، وقد كانو محقّين فى ذلك، حيث وعد الله شعبه بأنهم حتى استقاموا بقلوبهم وطلبوه بثقة فهو يؤازرهم ولن يدع أمة ما تتسلط عليهم مهما كانت قوتها، بل "من طريق واحد يخرجون عليك وإلى سبع طرق يتفرقون أمامك" والعكس أيضاً صحيح فى حالة مخالفتهم لقول الرب.
فى مقابل ذلك كان الأدوميين متكلين على ذراعهم البشرى وعددهم الحربية، فى حين رأى المكابيون كفايتهم فى الله (آية 29).
أما عن هذه الرؤيا فهى واحدة من أربع ُرؤى تُذكر فى سفر المكابيين الثاني هذا، حيث كانت الأولى قد حدثت عند محاولة هليودورس الاستيلاء على أموال الهيكل (3: 24-26) بينما حدثت الثالثة عندما كان المكابيون يستعدون لهجوم نكانور، حين ظهر إرميا النبى ومعه أونيا الكاهن ليهوذا مشجعين إياه (15: 12-16) وأما الرابعة فكانت عند حصار ليسياس لبيت صور (11 : 8). وفى هذه الرؤيا التى نحن بصددها أوقع المنظر الرعب فى قلوب الأعداء، قدر ما أشاع الطمأنينة فى قلوب المكابيين حيث كانوا فى أمس الحاجة إلى تعزية مثل هذه، وقد حارب الرب عنهم من خلال أولئك الفرسان والذين كانوا يعادلون جيشاً جراراً، وفى هذا يكمل قول الرب أن واحداً يطرد ألفاً، متى اتكلوا هم عليه كما رأى اليهود أن فى هذه الرؤيا تحقيق لما ورد في:(اشعياء 31 : 5).

أفراس آسية (آية 24):
آسية بمعناها المحدود هى آسية الصغرى والتى ضاعت من الإمبراطورية السلوقية منذ عام 188 ولم تكن هناك خيول حربية فى تلك الفترة تخدم فى جيش طيموتاوس فى سنة 164 أو 163 ق.م. أما آسية بالمعنى الواسع فكانت الإمبراطورية السلوقية، وبالتالي فربما كان المقصود هو أفراس من سلالة آسية ، وفى الأزمنة القديمة كانت هناك سلالة مشهورة جداً من خيول الحرب عرف باسم سلالة نيصاية Nisaia أو "السلالة النيصانية" نسبة إلى موطنها وهو السهل النيصاني في ميديا، وكان راكبوها من تلك المنطقة ُيعرفون باسم الفرسان النيصانيين، وبالتالى يمكن أن ُتعرّف أفراس (خيول) آسية على أنها الخيول التى كان يحتفظ بها الملوك السـلوقيين(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175846&posted=1#_ftn3) .
والسؤال الهام: كيف أمكن لطيموتاوس أن يجمع مثل تلك الخيول النادرة، والعدد الكبير من الجنود المرتزقة والفرسان الذين يشكّلون أهم صفوف الجيوش، لعلّ الأسر الحاكمة فى فيلادلفيا (الأردن) كانت من الثراء والنفوذ بحيث أمكنها تحقيق ذلك، وربما يكون الجنود المرتزقة والفرسان النيصانيين قد أجروا أنفسهم لمن يدفع أكثر، وذلك خلال الاضطرابات التي أعقبت موت أنطيوخس أبيفانيوس.

المواجهة: ثمّ حدثت المواجهة وكانت حصيلة القتلى من الفرسان والجنود وكذلك الجرحى، تعد كبيرة جداً، فلما حمي وطيس القتال وتكبّد الأدوميين هذه الخسائر الفادحة، هرب طيموتاوس نفسه إلى حصن جازر (13: 43) رغم الرأى القائل بأن الاستيلاء على هذا الحصن قد تم على عهد سمعان المكابي شقيق يهوذا وآخر المكابيين الخمسة، فإن المرجح أن يكون الحصن قد تماسك من جديد وسكنه الوثنيون مع مرور الوقت، حتى جاء سمعان ليحاصره وُيسقطه بعد توسّل سكّانه إليه طالبين الأمان، ثم طهّره من كل ما هو وثني ليجعله من ثمّ مقراً للمكابيين (1مكا 13: 49-53).

حصن جازر: كتبت جازر بأكثر من طريقة مثل جازارا (جازاره) مثلما وردت في (ملوك ثان 5 : 25) ويمكن أن ُتقرأ يازر Iazer مثل جازر Gazer مثلما وردت فى (أخبار الأيام الأول 6: 66). وكانت جازر تقع غرب ربات عمون Rabbath-ammon (فيلادلفيا) وهى عمان الآن، وإن لم يكن قد تم تحديد موقعها بالضبط، ولكنه من المحتمل أن تكون خربة جازر. ويشير يوسيفوس فى تاريخه إلى أن جازر قد ُاحرقت.

خيراوس Chaereas كيراوس: ربما جاء الاسم من كيريوس ومعناها "سيد أو رب" وهو شقيق طيموتاوس العموني المذكور هنا (آية 37) فلما ُهزمت الجيوش هرب مع أخيه وبرفقتهم ثالث هو أبلوفانيس (معناه: "قوة أبوللو أو ظهور أبوللو").
وهنا تشجّع رجال المكابي فحاصروا الحصن لمدة أربعة أيام، كان الأدوميون خلالها وبسبب ثقتهم الزائدة فى قوة الحصن يجدّفون على إله إسرائيل ويشبعون الجنود إهانات، مما دفع بالمكابيين إلى المبادرة باقتحام الحصن من الخلف ليمهّدوا سبيلاً للدخول، فى حين اشتبك آخرون مع الذين على الأسوار، وقد أحرق المهاجمين برجين عملاقين للحصن كان يستخدما لأغراض هجومية ودفاعية معاً، وبذلك ارتفع عدد القتلى جداً. ويجب ألاّ ننظر إلى الرقم باعتباره مبالغ فيه، فإن طيموتاوس بجيشه العملاق قد احتمى داخل هذا الحصن وبرجيه. وتبقّى بعد ذلك أن يعاقب اليهود القادة الثلاثة المختبئين داخل الجب أسفل الحصن حيث قاموا بذبحهم. وعند ذلك قاموا بخدمة التسبيح لله الذى ينسب إليه هذا النصر أولاً.
هذا ويتنبأ أشعياء النبى أنه بعد الهجوم النارى على الوثنيين (30: 27 ، 28) فرحٌ للرب على جبل الهيكل.




(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175846&posted=1#_ftnref1) وآسيا هنا لا تعني قارة آسيا بالضرورة، بل تعنى سلوقية أو أنطاكية حيث التاج والعرش السلوقى، والذى كان ُيسمى أيضاً "عرش آسيا".
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175846&posted=1#_ftnref2) راجع كتاب الهيكل للمؤلف / فصل 16.
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175846&posted=1#_ftnref3) Jonathan A. Goldsten, II Macc.

st-athanasios
02-21-2009, 08:56 PM
الأصحاح الحادى عشر


حملة ليسياس ومعاهدات الصلح

لا شك أن انتصارات اليهود الُمبهرة قد أثارت حفيظة الحكام فى أنطاكية، فقد خشوا من تفاقم أمر اليهود وانتقال الثورة والتمرد إلى المدن الأخرى، ومن ثمّ قرروا القيام بعمل عسكرى ضخم لردع اليهود. غير أن الحملة فشلت إذ لحق بالسلوقيين هزيمة منكرة، مما حدا بهم إلى تعديل استراتيجيتهم إلى التفاهم والتصالح وانتهاج الدبلوماسية أسلوباً فى التعامل
مع المكابيين.

حملة ليسياس
1 وبعد ذلك بزمان قليل جداً، إذ كانت الأحداث قد شقت كثيراً على ليسياس، وصى الملك وذى قرابته والمقلد تدبير الأمور، 2 جمع نحو ثمانين ألف رجل وفرسانه كلهم، وزحف على اليهود، وفى نيته أن يجعل المدينة مسكناً لليونانيين، 3ويُخضع الهيكل للضريبة كسائر معابد الأمم، ويعرض الكهنوت الأعظم للبيع سنة فسنة، 4 غير حاسب حساباً لقدرة الله، بل منتشياً من ربوات مُشاته وألوف فرسانه وأفياله الثمانين. 5 فدخل اليهودية وبلغ إلى بيت صور، وهى مكان محصن على نحو خمس غلوات من أورشليم، وضيق عليها الخناق. 6 فلما علم أصحاب المكابى أن ليسياس يحاصر الحصون، ابتهلوا إلى الرب مع الجموع بالنحيب والدموع أن يرسل ملاكاً صالحاً ليخلص إسرائيل. 7 ثم أخذ المكابي سلاحه أولاً وحرّض الآخرين على المخاطرة معه لنجدة إخوتهم. فاندفعوا كلهم معاً متحمّسين. 8 وكانوا لا يزالون عند أورشليم، إذ تراءى فارس عليه لِباسُ أبيض يتقدمهم، وهو يلوح بسلاح من ذهب. 9 فجعلوا بأجمعهم يباركون الله الرحيم وتشجعوا فى قلوبهم، حتى كانوا مستعدين لأن يطعنوا، لا الناس فقط، بل أضرى الوحوش أيضاً، ويخترقوا أسوار الحديد. 10وأخذوا يتقدمون مصطفين للقتال، وقد أتاهم حليف من السماء برحمة الرب. 11 وحملوا على الأعداء حملة الأسود وصرعوا منهم أحد عشر ألفاً ومن الفرسان ألفاً وست مئة، وألجأوا سائرهم إلى الفرار. 12وكان أكثر الذين نجوا بأنفسهم جرحى وبلا سلاح. وليسياس نفسه نجا بفرار مخجل.



هذه الحملة وما تبعها من معاهدات وقعت عقب (8 : 36) أى بعد الأصحاح الثامن وقبل موت أنطيوخس أبيفانيوس، ولعل هذا هو المقصود في (الآية1 "وبعد ذلك بزمان قليل") وقد نجد هناك ما يوحى بالخلط بين أنطيوخس الرابع أبيفانيوس وأنطيوخس الخامس أوباطور بسبب وقوع بعض الحملات والأحداث أثناء الفترة الأخيرة من حياة أنطيوخس الرابع والتى قضاها خارج عاصمة ملكه، والفترة التى كان فيها أنطيوخس الخامس ما يزال طفلاً تنقّل تحت الوصاية ما بين فيلبس وليسياس، ولذلك فبعض القرارات تنسب إلى الشخصية الأولى وبعضها إلى الثانية وبعضها إلى الثالثة. والذى يعنينا هنا هو أن الأحداث وقعت بالفعل، وقد كانت الأخبار تصل ببطء، وتتلاحق مما ينتج عنه الكثير من الخلط والكثير من المشاكل الإدارية والسياسية، كما يؤخذ جيداً فى الاعتبار أنه كثيراً ما يستخدم المؤرخ تقويماً غير الذى يتخذه الآخر(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175853&posted=1#_ftn1).
وصى الملك وذى قرابته والمقلد تدبير الأمور (آية 2):
جاءت الكلمة " قريبه " في اليونانية (suggenhV) بمعنى نسيب، وهذا يطابق ما ورد في (1مكا 10 : 89) و"الموكل على الأمور" جاءت في اليونانية (o epi twn praymatwn) وهو يطابق أيضاً ما جاء في (2مكا 7:3) " هليودوروس قيّم المصالح ".
كان على ليسياس فى الفترة التالية لوفاة أنطيوخس أبيفانيوس، أن يقوّى نفوذه فى أنطاكية (10: 11-13) وحتى بعد التخلص من منافسيه، لم يكن من السهل عليه أن يترك العاصمة إلاّ لأسباب قهرية، وكانت انتصارات المكابيين ُمقلقة لـ ليسياس وهو رئيس وزراء نظام لا يتمتع بالأمن التام. ولكن حملته تنتهى على نحو مفاجئ عندما يتصدى لها اليهود بمساندة الظهور الإلهى، وينهى ليسياس العداوات بشكل رسمى طبقاً لما ورد فى (1مكا 3: 38- 4 : 35) وكان غزو ليسياس هو أولى الحملات السلوقية ضد اليهود بعد حملة نيكانور وجرجياس(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175853&posted=1#_ftn2) بل كانت رد فعل لما وقع على هذين القائدين (1مكا 4: 1-28) إذ فوجئ بما حدث (10: 16-38).

ونعود الآن إلى حملة ليسياس والتى كان الغرض الرئسيى منها هو: محو الهويّة الدينية لليهود فى أورشليم وذلك من خلال تحويلها بشكل رسمي إلى مدينة يونانية (آية2) وهو الهدف الذى طالما سعى أنطيوخس الرابع لتحقيقه ولم يفلح، وأما عن الضريبة التى ينوي ليسياس وضعها على الهيكل فلم تكن عادة راسخة، بل خضعت لطبيعة العلاقة بين اليهود والحكام الأجانب الخاضعين لهم، حيث تأرجحت ما بين كرم الملوك وانفاقهم على الهيكل والذبائح، وبين فرض الضرائب الباهظة على الموضع وعلى رئيس الكهنة، وهو المنصب الذى كان يخضع للعرض والطلب: ففى كل عام كان هناك فرصة للمزايدة على رئاسة الكهنوت حيث يُؤهب لمن يدفع أكثر (4 : 24).
هذا وكان ليسياس قد حشد جيشاً عظيماً من الفرسان والمشاة والأفيال الحربية، وما أن وصل إلى "بيت صور" وهى مدينة حصينة (1مكا 4 : 29) حتى قام بحصارها والتضييق على اليهود الساكنين داخلها، ومن ثمّ راح اليهود يبتهلون إلى الرب علّه يزيح عنهم هذا الكابوس المزعج.
بيت صور Beth-zur : هنا ملاحظة تاريخية دقيقة، وهى مرور ليسياس على بيت صور، لم تذكر فى المكابيين الأول (4 : 29) حيث تقع على مسافة 28 كم جنوب أورشليم على الطريق المؤدى إلى الخليل، وإن كانت على مسافة 14 كم فقط على خط مستقيم (أقصر الطرق)(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175853&posted=1#_ftn3).

أهداف ليسياس من الحملة:
1- جعل المدينة مسكناً لليونانيين: كان مستوطنون غرباء قد فُرضوا على أورشليم بالفعل (1مكا 1 : 38) ولكنه يود تحويلها إلى مستعمرة يونانية.
2- إخضاع الهيكل للضريبة مثل سائر المعابد: كان الهيكل فى ذلك الوقت يعانى من أزمة مالية، عقب حوادث السلب والنهب والتى كانت أسوأ من دفع الضرائب بكثير (4: 32، 39 و 5: 15-21) كما كان منلاوس قد اشترى رئاسة الكهنوت (4 : 24) وكان مستبعداً من مزاولة عمله، وإن لم يكن ما يزال شاغلاً لمنصبه.وكان اليونانيين وجامعى الضرائب قد ُمنعوا مؤقتاً من دخول أورشليم.

مـلاك صـالح: مرة أخرى يرسل الله عضداً من السماء وعوناً من عليائه، وهوذا يظهر من جديد فارس بثياب بيض (سمائى) فعندما تعيي البشر الحيلة فإن الله يتدخل بقوة، فقد كان هذا الفارس كنائب عن الله يحمل بشرى العون والغلبة. هكذا كان وعد الله لشعبه منذ أخرجهم من مصر يتعهدهم من خلال خدامه "ها أنا مرسل ملاكاً أمام وجهك ليحفظك فى الطريق ويجئ بك إلى المكان الذى أعددته" (خروج 23 : 20).
هذا وقد أكسبتهم هذه الرؤيا ثقة كبيرة بأنفسهم وشجاعة عظيمة، إذ أدركوا أن الرب لن يتخلى عنهم فى تلك المجابهة فهوذا حليفه يتقدّمهم (آية 10). وتعد هذه الرؤيا هى الرابعة التى ُتذكر في هذا السفر خلال كفاح المكابيين(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175853&posted=1#_ftn4)، وهكذا استطاع اليهود مواجهة هذا الجيش الجرار ُملحقين به هزيمة مخزية، حيث يبدو ذلك منعدد القتلى والجرحى وهروب ليسياس نفسه.
وهكذا صرح عدد كبير من الأعداء، ومن كان سيصبح جامع جزية لاذ بالفرار إذا أصبح فرسانه بلا جدوى، وقد رأى اليهود فى ذلك تحقيقاً لنبوات: (زكريا 9: 15 و 10: 4-5 و أشعياء 31: 8-9).








وهكذا استطاع اليهود مواجهة هذا الجيش الجرار ُملحقين به هزيمة مخزية، حيث يبدو ذلك منعدد القتلى والجرحى وهروب ليسياس نفسه.
وهكذا صرح عدد كبير من الأعداء، ومن كان سيصبح جامع جزية لاذ بالفرار إذا أصبح فرسانه بلا جدوى، وقد رأى اليهود فى ذلك تحقيقاً لنبوات: (زكريا 9: 15 و 10: 4-5 و أشعياء 31: 8-9).
التصالح مع اليهود

13 ولم يكن ليسياس عديم الفطنة، فأخذ يفكر فيما أصابه من الهزيمة، وأدرك أن العبرانيين قوم لا يقهرون، لأن الله القدير يناصرهم، فأوقد 14 يعرض عليهم المصالحة فى كل ما هو حق، ويعدهم بأن يرغم الملك على مصادفتهم. 15 فرضى المكابى بكل ما اقترح ليسياس، ابتغاء للمصلحة العامة. وكل ما أبلغه المكابى إلى ليسياس بالكتابة فى أمر اليهود، أجابه الملك إليه.

سواء أكان قرار التصالح مع اليهود قد جاء قسراً أو حكمة، فقد أدت بعض الاضطرابات فى عاصمة المملكة بأنطاكية إلى تغيير خطة ليسياس، وللرب طرق عديدة فى تحقيق مشيئته، فقد بلغت ليسياس الأخبار باستيلاء فيلبس على العرش، ومن ثمّ فقد تحوّل بفكره وقواته عن اليهودية إلى أنطاكية، ويذكرّنا ذلك بما حدث مع أنطيوخس أبيفانيوس حين أزعجته أخبار من الشرق ومن الشمال "وتفزعه أخبار من الشرق ومن الشمال فيخرج بغضب عظيم ليخرب ويحرم كثيرين" (دانيال 11 : 44) راجع أيضاً (إشعياء 28 : 19).
هذا وقد كان من السهل على ليسياس استصدار القرارات الخاصة بالمصالحة مع اليهود من الملك، إذ كان الأخير ما يزال صبياً فى ذلك الوقت وليسياس نفسه سيصبح الوصيّ عليه، أما اليهود أنفسهم فقد قبلوا العرض، فإذا كان ليسياس قد ُحسب حكيماً فى نظرهم (ليس عديم الفطنة /آية 13) فإن اليهود فى المقابل كانوا حكماءً بقبولهم العرض السلوقي، مما يؤكد أن ميولهم حتى ذلك الوقت ليست عدوانية كما لم تكن لهم سياسات توسعية بل دفاعية، وان كانوا قد انحرفوا عن هذا النهج لاحقاً بالسعى إلى مزيد من السلطة والأراضي.


(1) رسالة ليسياس إلى اليهود

16 وهذه فَحْوى الرسالة التى كتب بها ليسياس إلى اليهود: "من ليسياس إلى شعب اليهود سلام. 17 قد سلم يوحنا وأبشالوم الموفدان من قبلكم الوثيقة المنسوخة أدناه، وسألانا أن نبرم ما تتضمنه. 18 فشرحت للملك ما ينبغى أن يرفع إليه، ووافقت على ما هو فى إمكانى. 19 وإن بقيتم على ولائكم للدولة، فإنى أبذل جهدى فيما بعد لأن أتوخى ما فيه خيركم. 20 وأما تفصيل الأمور، فقد أوصينا الموفدين ومن أرسلنا من قبلنا بأن يفاوضوكم فيه. 21 والسلام. فى السنة المئة والثامنة والأربعين، فى الرابع
من شهر ديوسقورس".



كتب ليسيّاس إلى يهوذا المكابى يعرض عليه اتفاقية الصلح (أوبمعنى أدق الهدنة، إذ لم تنته الحرب عند هذا الحد) ومن ثمّ فقد كتب يهوذا بدوره إلى ليسياس يبلغه بمطالب بلاده، هذا وقد ُاشير إلى مضون هذه الرسالة فى (1مكا 6: 58 ،59) وقد عقد اجتماعه هذا فى الرابع والعشرون من شهر كسنتكس.وإن كان ليسياس قد نقض هذا الاتفاق لاحقاً.

يوحنا وأبشالوم: ربما كان يوحنا هو: يوحنا المكابى، الابن البكر لمتتيا الكاهن، كما يذكر اسم يوحنا فى عائلة من السفراء اليهود (2مكا 4 : 11 و 1مكا 8 : 17). بينما أبشالوم هو شخصية دبلوماسية مرموقة، وقد أصبح لابنيه متتيا (متتيا بن أبشالوم 1مكا 11 : 7) ويوناثان (يوناثان بن أبشالوم 1مكا 13 : 11) مراكزاً قيادية عسكرية هامة.
ولم يكن اسم أبشالوم شائعاً ـ كما هو الحال مع اسم يوحنا ـ ربما بسبب ارتباط الاسم بما حدث بين داود وابنه أبشالوم؛ وفى التعليق على سفر حبقوق كما ورد فى مخطوطات قمران يدين الكاتب "بيت أبشالوم" بسبب عدم سماعهم لتبكيت "معلم البر" ضد "رجل الكذب" مما يعنى أنهما أى الضابطان المنتميان إلى بيت أبشالوم، من اليهود الأتقياء وأن اسرتهما كانت تقية ذات نفوذ ،تعاونت مع الحشمونيين.

هذا وبينما احتوت وثيقة المعاهدة على الخطوط العريضة للاتفاقية، فقد ُتركت التفاصيل الأقل أهمية للوفدين السلوقى واليهودى، مثلما يعبّر عنها الآن بـ "لقاء القمة" بالنسبة للرؤساء وتفاهمات وزراء الخارجية والوفود الدبلوماسية. ويظهر من الوثيقة كيف كان ليسياس صادقاً وموضوعياً، إذ يَعِد بما فى إمكانه بينما يترك الباقى مرتبطاً بمدى التزام اليهود وولاءهم.
كان اليهود قد قدموا التماساً إلى ليسياس يتضمن طلباتهم وذلك قبل عدة شهور من ذلك التاريخ، وكان الإجراء المتبع فى مثل هذه الحالة هو التعليق على الالتماس أسفله (فى هذه الحالة أعلاه آية 17) فأعاد إليهم نسخة منها وفى أعلاها وضع تعليقاته، ومن الوثائق البطلمية نفهم أن الناتج عن الالتماس ثم التعليق عليه كان يسمى Chrinatismos، وكان على ليسياس إقناع الوزراء الأقوياء الآخرين بتعديلاته (بدلاً من الملك الصغير السن آنئذ) يضاف إلى ذلك تفاصيلا أخرى شفاهية من خلال الموفدين.




(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175853&posted=1#_ftnref1) الرجاء الرجوع إلى "التأريخ" فى كتاب مدخل الى سفري المكابيين للمؤلف، حيث يلقى الضوء على هذه القضية
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175853&posted=1#_ftnref2) هناك إشارة إلى حملتى ليسياس على اليهود فى كتاب نبوة أخنوخ (الاصحاح التسعون) وهو سفر غير قانونى كتب فى تلك الفترة (مخطوطات البحر الميت).
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175853&posted=1#_ftnref3) مئة وخمسون غلوة – جاءت في العربية خمس غلوات - : جاءت في النسخة المعتمدة نحو خمس إستاديونات أي خمس غلوات ( كالعربي تماما ) ( wsei stadiouV pente ) – يرى الرابي كاهانا أنها مئة وخمسون غلوة، لأن حصن بيت صور على حدود أدوم، يبعد نحو عشرين ميلا رومانيا (وطبقا ليوسابيوس : 160 غلوة من أورشليم). لذلك جاءت في كلا المخطوطتان (راجع تعليق العالم swete على ذلك) هكذا (scionouV) بدلا من (stadiouV )، حيث (scionouV) هي وحدة قياس تبلغ ثلاثين غلوة أي ثلاثين إستاديون (stadiouV )، وإذ ذاك تبعد بيت صور عن أورشليم نحو 150 إستاديون وهو الأمر الذي أورده يوسابيوس.
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175853&posted=1#_ftnref4) راجع قائمة تلك الرؤى في التعليق على الأصحاح الخامس عشر.

st-athanasios
02-21-2009, 08:59 PM
الأصحاح الحادى عشر


حملة ليسياس ومعاهدات الصلح

لا شك أن انتصارات اليهود الُمبهرة قد أثارت حفيظة الحكام فى أنطاكية، فقد خشوا من تفاقم أمر اليهود وانتقال الثورة والتمرد إلى المدن الأخرى، ومن ثمّ قرروا القيام بعمل عسكرى ضخم لردع اليهود. غير أن الحملة فشلت إذ لحق بالسلوقيين هزيمة منكرة، مما حدا بهم إلى تعديل استراتيجيتهم إلى التفاهم والتصالح وانتهاج الدبلوماسية أسلوباً فى التعامل
مع المكابيين.

حملة ليسياس
1 وبعد ذلك بزمان قليل جداً، إذ كانت الأحداث قد شقت كثيراً على ليسياس، وصى الملك وذى قرابته والمقلد تدبير الأمور، 2 جمع نحو ثمانين ألف رجل وفرسانه كلهم، وزحف على اليهود، وفى نيته أن يجعل المدينة مسكناً لليونانيين، 3ويُخضع الهيكل للضريبة كسائر معابد الأمم، ويعرض الكهنوت الأعظم للبيع سنة فسنة، 4 غير حاسب حساباً لقدرة الله، بل منتشياً من ربوات مُشاته وألوف فرسانه وأفياله الثمانين. 5 فدخل اليهودية وبلغ إلى بيت صور، وهى مكان محصن على نحو خمس غلوات من أورشليم، وضيق عليها الخناق. 6 فلما علم أصحاب المكابى أن ليسياس يحاصر الحصون، ابتهلوا إلى الرب مع الجموع بالنحيب والدموع أن يرسل ملاكاً صالحاً ليخلص إسرائيل. 7 ثم أخذ المكابي سلاحه أولاً وحرّض الآخرين على المخاطرة معه لنجدة إخوتهم. فاندفعوا كلهم معاً متحمّسين. 8 وكانوا لا يزالون عند أورشليم، إذ تراءى فارس عليه لِباسُ أبيض يتقدمهم، وهو يلوح بسلاح من ذهب. 9 فجعلوا بأجمعهم يباركون الله الرحيم وتشجعوا فى قلوبهم، حتى كانوا مستعدين لأن يطعنوا، لا الناس فقط، بل أضرى الوحوش أيضاً، ويخترقوا أسوار الحديد. 10وأخذوا يتقدمون مصطفين للقتال، وقد أتاهم حليف من السماء برحمة الرب. 11 وحملوا على الأعداء حملة الأسود وصرعوا منهم أحد عشر ألفاً ومن الفرسان ألفاً وست مئة، وألجأوا سائرهم إلى الفرار. 12وكان أكثر الذين نجوا بأنفسهم جرحى وبلا سلاح. وليسياس نفسه نجا بفرار مخجل.



هذه الحملة وما تبعها من معاهدات وقعت عقب (8 : 36) أى بعد الأصحاح الثامن وقبل موت أنطيوخس أبيفانيوس، ولعل هذا هو المقصود في (الآية1 "وبعد ذلك بزمان قليل") وقد نجد هناك ما يوحى بالخلط بين أنطيوخس الرابع أبيفانيوس وأنطيوخس الخامس أوباطور بسبب وقوع بعض الحملات والأحداث أثناء الفترة الأخيرة من حياة أنطيوخس الرابع والتى قضاها خارج عاصمة ملكه، والفترة التى كان فيها أنطيوخس الخامس ما يزال طفلاً تنقّل تحت الوصاية ما بين فيلبس وليسياس، ولذلك فبعض القرارات تنسب إلى الشخصية الأولى وبعضها إلى الثانية وبعضها إلى الثالثة. والذى يعنينا هنا هو أن الأحداث وقعت بالفعل، وقد كانت الأخبار تصل ببطء، وتتلاحق مما ينتج عنه الكثير من الخلط والكثير من المشاكل الإدارية والسياسية، كما يؤخذ جيداً فى الاعتبار أنه كثيراً ما يستخدم المؤرخ تقويماً غير الذى يتخذه الآخر(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175858&posted=1#_ftn1).
وصى الملك وذى قرابته والمقلد تدبير الأمور (آية 2):
جاءت الكلمة " قريبه " في اليونانية (suggenhV) بمعنى نسيب، وهذا يطابق ما ورد في (1مكا 10 : 89) و"الموكل على الأمور" جاءت في اليونانية (o epi twn praymatwn) وهو يطابق أيضاً ما جاء في (2مكا 7:3) " هليودوروس قيّم المصالح ".
كان على ليسياس فى الفترة التالية لوفاة أنطيوخس أبيفانيوس، أن يقوّى نفوذه فى أنطاكية (10: 11-13) وحتى بعد التخلص من منافسيه، لم يكن من السهل عليه أن يترك العاصمة إلاّ لأسباب قهرية، وكانت انتصارات المكابيين ُمقلقة لـ ليسياس وهو رئيس وزراء نظام لا يتمتع بالأمن التام. ولكن حملته تنتهى على نحو مفاجئ عندما يتصدى لها اليهود بمساندة الظهور الإلهى، وينهى ليسياس العداوات بشكل رسمى طبقاً لما ورد فى (1مكا 3: 38- 4 : 35) وكان غزو ليسياس هو أولى الحملات السلوقية ضد اليهود بعد حملة نيكانور وجرجياس(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175858&posted=1#_ftn2) بل كانت رد فعل لما وقع على هذين القائدين (1مكا 4: 1-28) إذ فوجئ بما حدث (10: 16-38).

ونعود الآن إلى حملة ليسياس والتى كان الغرض الرئسيى منها هو: محو الهويّة الدينية لليهود فى أورشليم وذلك من خلال تحويلها بشكل رسمي إلى مدينة يونانية (آية2) وهو الهدف الذى طالما سعى أنطيوخس الرابع لتحقيقه ولم يفلح، وأما عن الضريبة التى ينوي ليسياس وضعها على الهيكل فلم تكن عادة راسخة، بل خضعت لطبيعة العلاقة بين اليهود والحكام الأجانب الخاضعين لهم، حيث تأرجحت ما بين كرم الملوك وانفاقهم على الهيكل والذبائح، وبين فرض الضرائب الباهظة على الموضع وعلى رئيس الكهنة، وهو المنصب الذى كان يخضع للعرض والطلب: ففى كل عام كان هناك فرصة للمزايدة على رئاسة الكهنوت حيث يُؤهب لمن يدفع أكثر (4 : 24).
هذا وكان ليسياس قد حشد جيشاً عظيماً من الفرسان والمشاة والأفيال الحربية، وما أن وصل إلى "بيت صور" وهى مدينة حصينة (1مكا 4 : 29) حتى قام بحصارها والتضييق على اليهود الساكنين داخلها، ومن ثمّ راح اليهود يبتهلون إلى الرب علّه يزيح عنهم هذا الكابوس المزعج.
بيت صور Beth-zur : هنا ملاحظة تاريخية دقيقة، وهى مرور ليسياس على بيت صور، لم تذكر فى المكابيين الأول (4 : 29) حيث تقع على مسافة 28 كم جنوب أورشليم على الطريق المؤدى إلى الخليل، وإن كانت على مسافة 14 كم فقط على خط مستقيم (أقصر الطرق)(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175858&posted=1#_ftn3).

أهداف ليسياس من الحملة:
1- جعل المدينة مسكناً لليونانيين: كان مستوطنون غرباء قد فُرضوا على أورشليم بالفعل (1مكا 1 : 38) ولكنه يود تحويلها إلى مستعمرة يونانية.
2- إخضاع الهيكل للضريبة مثل سائر المعابد: كان الهيكل فى ذلك الوقت يعانى من أزمة مالية، عقب حوادث السلب والنهب والتى كانت أسوأ من دفع الضرائب بكثير (4: 32، 39 و 5: 15-21) كما كان منلاوس قد اشترى رئاسة الكهنوت (4 : 24) وكان مستبعداً من مزاولة عمله، وإن لم يكن ما يزال شاغلاً لمنصبه.وكان اليونانيين وجامعى الضرائب قد ُمنعوا مؤقتاً من دخول أورشليم.

مـلاك صـالح: مرة أخرى يرسل الله عضداً من السماء وعوناً من عليائه، وهوذا يظهر من جديد فارس بثياب بيض (سمائى) فعندما تعيي البشر الحيلة فإن الله يتدخل بقوة، فقد كان هذا الفارس كنائب عن الله يحمل بشرى العون والغلبة. هكذا كان وعد الله لشعبه منذ أخرجهم من مصر يتعهدهم من خلال خدامه "ها أنا مرسل ملاكاً أمام وجهك ليحفظك فى الطريق ويجئ بك إلى المكان الذى أعددته" (خروج 23 : 20).
هذا وقد أكسبتهم هذه الرؤيا ثقة كبيرة بأنفسهم وشجاعة عظيمة، إذ أدركوا أن الرب لن يتخلى عنهم فى تلك المجابهة فهوذا حليفه يتقدّمهم (آية 10). وتعد هذه الرؤيا هى الرابعة التى ُتذكر في هذا السفر خلال كفاح المكابيين(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175858&posted=1#_ftn4)، وهكذا استطاع اليهود مواجهة هذا الجيش الجرار ُملحقين به هزيمة مخزية، حيث يبدو ذلك منعدد القتلى والجرحى وهروب ليسياس نفسه.
وهكذا صرح عدد كبير من الأعداء، ومن كان سيصبح جامع جزية لاذ بالفرار إذا أصبح فرسانه بلا جدوى، وقد رأى اليهود فى ذلك تحقيقاً لنبوات: (زكريا 9: 15 و 10: 4-5 و أشعياء 31: 8-9).








وهكذا استطاع اليهود مواجهة هذا الجيش الجرار ُملحقين به هزيمة مخزية، حيث يبدو ذلك منعدد القتلى والجرحى وهروب ليسياس نفسه.
وهكذا صرح عدد كبير من الأعداء، ومن كان سيصبح جامع جزية لاذ بالفرار إذا أصبح فرسانه بلا جدوى، وقد رأى اليهود فى ذلك تحقيقاً لنبوات: (زكريا 9: 15 و 10: 4-5 و أشعياء 31: 8-9).
التصالح مع اليهود

13 ولم يكن ليسياس عديم الفطنة، فأخذ يفكر فيما أصابه من الهزيمة، وأدرك أن العبرانيين قوم لا يقهرون، لأن الله القدير يناصرهم، فأوقد 14 يعرض عليهم المصالحة فى كل ما هو حق، ويعدهم بأن يرغم الملك على مصادفتهم. 15 فرضى المكابى بكل ما اقترح ليسياس، ابتغاء للمصلحة العامة. وكل ما أبلغه المكابى إلى ليسياس بالكتابة فى أمر اليهود، أجابه الملك إليه.

سواء أكان قرار التصالح مع اليهود قد جاء قسراً أو حكمة، فقد أدت بعض الاضطرابات فى عاصمة المملكة بأنطاكية إلى تغيير خطة ليسياس، وللرب طرق عديدة فى تحقيق مشيئته، فقد بلغت ليسياس الأخبار باستيلاء فيلبس على العرش، ومن ثمّ فقد تحوّل بفكره وقواته عن اليهودية إلى أنطاكية، ويذكرّنا ذلك بما حدث مع أنطيوخس أبيفانيوس حين أزعجته أخبار من الشرق ومن الشمال "وتفزعه أخبار من الشرق ومن الشمال فيخرج بغضب عظيم ليخرب ويحرم كثيرين" (دانيال 11 : 44) راجع أيضاً (إشعياء 28 : 19).
هذا وقد كان من السهل على ليسياس استصدار القرارات الخاصة بالمصالحة مع اليهود من الملك، إذ كان الأخير ما يزال صبياً فى ذلك الوقت وليسياس نفسه سيصبح الوصيّ عليه، أما اليهود أنفسهم فقد قبلوا العرض، فإذا كان ليسياس قد ُحسب حكيماً فى نظرهم (ليس عديم الفطنة /آية 13) فإن اليهود فى المقابل كانوا حكماءً بقبولهم العرض السلوقي، مما يؤكد أن ميولهم حتى ذلك الوقت ليست عدوانية كما لم تكن لهم سياسات توسعية بل دفاعية، وان كانوا قد انحرفوا عن هذا النهج لاحقاً بالسعى إلى مزيد من السلطة والأراضي.


(1) رسالة ليسياس إلى اليهود

16 وهذه فَحْوى الرسالة التى كتب بها ليسياس إلى اليهود: "من ليسياس إلى شعب اليهود سلام. 17 قد سلم يوحنا وأبشالوم الموفدان من قبلكم الوثيقة المنسوخة أدناه، وسألانا أن نبرم ما تتضمنه. 18 فشرحت للملك ما ينبغى أن يرفع إليه، ووافقت على ما هو فى إمكانى. 19 وإن بقيتم على ولائكم للدولة، فإنى أبذل جهدى فيما بعد لأن أتوخى ما فيه خيركم. 20 وأما تفصيل الأمور، فقد أوصينا الموفدين ومن أرسلنا من قبلنا بأن يفاوضوكم فيه. 21 والسلام. فى السنة المئة والثامنة والأربعين، فى الرابع
من شهر ديوسقورس".



كتب ليسيّاس إلى يهوذا المكابى يعرض عليه اتفاقية الصلح (أوبمعنى أدق الهدنة، إذ لم تنته الحرب عند هذا الحد) ومن ثمّ فقد كتب يهوذا بدوره إلى ليسياس يبلغه بمطالب بلاده، هذا وقد ُاشير إلى مضون هذه الرسالة فى (1مكا 6: 58 ،59) وقد عقد اجتماعه هذا فى الرابع والعشرون من شهر كسنتكس.وإن كان ليسياس قد نقض هذا الاتفاق لاحقاً.

يوحنا وأبشالوم: ربما كان يوحنا هو: يوحنا المكابى، الابن البكر لمتتيا الكاهن، كما يذكر اسم يوحنا فى عائلة من السفراء اليهود (2مكا 4 : 11 و 1مكا 8 : 17). بينما أبشالوم هو شخصية دبلوماسية مرموقة، وقد أصبح لابنيه متتيا (متتيا بن أبشالوم 1مكا 11 : 7) ويوناثان (يوناثان بن أبشالوم 1مكا 13 : 11) مراكزاً قيادية عسكرية هامة.
ولم يكن اسم أبشالوم شائعاً ـ كما هو الحال مع اسم يوحنا ـ ربما بسبب ارتباط الاسم بما حدث بين داود وابنه أبشالوم؛ وفى التعليق على سفر حبقوق كما ورد فى مخطوطات قمران يدين الكاتب "بيت أبشالوم" بسبب عدم سماعهم لتبكيت "معلم البر" ضد "رجل الكذب" مما يعنى أنهما أى الضابطان المنتميان إلى بيت أبشالوم، من اليهود الأتقياء وأن اسرتهما كانت تقية ذات نفوذ ،تعاونت مع الحشمونيين.

هذا وبينما احتوت وثيقة المعاهدة على الخطوط العريضة للاتفاقية، فقد ُتركت التفاصيل الأقل أهمية للوفدين السلوقى واليهودى، مثلما يعبّر عنها الآن بـ "لقاء القمة" بالنسبة للرؤساء وتفاهمات وزراء الخارجية والوفود الدبلوماسية. ويظهر من الوثيقة كيف كان ليسياس صادقاً وموضوعياً، إذ يَعِد بما فى إمكانه بينما يترك الباقى مرتبطاً بمدى التزام اليهود وولاءهم.
كان اليهود قد قدموا التماساً إلى ليسياس يتضمن طلباتهم وذلك قبل عدة شهور من ذلك التاريخ، وكان الإجراء المتبع فى مثل هذه الحالة هو التعليق على الالتماس أسفله (فى هذه الحالة أعلاه آية 17) فأعاد إليهم نسخة منها وفى أعلاها وضع تعليقاته، ومن الوثائق البطلمية نفهم أن الناتج عن الالتماس ثم التعليق عليه كان يسمى Chrinatismos، وكان على ليسياس إقناع الوزراء الأقوياء الآخرين بتعديلاته (بدلاً من الملك الصغير السن آنئذ) يضاف إلى ذلك تفاصيلا أخرى شفاهية من خلال الموفدين.




(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175858&posted=1#_ftnref1) الرجاء الرجوع إلى "التأريخ" فى كتاب مدخل الى سفري المكابيين للمؤلف، حيث يلقى الضوء على هذه القضية
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175858&posted=1#_ftnref2) هناك إشارة إلى حملتى ليسياس على اليهود فى كتاب نبوة أخنوخ (الاصحاح التسعون) وهو سفر غير قانونى كتب فى تلك الفترة (مخطوطات البحر الميت).
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175858&posted=1#_ftnref3) مئة وخمسون غلوة – جاءت في العربية خمس غلوات - : جاءت في النسخة المعتمدة نحو خمس إستاديونات أي خمس غلوات ( كالعربي تماما ) ( wsei stadiouV pente ) – يرى الرابي كاهانا أنها مئة وخمسون غلوة، لأن حصن بيت صور على حدود أدوم، يبعد نحو عشرين ميلا رومانيا (وطبقا ليوسابيوس : 160 غلوة من أورشليم). لذلك جاءت في كلا المخطوطتان (راجع تعليق العالم swete على ذلك) هكذا (scionouV) بدلا من (stadiouV )، حيث (scionouV) هي وحدة قياس تبلغ ثلاثين غلوة أي ثلاثين إستاديون (stadiouV )، وإذ ذاك تبعد بيت صور عن أورشليم نحو 150 إستاديون وهو الأمر الذي أورده يوسابيوس.
(1) (http://www.st-athanasios.com/vb/showthread.php?p=175858&posted=1#_ftnref4) راجع قائمة تلك الرؤى في التعليق على الأصحاح الخامس عشر.

st-athanasios
02-21-2009, 09:03 PM
ملاحظة حول تاريخ الوثيقة: من المحتمل أن تكون هذه الوثيقة قد صدرت عقب وصول نبأ وفاة أنطيوخس الرابع وأما شهر ديسقورس الذى ُكتبت فيه فقد جاءت الكلمة "ديسقورس" في الأصل العبري "ديوس كورنثي" بدون كلمة شهر، وتجيء الكلمة في كل النسخ والمخطوطات باليونانية هكذا ( ) ولا يوجد شهر بهذا الإسم، ولكن الكلمة عبارة عن كلمتين، حسبما يقرّ بهذا جميع خبراء اللغة: (  ) و (  ) وقد وردت هكذا في المخطوطة اللاتينية B : "iovis corinthii " ووردت في بقية المخطوطات اللاتينية "Dioskori " وهو الشهر الثالث للكريتيين (نسبة إلى كريت) فهو اسم بديل للإسم اليونانى "ديوس قورنتى" Dios Corinthius (1) وكان يأتى فى بداية الخريف. وبالتالى فقد ُابرمت الرسالة فى خريف سنة 164ق.م.


رسالة من أنطيوخس الخامس إلى ليسياس

22 وهذه صورة رسالة الملك: "من الملك أنطيوخس إلى أخيه ليسياس سلام. 23 منذ أن انتقل والدُنا إلى الآلهة، لم يزل همنا أن يكون أهل مملكتنا فى مأمن من الاضطراب ومنصرفين إلى شؤونهم. 24 وبلغنا أيضاً أن اليهود غير راضين بما أمرهم والدنا من التحول إلى سنن اليونانيين، بل أنهم يفضلون مذهبهم الخاص ويسألون أن يباح لهم العمل بسننهم، 25 ونحن نريد لهذا الشعب أن يكون كغيره خالياً من الاضطراب. فإننا نحكم بأن يرد لهم الهيكل وأن يعيشوا بحسب عادات آبائهم. 26 فإنك تحسن عملاً إن أرسلت إليهم ومددت يمناك إليهم، حتى إذا علموا بما عزمنا عليه اطمأنوا وانصرفوا بسرور إلى شؤونهم".



أخيه: جاءت في العبرية " للأخ " ، وهي صفة تطلق لحبيب الملك ومن أخلص له، وهو الشخص الذي أراد الملك قربه، ونعلم أن ملك سوريا السلوقي أعطى يوناثان الحشموني هذه الصفة (1مكا 10 : 18).
انتقل والدُنا إلى الآلهة: جاءت في العبرية (نِفطَر أبينو إِل بين ها إلوهيم) بمعنى (غادر أبينا إلى الآلهة). وجاءت في اليونانية ( = إلى الآلهة) ولم يقل ( = عند الآلهة). والفارق خطير بين الإثنين هذا لأن أبيفانيوس كان يعتبر نفسه ( = إله) وفي موته عبر ليسكن بين بقية الآلهة أصدقائه إذ هو ليس بشر يستودع لدى الآلهة عند موته !!.

كانت عادة الملوك قديماً إذا ما اتّخذوا قراراً بشأن جماعة من رعاياهم، أن يحرّروا خطاباً إلى أحد المسئولين ُيصدروا إليه فيه تعليماتهم، بجعل القرار موضع التنفيذ، وكذلك يكلفونه بإرسال نسخة من القرار إلى تلك الجماعة.
يتدارك الملك هنا ـ بمعاونة مستشاريه ـ الخطأ الجسيم الذى ارتكبه أبوه أنطيوخس الرابع، من حيث اكراه اليهود على اعتناق الحضارة الهيلينية، ومن ثم فهو يعلن عن عهد حكم جديد باستراتيجية جديدة، يمنح اليهود بموجبها الحريات، كما يسعى إلى نشر الوفاق والسلام فيما بين رعاياه. وهى عادة مألوفة لدى الحكام الجدد حال توليهم الحكم، من إعلان سياسات جديدة وتصحيح بعض الأوضاع، وقد تبنّى أنطيوخس الصغير هنا نبرة ودّ تجاه اليهود ولكن الملك فى الواقع هنا يقرر ما يعدّ تحصيل حاصل، إذ كان اليهود قد قاموا بشكل منفصل بتطهير الهيكل وإعادة تدشينه، وبالتالى فالرسالة تأكيد وتوثيق لهذا الحق.
أمّا عن تاريخ ذلك الخطاب فهو أواخر سنة 164 أو أوائل سنة 163 ق.م. فإذا اعتبرنا نبوة دانيال (8 : 14) تشير إلى هذا الحدث، فقد أعلن دانيال أن القدس سوف يتبرّأ بعد 2300 صباح ومساء (أى 1150 يوماً) من التدنيس الذى حدث فى يوم 25 كسلو، وبذلك يكون الخطاب قد ُحرّر يوم: 8 فبراير سنة 163 ق.م.، وهكذا جاءت التبرئة التى تحدث عنها الرائى من خلال خبر موت المضطهِد، ثم رفض سياساته على لسان ابنه شخصياً. وربما كان إعلان فحوى هذه الرسالة هو التأكيد الرسمى الأول فى أورشليم لموت الملك الوالد.
هذا وتحتوى (الآيتان 24 ، 25) على الأسباب الحقيقية لتمرُّد اليهود واندلاع الثورة المكابية فى عهد كل من أنطيوخس أبيفانيوس وابنه. فقد أمرهم الأول بالتحوّل إلى سنن اليونانيين، بينما سار انه في ذات المضمار. هذا وقد شمل القرار هنا منح اليهود حق الاحتفاظ بالهيكل والذى كان بحوزتهم بالفعل من عام 167 ق.م. وما هذا إلاّ تصديق على ذلك. وهكذا حوّل الله قلوب الأعداء إلى خير اليهود، مثلما حدث مع "كورش" الملك الفارسى والذى ردّ الأوانى التى كانت قد ُسلبت من بيت الرب (عزرا 1: 1-4).
ورغم أن التصريحات الواردة فى الرسالة مطمئنة ومتعقّلة وواقعية) إلاَ أن الملك لم يفِ بكل ذلك، بل لم يعش طويلاً، إذا اغتيل لاحقاً.
(3) رسالة الملك إلى اليهود

27 وهذه رسالة الملك إلى الأمة: "من الملك أنطيوخس إلى مشيخة اليهود وسائر اليهود سلام. 28 إن كنتم فى خير فهذا ما تحب، ونحن أيضاً فى العافية. 29قد أطلعنا منلاوس على رغبتكم فى العودة إلى منازلكم. 30 فالذين يعودون إلى اليوم الثلاثين من شهر كسنتكس يكونون فى أمان. 31 وقد أبحتا لليهود أطعمتهم وشرائعهم، كما كانوا عليه من قبل وكل من هفا منهم فيما سلف فلا يضايق. 32 وانا مرسل إليكم منلاوس ليطمئنكم. 33 والسلام. فى السنة المئة والثامنة والأربعين، فى الخامس
عشر من شهر كسنتكس".


بينما كانت الرسالة السابقة تتضمن تكليفاً من الملك إلى وزيره ووصيّه ليسياس بالقيام بما يلزم وما يتفق مع مصالح اليهود، فإن هذه الرسالة موجّهة إلى اليهود مباشرة، فهى خطاب الملك إليهم، حيث يعود فيؤكد لهم من جديد الحريات والامتيازات التى أوصى بها ليسياس.

مشيخة اليهود:
من الُملفت مخاطبة اليهود بهذه الصفة فالنظام المحيط بالملك الصغير يعترف بالمشيخة ولا يعترف باليهود كأمة متمتعة بالامتيازات، ولعلّ الملك يقصد رئيس الكهنة منلاوس وأتباعه لكى يمنحهم مصداقية، باعتبارهم المتحدثون الرسميون عن اليهود، ورغم أن المشيخة اليهودية، كانت قد فقدت كل وضعيتها الرسمية إلاّ أن كثيرين من أعضائها كانوا ما يزالون على قيد الحياة، وربما يكون منلاوس قد اتّصل بالصفوة الحاكمة فى أنطاكية لا ليلتمس العفو العام فقط، بل ليحتج على اعتراف ليسياس بالزمرة المتمردة (يهوذا وأتباعه) وقد رأى الملك أن العفو العام سوف يحمل يهوذا ذاته وأتباعه إلى الكف عن القتال، وحمل المتدينين على الإيمان بأن الله ذاته حرم التمرّد ضد الملك.
وأما عن الدور المنسوب هنا إلى "منلاوس" والذى يمقته اليهود بشدة، فإنه لا يعني سوى رغبة الملك فى تثبيته فى رئاسة الكهنوت، مما يعنى ضمناً بالتالي عدم اعتراف الملك بالمكابيين وقائد ثورتهم "يهوذا المكابى". ولكن ذلك لم يكن له وزناً كبيراً لدى المكابيين إذ كانوا قد حققوا هدفهم من الثورة، أى إعادة العمل بالشريعة واستئناف العبادة فى الهيكل، ثم كيف يُرسل منلاوس ليطمئن اليهود على الحرية الدينية وهو الذى له الدور الكبير فى نشر الهيلينية ونهب الهيكل؟.
فى هذه الرسالة أيضاً ُيصدر الملك عفواً عاماً عن اليهود الذين اعترضوا على سياسة السلوقيين فى عهد سلفه، مما شكّل ما يشبه جماعات المعارضة داخل أورشليم وخارجها، وقد صرّح الملك لهم بالعودة إلى بلادهم فى غضون أسبوعين (من الخامس عشر إلى نهاية شهر كسنتكس والذى هو نفس الشهر ديوس كورنتى / آية 21) وذلك أملاً فى أن تستقر الأمور فى المملكة وتكفل حركة التنقل بين البلاد.

المهلة المحددة لليهود: بينما يرى البعض أن مدة الخمس عشر يوماً غير كافية لتصل يها الرسالة الملكية من أنطاكية إلى الأقاليم اليهودية، فإن اليهودية كانت منطقة متضامنة، بحيث يمكن للخبر الانتشار على نحو سريع، وفى قسم تاعنيت Ta'anit من التلمود يرد فى يوم 28 آذار (كسنتكس) الآتى "فى ذلك اليوم ورد النبأ السار لليهود بأن لا يفرض عليهم ترك التوراة" (1) مما يعنى أن الخطاب المرسل يوم 15 قد وصل إلى اليهودية فى يوم 28 وهو أمر مقبول، إذ لم ترد الحكومة آنئذ منح مزيد من الوقت للتفكير فى الأمر بل رغبت فى الحصول على قرار سريع.
كان هذا العفو يحمل فى طياته توفير الأمان لليهود الذين يرغبون فى التحرك من أورشليم إلى أنطاكية والعكس، لا سيما بعد الانتهاء من احتفالات الفصح التى كانت تجرى فى ذلك الوقت، إذ أن شهر كسنتكس يقابل شهر نيسان حيث يقع الفصح فى الرابع عشر منه.
(4) رسالة الرومان إلى اليهود

34 وأرسل الرومانيون إلى اليهود رسالة هذه صورتها: "من قونتس مميوس وطيطس منليوس، رسولى الرومانيين، إلى شعب اليهود سلام. 35 ما رخص لكم فيه ليسياس، نسيب الملك، فمنحكم إياه أيضاً، 36 وما استحسن أن يرفع إلى الملك، أنظروا فيه وبادروا إلى إرسال واحد لنعرضه على الملك بما يوافقكم، لأننا ذاهبون إلى أنطاكية. 37 فعجلوا فى إرسال من ترسلون، لنكون على علم بما تبتغون. 38 والسلام. فى السنة المئة والثامنة والأربعين، فى الخامس عشر من شهر كسنتكس".


تؤّرخ هذه الرسالة فى نفس يوم رسالة أنطيوخس الخامس أوباطور إلى اليهود ويعترض بعض الشراح بأن أول تعاون بين الرومان ويهوذا المكابى كان فى سنة 161 ق.م. وليس قبل ذلك التاريخ، ولكن مفاوضات ما غير رسمية، ربما تكون قد جرت بين الطرفين قبل ذلك التاريخ، ويقول يوسيفوس أن يهوذا قد أجرى اتصاله بروما فيما بين وفاة متتيا أبو المكابيين وغزو تالٍ لليهودية بواسطة أنطيوخس الرابع، كما رأى البعض منهم أن اسمي المندوبَين الرومانيَين محرّف، ولكن كثير من المواطنين الرومان فى ذلك الوقت كان لهم اسمان: شخصى وعائلى، وأماّ المندوبان فهم:
قونتس (كونتس) مميوَس Quintus Memmius : ولا ُيعرف عنه شيئاً إذ لم يرد سوى فى هذا المكان، ومن الممكن أن يكون مميوس هو تهجئة للاسم مليوس Mallius أو Manilius وهو الاسم الثالث للسفير الثانى، والآخر هو:
طيطس منليوس Titus Menius : والذى من المحتمل أن يكون هو "مانليوس توركراتوس"، والذى عمل سفيراً فى مصر سنة 164 ق.م. وُيحتمل أن يكون قد تلقّى تكليفا من حكومته يتعلّق بالشئون السلوقية(1).
وكان يجب أن يكون السفير أو أى مسئول مهم فى روما ـ من عائلة عريقة، أو أن يكون هو ذاته ذا مكانة متميزة.

فى ذلك الوقت كانت روما تعطى نفسها حق التدخل فى شئون الدول الأخرى، حيث تبادر هنا بالإرسال إلى اليهود مؤيدة انعامات أنطيوخس الخامس ووصيّه ليسياس، ثم يخبرهم السفيران بأنهم سيكونا متواجدين بأنطاكية، وعلى اليهود إرسال سفراء عنهم إلى أنطاكية يحملون رغباتهم حتى يؤيداها أثناء تواجدهما هناك، راجع التعليق على (2مكا 5: 1-4) حيث يتضح دور مندوبي وسفراء روما فى مصر.
وهكذا يتضح لنا من رسائل السلوقيين الثلاث، كيف أرادوا ضمان موالاة اليهود لهم فى ظلّ التهديد البطلمى للشمال السلوقى. كما يتضح أيضاً أن اليهود لم يلقوا السلاح بموجب هذه الرسالة ليتحولوا إلى الدبلوماسية، فما لبث أن تحرك السكان الوثنيين من حولهم خوفاً من تحقيق نبوات مجد إسرائيل، مما حدا باليهود إلى خوض حروب كثيرة ضدهم وردت تفاصيلها فى سفر المكابيين الأول الإصحاح الخامس.
رأينا في هذا الإصحاح أربع رسائل لمباحثات السلام، مختصة بالوضع الجديد لليهود الذي نعموا به بعد موت أنطيوخس أبيفانس وإنتصارات يهوذا المكابي، ونعرض هنا ترتيب مفاوضات السلام:
1- رسالة أوباطور إلى ليسياس (21 – 26):
بعد موت أبيفانس أبو أوباطور، أراد أوباطور أن ينعم اليهود بالسلام فأعطاهم حريتهم الدينية واسترددوا الهيكل رسميا بإعطائه لهم قرار رسمي بممارسة حقوقهم الدينية .
2- رسالة أوباطور لمجلس شيوخ اليهود ( 27 – 33 ):
عندما علم أوباطور من منلاوس أن اليهود يريدون العودة لبيوتهم وأعمالهم أباح لهم حتى اليوم الثلاثين من شهر كسنتكس وأباح لهم أن يحيوا حسب شريعة آبائهم.
3- رسالة ليسياس لليهود ( 16 – 21 ):
أُرِّخ لها في 24 من ديوس الكورنثي (مرحشوان اليهودي) لسنة 148 لليونان، ونرى من الرسالة أن مفاوضات السلام بين ليسياس ويوحانان وأبشالوم اقتربت من النهاية.
4- رسالة المرسلين الرومانيين (24– 38):
وهم من كانوا في يافا أو في معسكر ليسياس، وقد ُكتبت في الخامس عشر من كسنتكس في النسخة اليونانية، لكن في النسخ اللاتينية L,B,M,P ونسخة الفولجاتا كتبت (Dioscoridis) وهي على ما يبدو من الكلمة اليونانية .

st-athanasios
02-21-2009, 09:05 PM
الأصحاح الثانى عشر

حملات على المدن الوثنية
1مكا 5 : 8 – 68

بالرغم من الاتفاقيات التى أُبرمت بين اليهود والسلوقيين، إلاّ أن الجيران الوثنيين استمروا فى مضايقة اليهود الساكنين بينهم بطرق شتى، ويبدو أن ليسياس قد أقدم على تلك المعاهدات مرغماً ولذلك فلم يكن صادقاً، وفى مثل هذه الحالات يحتاج الأمر إلى إجراءات من السلطة الحاكمة لتعضيد الاتفاقيات، فقد كان بوسع المسئولين المحليين الإخلال بالاتفاقيات أو السياسات الموضوعة فى عاصمة البلاد بسبب بُعد المسافات وعدم سهولة الاتصال. وهكذا اضطر المكابيون إلى تأمين بلادهم ثم حماية الجاليات اليهودية خارج البلاد بشتى الطرق. هذا وُتعتبر الأحداث الواردة في هذا الأصحاح امتداد لـ (2مكا 10: 14 – 38).

خيانه أهل يافاد يمنيا
1 وبعد إبرام هذه المعاهدات، رجع ليسياس إلى الملك، وانصرف اليهود إلى حرث أراضيهم. 2 إلا أن بعض القوالد الذين كانوا فى البلاد، وهم طيموتاوس وأبلونيوس بن جنايوس، وإيرونيمس وديمفون، وكذلك نكانور، حاكم قبرس، لم يدعوا لهم راحة ولا سكينة. 3وارتكب أهل يافا جريمة فظيعة، وذلك أنهم دعوا اليهود المقيمين عندهم إلى أن يركبوا هم ونساؤهم وأولادهم قوارب كانوا أعدوها لهم، كأن لا عداوة بينهم. 4 وبناء على قرار أصدره شعب المدينة، قبل اليهود الدعوة رغبة فى السلام وبعيداً عن كل حذر. فلما صاروا فى عرض البحر، أغرقوهم ولم يكن عددهم أقل من المئتين. 5 فلما علم يهوذا ما ارتكب على بنى أمته من غدر وحشي، أخبر به من معه من الرجال. 6 ودعا الله الديان العادل وسار إلى الذين أهلكوا إخوته. وأشعل النار فى المرفأ ليلاً وأحرق القوارب وطعن الذين لجأوا إلى هناك. 7 ولما كانت المدينة قد أغلقت، انصرف وفى نيته الرجوع ليمحو مدينة اليافيين من أصلها. 8 ولكنه علم أن أهل يمنيا ناوون أن يصنعوا مثل ذلك بالمقيمين عندهم من اليهود، 9فهجم على أهل يمنيا ليلاً وأحرق المرفأ مع الأسطول، حتى روى ضوء النار من أورشليم، على بعد مئتين وأربعين غلوة


يفيد الاصطلاح هنا "حرث الأرض" إلى انتهاء حالة الطوارئ فى البلاد، ومن ثم التفات أفراد الشعب ـ بما فيهم الجنود الذين سُرّحوا من الجيش ـ إلى مزاولة مصالحهم والاهتمام بموارد البلاد، وبمعنى أشمل: سير الحياة بشكل طبيعى. أماّ القادة الصغار الذين فى تلك المدن فلا يُعرف إن كانوا يسلكون بالغدر مع اليهود بإيعاز من ليسياس ذاته، أم من منطلق كراهيتهم الشخصية لليهود، وهكذا كان للسلوقيين موقف رسمى وآخر ميدانى (عملى).
وفى (الآية 2) يستخدم مصطلح " قائد Strategos " وهو متعدد المعانى، فعلى الصعيد العسكرى يتراوح ما بين قائد وحدة تكتيكية مستقلة، إلى جنرال (لواء) ومن الممكن أن ُيقصد به أيضاً "حاكم إقليمى" وفى هذا النص يفيد مصطلح "محلىّ " هنا بأنهم قادة من الدرجة الأقل. هذا ومن غير المعروف إن كان أولئك القادة قد أقدموا على مضايقة اليهود بموافقة الحكام فى أنطاكية أم من تلقاء أنفسهم.
أما طيموتاوس: فهو القائد العمونى المذكور سابقاً وهو هنا قائد عبر الأردن وجنوبي سوريا، وبشأن الخلط فيما بينه وبين طيموتاوس الآخر انظر التعليق على (8: 30، 32 و 10 : 24)، حيث ُهزم ولم ُيقتل، ومن ثم فقد أعاد تنظيم صفوفه ليهاجم اليهود من جديد ولكنه ُحوصر منهم وقُتل لاحقاً مع رفقائه فى الجب السفلى (10: 37) ورغم أن فعالية طيموتاوس قد انتهت عند هذا الحد، إلاّ أنه يُحصى هنا مع أولئك الذين ضايقوا اليهود، مع ملاحظة أيضاً أنه من المحتمل أن تكون حملة ليسياس قد جرت قبل ذلك الوقت، غير أن الكاتب ـ كما سبق وأشرنا ـ يجمع جهادات وانتصارات وانجازات يهوذا المكابى معاً، وبالتالى فالترتيب المتعمّد هنا لا يعنى أنه غير واع بالتاريخ وإنما هو يلتزم جانب تقديم كفاح يهوذا المكابى. ومن هنا ليس هناك ما يدعو إلى افتراض وجود قائد آخر باسم تيموثاؤس.
أبولونيوس بن جنايوس Gennaeus:
المعنى الحرفي للإسم: نبيل، وهو بالطبع بخلاف أبولونيوس بن مسنتاوس المذكور سابقاً (5 : 24 و 1مكا1 : 29) وهو القائد الذى لم نقرأ عنه شيئًا بعد ذلك، وربما كان أحد مندوبى الملك فى تلك المدن الوثنية الساحلية والتي تسكنها جاليات يهودية.
ايرونيمس Hieronymus :
ويقرأ فى اللاتينية "جيروم" وينطبق عليه الكلام ذاته، من حيث أنه لم ُيذكر فى موضع آخر من السفرين، وأنه أحد نواب الملك فى تلك المنطقة.
ديمفون Demophon : قائد سلوقى مثل السابقين.
نكانور Nicanor : وهو قائد جيوش المرتزقة القبرصية (انظر 5 : 24 وقارن مع 4 : 29) وربما كان نكانور بن بتروكلس المذكور في (2مكا 8 : 9) ويقول في (14 : 12) أنه كان يوجد نكانور آخر وكان مسؤولا عن الفيلة. وهو غير نكانور الشهير الذى اضطهد اليهود فقتلوه وعلقوا رأسه على سور المدينة، وربما عُيّن حاكماً بدلاً من بطليموس مقرون، والذى انتحر بسبب اتهامه بتعاطفه مع اليهود (6 : 13). وكانت قبرص فى ذلك الوقت جزءاً من الإمبراطورية البطلمية.

انتشرت هذه المضايقات الموجهة للجاليات اليهودية فى جميع المدن فى وقت واحد، حيث وصلت الشكاوى والبلاغات إلى القيادة العسكرية فى أورشليم، وما يحدث هنا فى المدن الساحلية مثل يافا ويمنيا وقبرس، هو ما حدث أيضاً فى مدن الجليل وجلعاد حيث قام يهوذا المكابى بحملة تأديبية ضد أهلها الوثنيين راجع (1مكا 5).

حادثة يافا المروّعة:
كانت يافا ويمنيا مدينتان وميناءان لهما أهميّة خاصة، وكان سكانها فلسطينيين، أعداء اليهود منذ زمن بعيد، وكان اليهود جالية فى يافا ولم يكونوا مواطنين. وكانت المسافة بين يافا وأورشليم حوالى ثمانية وأربعين كيلو متراً.
وفى تصعيد خطير لهذا الاضطهاد جرت مأساة فى يافا الساحلية، ولا يُعرف على وجه الدقة ملابساتها، غير أنه من المحتمل أن يكون أهل يافا الوثنيين قد دعوا أعضاء من الجالية اليهودية هناك إلى مشاركتهم فى أحد الأعراس الكبيرة لأحد الشرفاء، وربما كانت مجرد دعوة إلى نزهة بحرية، (مسيرة احتفالية في البحر). وفي الوقت الذي أدخلوا فيه المحتفلين إلى المركب، اختاروا لليهود مراكب محددة معدة خصيصاً لهم، ثم أغرقوهم في البحر. وأما مجلس الشعب (شعب المدينة) فيقصد به شيوخ اليهود هناك فقد رأوا فى الدعوة واحداً من عوامل الوفاق والتعايش السلمى. . ولم يتوقع اليهود بالتالى أيّة خيانة ولذلك فلم يحتطوا، فوقعت الحادثة.
وبلغ يهوذا المكابى الأمر، مثلما بلغه من قبل رسائل الجاليات اليهودية فى الجليل وجلعاد، يطلبون نجدة، وصلى يهوذا كعادته قبل التوجه إلى يافا والتى كانت قد أغلقت أبوابها بحلول الليل وكان من الصعب اقتحامها ليلاً، ويبدو أن بعض السكان شعروا بنيّة اليهود فى الانتقام من المدينة وسكانها، فلجأوا إلى الميناء سعياً للامان ولكنهم وقعوا فى أيدي رجال المكابى والذين قتلوهم.

المبادرة بمنع تكرار ذلك فى يمنيا:
انصرف يهوذا المكابى من يافا وفى نيّته العودة إليها من جديد للانتقام من أهلها، غير أنه سمع بأن ما جرى فى يافا من المحتمل أن يتكرر فى يمنيا، وتقع هذه على مسافة سبعة كيلومترات شرق البحر المتوسط، واعُتبرت عاصمة ذلك الاقليم البحري (المدن الساحلية) راجع (1مكا5 : 55-62 و 10: 69 و 15: 38) ويبدو أن نقمة المكابيين من يمنيا كانت أكبر من تلك التى جرت فى يافا، إذ كانت الحرائق التى ُاشعلت فيها عظيمة لدرجة أنها ُرؤيت من أورشليم أى من مسافة خمسون كيلومتراً(1).


حملة على أرض جلعاد
(1مكا 5: 24-54)

10وكانوا قد ابتعدوا من هناك تسع غلوات، زاحفين على طيموتاوس، فتصدى لهم قوم من العرب يبلغون خمسة آلاف، ومعهم خمس مئة فارس. 11فاقتتلوا قتالاً شديداً، وكان الفوز لرجال يهوذا بعون الله، فانكسر عرب البادية وسألوا يهوذا أن يمد إليهم يمناه، على أن يؤدوا له مواشى ويقوموا بخدمات فى سائر الأمور. 12وأدرك يهوذا أنه يحصل منهم حقاً على منافع كثيرة، فرضى بمصالحتهم، فأخذوا بيمناه وانصروا إلى خيمهم. 13 وأغار يهوذا على مدينة تحميها سدود من تراب وتحيط بها الأسوار ويسكنها خليط من الأمم، واسمها كسفيس. 14 وكان الذين فيها واثقين بمناعة الأسوار ووفرة الميرة، فأبدوا خشونة ليهوذا والذين معه، وشتموهم وجدفوا ونطقوا بما لا يحل. 15 فدعا الذين مع يهوذا ملك العالم العظيم الذى أسقط أريحا على عهد يشوع بغير كباش ولا مجانيق، ثم وثبوا إلى السور كالأسود. 16 وفتحوا المدينة بمشيئة الله وقتلوا من الخلق ما لا يحصى، حتى إنت البحيرة التى هناك، وعرضها غلوتان، ظهرت كأنها امتلأت وطفحت بالدماء.



ذكرت أنباء هذه الحملة بتفاصيل أكبر في (1مكا 5: 24-54) أمّا هنا فإن (الآية 10) تفيد بأن الموضع الذى ابتعدوا منه ليس "يمنيا" ولا "يافا" ولكنه مكان إحدى المعارك في أرض جلعاد (آية 13) وكما قلنا سابقاً فإن السفر هنا يجمع مآثر يهوذا المكابي.

فقد خاض يهوذا حروباً كثيرة، وأنقذ الكثير من اليهود المحاصرين فى المدن الوثنية، وأجلاهم إلى أورشليم وذلك قبل أن يلتقى بالنبطيين العرب، كما أنه مرّ بمواقع عديدة خاض فيها الحروب قبل الوصول إلى "كسفيس".

العـرب: هم النبطيون والذين ُاشير إليهم فى (1مكا5 : 25) حيث كانوا قد صاروا من أنصار المكابيين وقد جاء هذا التعاون نتيجة المعركة الشرسة المذكورة هنا، حيث اتفق الجانبان على أن يؤدى النبطيون الجزية للمكابيين واقامة تحالف بين الطرفين.

كسفيس Caspin: وقد تكون هى نفسها "كسفور" أو "كسفو" المذكورة فى (1مكا5 : 26) وتقع شرق بحر الجليل إلى الجنوب من الجليل وجلعاد وربما كانت هى "خسفيس" شرق بحر الجليل بعشرة أميال، وتوجد الآن بقعة َسبِخَة فى مكان يسمى كسفين Khisfin ربما هى التى كانت بحيرة فيما مضى (آية 16). وكانت كسفيس تحميها أسوار وسواتر ترابية وكذلك خندق أو ترعة صناعية تحيط بها بعرض 500م ونظراً لثقة أهلها الشديدة بحصانتها فقد سخروا من المكابيين وجيوشهم بل يبدو أنهم ـ وهم من جنسيات وأعراق مختلفة ـ قد تطاولوا على معتقدات اليهود وإلههم وشرائعهم وهيكلهم "ما لا يحلّ " (آية 14).
أما الكباش المنصوبة عليها والمذكورة هنا فهى الذراع الحديدى Battring Rams وهى مثل المجانيق غير أنها تضرب مباشرة فى الحوائط بعكس المجانيق التى تلقى بالحجارة الضخمة فى الأسوار والحوائط، وتستخدم كلا الآلتين فى فتح ثغرات في الأسوار يسهل من خلالها الاجهاز على السور كله وتدميره. وبعد أن فتحوا المدينة انتقموا من أهلها نقمة شديدة(1). انظر (يشوع 6: 1-21).

معركة قدنيم
17 ثم ساروا من هناك مسيرة سبع مئة وخمسين غلوة، حتى انتهوا لى الكرك، إلى اليهود الذين يعرفون بالطوبيين. 18 فلم يجدوا طيموتاوس فى تلك الأماكن، لأنه قد غادرها من دون أن يصنع شيئاً، لكنه ترك فى بعض الأماكن حرساً منيعاً. 19فخرج دوسيتاوس وسوسيباطير، من قواد المكابى، وأهلكا الرجال الذين تركهم طيموتاوس فى الحصن، وكان عددهم ينيف على عشرة آلاف. 20 وقسم المكابى جيشه فرقاً وأقام من يكونون على رأسها وحمل على طيموتاوس، وكان معه مئة وعشرون ألف راجل وألفان وخمس مئة من الفرسان. 21 فلما بلغ طيموتاوس قدوم يهوذا، وجه النساء والأولاد وسائر الأمتعة إلى مكان يسمى قرنيم، وكان موضعاً منيعاً يصعب الوصول إليه لضيق جميع الممرات. 22 ولما بدت أول فرقة من جيش يهوذا، داخل الأعداء الرعب والرعدة، إذ تراءى لهم من يرى كل شئ، فأسرعوا إلى الفرار من كل جهة، حتى إن بعضهم كان يؤذى بعضاً، وطعن بعضهم بعضاً بحد السيوف. 23وتعقبهم يهوذا تعقباً شديداً وأخذ يطعن أولئك الأثمة، حتى أهلك منهم ثلاثين ألف رجل. 24ووقع طيموتاوس فى أيدى رجال دوسيتاوس وسوسيباطير، فجعل يتضرع إليهم بكل حيلة أن يطلقوه سالماً، بحجة أن آباء وإخوة لكثيرين منهم قد يهلكون. 25 وأقنعهم بكلام كثير بأن يطلقهم سالمين، فخلوا سبيله لينقذوا إخوتهم. 26 ثم أغار يهوذا على قرنيم وأترجتيون وقتل خمسة وعشرين ألف نفس.

أغلب الظن أن كلمة "هناك" فى (آية 17) يقصد بها فى الغالب: أورشليم، إذ تصل المسافة بين أورشليم وأرض طوب حوالى 50 كم(1).
الطوبيين: هم سكان أرض طوب المذكورة فى (1مكا 5 : 13) أو أرض بنى عمون والتى كان تحكمها أسرة بنى طوبيا، وفيها أيضاً كانت تُدرّب الخيول الحربية. وقد توقع المكابيين أن يكون طيموتاوس قد عاث فيها فساداً واضطهد اليهود السكان فيها، ولكنه كان فقط قد ترك فيها حامية عسكرية سلوقية قبل أن يغادرها.
ويتضح لنا من النصّ هنا أن الطوبيين كانوا أقوياء بدرجة صدّت عنهم طيموتاؤس بحيث لم يستطع هزيمتهم، وإن كان قد ترك بعض حاميات فى بعض الحصون، كان الطوبيين مازالوا قوة حامية فى عبر الأردن حتى بعد انتحار القائد الطوبى المتميّز "هركانوس" فى سنة 169 ق.م. بل ربما كان دوسيتاوس وسوسيباطير قائدين طوبيين قد انضما إلى قوات المكابى.
وكان الطوبيين من القوة والشهرة بحيث صيغت الصفة "طوبيين Tobian, Toubiakos خصيصاً للإشارة إليهم، بل ربما ُسمى الإقليم الواقع حول الحصن الطوبى بـ الطوبياكى وسكانه بالطوبياكيين، وربما يكون أنطيوخس أبيفانيوس قد استولى على الحصن الطوبى فى "عرق الأمير" وأعاد توطين جنود هناك فى مكان ما بشمالى عبر الأردن أو جنوبى سوريا فى المكان المعروف باسم دياتما Dathema أو بالقرب منه (1مكا 5: 9-11 ، 29).
دوسيتاوس Doisitheus : وهو اسم يونانى معناه "هبة الله" أو "عطية الله" وهو ترجمة يونانية لإسم "متتيا" العبري (وقد وُجِد أيضا في بعض كتابات آرامية قديمة). وهو أحد القواد اليهود الصغار التابع بدوره لقائد أعلى يسمى "بكينور" .راجع (آية 35) وقد اتصف دوسيتاوس بالشجاعة والإقدام.
سوسيباطير Sosipater: اسم يونانى معناه "المدافع عن أبيه" وهو قائد يهودى فى ذات الرتبة التى كان فيها دوسيتاوس قام اثنيهما بقتل أفراد الحامية العسكرية التى تركها طيموتاوس خلفه فى أرض طوب، بينما كان الأخير ينظم صفوفه بالقرب من الكرك.
الكـرك Charax, Charak: وجاءت في اليونانية () مدينة تنتمى إلى "الأورانيين" وتقع فى الشمال الشرقى من جلعاد، فى المنطقة التى تشمل جبل أوران وتمتد غرباً حتى قرية "باتانا" وهى المنطقة التى تجمّع فيها 112 ألف من الجنود المرتزقة لمحاربة داود (2صم 10 : 6). وكان مقر الوالى السلوقي فى عهد المكابيين يسكن فى حصن الكرك، ويظن البعض أنها الكراك حالياً جنوب موآب، أو" كَنَّه" في حوران، على مسافة 20 كم شمال غرب بُصرَة. وتسمى أيضاً "عرق الأمير".
والكرك هو اسم يونانى عام يعني (معسكر مطوّق بالحسائك) ويقع على بُعد حوالى 750 غلوة من كسفيس، وقد قطع يهوذا مسيرة ثلاثة أيام إلى الجنوب من كسفيس إلى عرق الأمير، ومثلها عودة إلى قرنائيم.

عندما خشى طيموتاوس من شدة بأس جيش المكابيين لاسيما وقد فشل فى الاستيلاء على حصنهم، آثر إجلاء أقاربه وأمتعته من هناك إلى "معبد قرنيم" () راجع (1مكا5: 26، 43)، وهى العادة المتبعة من حيث الاحتماء فى المعابد والهياكل، أملاً فى حماية الآلهة وعدم تطاول المغيرين على تلك الأماكن، كما أن الممرات الضيقة فى قاع الوادى والمذكور فى (1مكا 5 : 37) كانت تجعل من الصعب الوصول إلى المعبد الكائن على القمة، والمعبد نفسه "قرنيم" هو بعينه "قرنائيم" هو معبد عشتاروت ذى القرنين والذى ورد ذكره فى (1مكا 5 : 43). مع ملاحظة أن "النساء والأولاد وساءر الأمتعة" (آية 21): هي للعرب الذين كانوا في جيشه انظر:(1مكا 39:5).

رؤية خامسة: هذه هى الرؤيا الخامسة التى ُتذكر فى هذا السفر، وقد آذر الله المكابيين بمثل تلك المناظر الإلهية لكى يعلن لهم تعضيده لجهادهم، وهو الأمر الذى أوقع الرعب فى قلوب الأعداء ففروا مذعورين، مما تسبب فى قتل وجرح بعضهم البعض وهو ما يسمى فى القاموس العسكرى الحديث بـ (نيران صديقة) وهو ما مكّن المكابيين أيضاً من قتل عدد كبير منهم.
طيموتاوس فى الأسر: استطاع طيموتاوس أن ينجو من هلاك محقق من خلال الحيلة والخداع(1)، فعندما لم تفلح توسلاته ودموعه لآسريه: دوسيتاوس وسوسيباطير ـ وهما اللذان كانا قد أهلكا الحامية العسكرية فى أرض طوب ـ فقد لجأ إلى التهديد بقتل عدد كبير من اليهود المأسورين لدى رجاله، وعند ذلك أطلق الرجلان سراحه، حقنا لدماء اخوتهما.
أتر جيتون Atargatis : ويقصد هنا هيكل أترجيتيس (1مكا 5: 43 ، 44) وهى كبيرة آلهة الأراميين، ويتكون الاسم من مقطعين: أتار Atar (عشتار) أو أتاه Ahah ثمّ At .. , Attis "أتيس" (اسم إله ذكر فريجي).
وأترجتيس هى صورة من صور عشتاروت اقترن فيها إله وإلهة، وقد ُجلبت من بلاد فارس وأشور، وأصبحت بعبادتها الخاصة الإلهة الأم لآسيا الصغرى، وكان أهم مراكز عبادتها فى سورية فى هيرابوليس حيث كان الأهالي متعصّبون لها هناك.
عشتارت: هي إلهة السمك عند البابليين، والآراميين والفلسطينيين، ولكن لمادا ُترجم إسم هذه الإلهة وهو في الأصل العبري "عَتَرْعَتاه" إلى عشتارت؟ :
من المعروف أن التسمية الأكادية (Ieshtar) سامية الأصل وقد وجدت بصيغ أخرى مقاربة في مناطق متعددة من الشرق الأدنى القديم، منها Ashtart عند أقوام الجزر الشمالية الغربية، و Athr في رأس شمرة و Athar عند العرب في جنوب الجزيرة العربية. وبالإضافة للتشابه في اللفظ فإن ما يدل على وجود صلة في المعتقدات الخاصة بالإلهة عشتار في وادي الرافدين، وبين الإلهة "عثر" في جنوب الجزيرة العربية، أن كلاّ منهما قد ُجسّد في نجمة سماوية، ثم أنهما عُبِدا ضمن ثالوث المجموعة الشمسية (الشمس والقمر والزهرة) والذي شاعت عبادته في جنوب الجزيرة العربية قديما(1).
وقد ورد ذكرها بعدة أسماء: (عشتارت، عشتاره، عشتارته، عشترة، عشتورة) ويجمع بلفظ عتاروت) ويعني الإسم بصورة عامة: الإلهة إشتارتي، والأهم في كل هذا التفريق بين هذه الإلهة والإلهة "عشيرة" زوجة الإله إيل.
ويبدو أن هذه الإلهة امتصّت صفاتها من "عشيرة" التي أصبحت إلهة أم فقط، وبلغة أخرى فإن عشتار الأكادية أو البابلية عندما دخلت إلى البانثيون الكنعاني إنشطرت إلى إلهتين، الأولى هي عشتارت إلهة الحب والجمال، والثانية هي عشيرة الإلهة الأم زوجة إيل ...وأما لقبها الآخر فهو " أم القرنين" حيث ظهرت وهي تلبس رأسا على شكل ثور رمز السلطة، تحيط به ريشتان يبرز تحتهما قرنين. لاحظ أن الأحداث هنا في قرنيم مدينتها وحرمها المقدس. كما يقول في صفحة 100 :
عشيرة: هي الإلهة الكنعانية الأم زوجة الإله إيل، التي صارت أما لكل الآلهة الكنعانية من إيل .....وقد حملت عدة ألقاب : مثل: خالقة الآلهة، والأم، وأيلة، إيلات، وسيدة العمودين، وربة اليم، و سمكة البحر، والسارية ...ولا بد أن نذكر أن الإلهة الآرامية (عتر) ظهرت من عشتار أيضا وكونت أساس إسم عترجاتس التي ننفي عنها كونها ظهرت من دمج (عناة + عشتارة ) بل هي الإلهة الآرامية عتر اندمجت فيها صفات عناة(1).
هذا وقد ُصوّرت أترجتيس فى شكل بطلة مصارعة، تجلس مستندة على مجموعة من الأسود وتحمل فى يدها حزمة من السنابل. وقد حمل الجنود الرومان تمثالها هذا إلى شمال بريطانيا. بينما فى مصر كانت عشتاروت تصّور برأس لها قرون بقرة وتسمّى هناك "الإلهة هاتور".

st-athanasios
02-21-2009, 09:06 PM
العودة إلى البلاد
(1مكا 5 : 45)

27وبعد انكسار أولئك وهلاكهم، زحف يهوذا على عفرون، إحدى المدن الحصينة، وكان ليسياس يقيم فيها. وكان على أسوارها شبان من ذوى البأس، يقاتلون بشدة، ومعهم كثير من المجانيق والقذائف. 28فدعا اليهود الرب الذى يحطم بقدرته بأس الأعداء، فأخذوا المدينة وصرعوا من الذين فى داخلها نحو خمسة وعشرين ألفاً. 29ثم رحلوا من هناك وهجموا على مدينة بيت شان، وهى على ست مئة غلوة من أورشليم .30إلا أن اليهود المقيمين هناك شهدوا بأن أهل بيت شان عطفوا عليهم وعاملوهم بإنسانية فى وقت الضيق. 31فشكرهم يهوذا وأصحابه على صنيعهم وأوصوهم أن يبقوا على عطفهم على جنسهم وعادوا إلى أورشليم لاقتراب عيد الأسابيع.( يس15: 45).


لم يكن فى نيّة يهوذا المكابى مهاجمة عفرون، ولكنه وبالرجوع إلى (1مكا5 : 45) سنجد أنه كان فى طريقه إلى أورشليم وبصحبته اليهود الذين خلّصهم من مضايقات الوثنيين الذين كانوا يحيون معهم كأقليات خلال الحملة التأديبية الكبيرة، فكانت عفرون فى طريقهم، ولم يكن من الممكن تفادى المرور من خلال، مثلما حدث كثيراً مع يشوع والشعب عند امتلاك أرض الموعد، فقد رفض سكان العديد من البلاد مجرد مرورهم منها حتى بعد تقديم الضمانات بعدم الأذى أو حتى طلب الطعام والماء، مما اضطره إلى محاربتها والاستيلاء عليها. راجع: (يشوع 15: 45)
وقد يتعجب القارئ كيف سكن ليسياس والذى هو فى مكانة الملك آنذاك فى مدينة بعبر الأردن؟ (آية 27) ولكن ذلك كان مألوفاً بالنسبة للنبلاء والوزراء أن يكون لهم مساكن ريفية فى الأقاليم.
عفرون Ephron: يبدو أنها كانت مقر الوالى ليسياس فى تلك المنطقة، وهو وصي الملك أنطيوخس الخامس، كما كانت تضم سكاناً من جنسيات مختلفة، وبينما ُيذكر فى سفر المكابيين الأول أن سكانها رفضوا مرور اليهود فى وسطها، بل أوصدوا الأبواب رافعين خلفها متاريس من الحجارة والرمال حتى يستحيل بذلك فتحها، فالسفر يشير هنا إلى قوة بأس المدافعين عنها على الأسوار بما لديهم من مجانق وقذائف (سهام ملتهبة لاشعال الحرائق).
بيت شان: هى المدينة التى علّق أهلها على سورها جسد
شاول (1صم31 : 10).وهى المسمّاه أيضاً في اليونانية سكيثوبوليس () وهى المذكورة فى (1مكا5 : 46) حيث ُاشير هناك فقط إلى المرور عليها دون الاشتباك مع أهلها الوثنيين، ولكنه وبينما يظهر المكابيون هنا وهم متحفّزون للدفاع عن اخوتهم الساكنين هناك، إذ بهؤلاء يشهدون بحسن معاملة أهلها الوثنيين مما أوجب شكر يهوذا المكابى لهم.
عيد الأسابيع: وهو الترجمة الحرفية للاسم العبرى الذى يعنى عيد الخمسين وهو عيد البنطقوستى (آية 32) وهو كذلك العيد الثانى من الأعياد الرئيسية الثلاثة، حيث كان يتوجّب على كل ذكر فى إسرائيل أن يظهر أمام الرب فى أورشليم (خروج 23: 17 و 34 : 22 و تثنية 16 : 10) وقد سمى بهذا الاسم لأنه يأتى فى اليوم الخمسين أى بعد سبعة أسابيع من الفصح (خروج 34 : 22) ولم تذكر إشارة عنه فى الكتاب المقدس بعد ذلك إلا فى أيام سليمان (2 أخ 8 : 12، 13).
ووفقاً للتفسيرات الصدوقية والأسينية كان العيد دائماً ما يوافق يوم أحد، وكان على يهوذا أن يوقف الأعمال القتالية يوم السبت الذى يسبق العيد (قارن مع 8: 26 و 12: 38) وبحسب التفسيرات الصدوقية والأسينية أيضاً كان يجب على الحجاج الوصول إلى أورشليم قبل السبت، وكان عيد الخمسين بحسب التقويم الفريسى يوافق 6 سيفان (21 أبريل) وفى حالة التقويم الكبيس كان العيد يقع فى 19 يونية، وهناك نظريات غير مؤكدة تفيد بأن اليهود فى تلك السنة (سنة 163 ق.م.) قد استخدموا تقويماً غير كبيس(1).
في عيد الأسابيع كان ُيحتفل باتمام حصاد الشعير ، حيث كان يقدّم فى بداية هذا الحصاد "حزمة الترديد" أمام الرب، وهى كذلك بداية حصاد القمح، وكان يوماً مبهجاً حُسب راحة (إجازة رسمية) ومثل احتفال عائلى تقدّم فيه تقدمات اختيارية حسب كرمهم ( تثنية 16 : 10، 11) وفى الهيكل يقدّم رغيفين من خبز مختمر ومملح (لاويين 23 : 17) أما مواصفات الرغيف فهى أن يكون بطول سبعة أشبار وعرض أربعة أشبار وسُمك سبعة أصابع (قراريط) وذلك بحسب فتوى الربيين لاحقاً، مع تقدمات عبارة عن سبع خراف حولية، وثور واحد، وكبشين محرقة مع تقدمتها وسكيبها وقود رائحة سرور للرب (لاويين 23: 18). وفى التقليد اليهودى ُيعتبر هذا اليوم هو يوم اعطاء الشريعة لموسى(2).
وفى العهد الجديد اعتبر هذا اليوم "يوم تأسيس الكنيسة" إذ حلّ فيه الروح القدس، حيث لبس الرسل قوة من الأعالى ومن ثم بدأوا خدمتهم منطلقين إلى كافة أرجاء المسكونة، وصار مع الوقت عيداً سيدياً بل عُدّ أعظم الأعياد، ومنذ يوم عيد القيامة وحتى يوم الخمسين تعيش الكنيسة حالة من الفرح والبهجة، متسامية فوق القانون.

وهكذا استمرت الحملة التأديبية من ِقبل المكابيين على الأمم الوثنية، عقب عيد الفصح ـ حيث رسائل ومعاهدات السلام ـ وحتى قرب عيد الأسابيع (الخمسين). وجدير بالذكر هنا أنه أثناء تلك الحملة قد وقع يوسف وعزريا فى المخالفة وتسبب ذلك فى هزيمة الجيش اليهودى الذى كان برفقتهما (1مكا 5: 55-62).

الحملة على جرجياس
1مكا 5: 65 - 68
32وبعد العيد المعروف بعيد الخمسين، أغاروا على جرجياس، قائد أرض أدوم.33 فخرج إليهم فى ثلاثة آلاف راجل وأربع مئة فارس.34وأقتل الفريقان، وكان أن سقط من اليهود نفر قليل. 35وكان فيهم فارس ذو بأس يقال له دوسيتاوس، من رجال بكينور، فأمسك جرجياس وقبض على ردائه واجتذبه بقوة، يريد أن يأسر ذلك اللعين حياً فهجم عليه. فارس من الطراقيين وقطع كتفه، ففر جرجياس إلى مريشة. 36وتمادى القتال بالذين مع أشدرين حتى كلوا، فدعا يهوذا الرب ليكون حليفهم وقائدهم فى القتال. 37وجعل يهتف بالأناشيد بلسان آبائه، ثم صرخ، ووثب على رجال جرجياس بغتة وهزمهم.
يتضح لنا من أخبار هذه الحملة أن المكابيين لم يحققوا نصراً حاسماً على جيش جرجياس، والذى كان عدد أفراده قليلاً جدا إذا ما قورن بالأعداد الضخمة من الجنود والفرسان، التى هزموها فى معارك أخرى، حيث وصل قوام بعضها إلى مئة وعشرين ألفاً. ويبدو أنها كانت واحدة من جولات الاشتباك مع جيش جرجياس قائد أرض أدوم(1)، إذ يرد فى (1مكا 5: 59 ، 60) فيما يبدو أنه احدى هذه الجولات أنه سقط ألفى يهودي(2).
جدير بالذكر هنا أن أعداد الجنود والفرسان المذكورة فى (آية 32) هى لـ جرجياس وليست يهوذا المكابى، وبالتالى فهى أرقام متواضعة بالنسبة للقوى التى أغار بها من قبل على اليهود. وفى (1مكا 5 : 68) يذكر أن حملة يهوذا هذه قد انتهت بغارة على إقليم أشدود وعلى المعابد الوثنية والأصنام التى فيها.
أما "دوسيتاوس" المذكور هنا فهو مختلف عن الشخص المذكور فى (آية 19) لأنه معرّف هنا. وترد العبارة: "دوسيتاوس أحد رجال بكينور" في النسخ الأرامية : (دين جفرا من طوبينا = رجل من طوب)، وهكذا وردت في عدد من المخطوطات اليونانية: () أو () مما يعني أنه كان أحد رجال طوب.
وأما "بكينور" Bacenor فهو أحد القواد اليهود فى جيش المكابي وكان دوسيتاوس قائدا أيضاً ولكنه دوّنه فى الرتبة وتظهر لنا شجاعته وجبروته من اختراقه لصفوف الأعداء ومحاولته أسر قائدهم، وبالتالى فقد كان بإمكانه قتله إذ يقترب منه إلى هذا الحد، لولا أن أحد رجال جرجياس تدارك الأمر فأصاب ذلك الفارس الشجاع.

الطراقيين = الثراكيين Thracians : وهم سكان ثراكية والتى تقع فى شبه جزيرة البلقان شمال شرق مكدونية، جنوب بلغاريا الحالية، وكانت تقع بين نهرى "فستوس" و "الدانوب" حالياً، وقد اشترك بعض من رجالها كجنود مرتزقة فى جيش السلوقيين، حيث عُرف عنهم شدة البأس.وهم يعملون هنا لحساب المكابيين، وبالتالى فلا ينطبق عليهم التحريم الوارد فى الشريعة والخاص بعدم جواز استخدام اليهود للفرسان.
أما الرداء الذى حاول دوسيتاوس امساك جرجياس منه، فهو المعطف القصير الذى كان الفرسان يرتدونه "cloak". وهو بلا أكمام وُيطرح على الكتفين ويثبّت عند العنق بدبوس (مشبك) وكان يتألف من قطعة مستطيلة من القماش، ومن الطرف السفلى تتقوس إلى جناحين فيما يشبه ذيلي المعطف الرسمى.

مريشة: وهى المدينة الفلسطينية الواقعة بين أدوم وحبرون، وهى التى ُاشير إليها سابقاً فى (1مكا 5 : 66) راجع التعليق عليها هناك.

أسدرين = أشدرين Esdris : وهو واحد من القادة فى جيش المكابى، ولم ُيذكر إلاّ فى هذا المكان وبالتالى فلا ُيعرف عنه شئ غير ما ورد هنا. وربما كان قائد الوحدة العسكرية التى تعرضت للخسائر والمذكورة فى (آية 34). هذا وقد جاءت الكلمة اسدرين في اليونانية () وهو اسم يشابه اسم عزري الوارد (1 أخ 27: 26) ، ونرى أن الكاتب لم يعطه كنية والذي بالتأكيد كان مذكور في كتب ياسون الكاملة.

وهكذا كاد اليهود أن يخسروا تلك المعركة، وعندما بادر يهوذا بالهتاف مع الشعب بالأناشيد الحماسية (المزامير)، والتى من شأنها اثارة حميّة الجنود وإذكاء روح القتال فيهم، استطاعوا تدارك الأمر، أمّا المقصود بأن يهوذا أنشد بلغة آبائه وهى العبرية فهو أن تلك الأناشيد كانت معروفة حيث كتبت ولحنت فى العبرية وصارت تتلى فى مناسبات بعينها. كما يوحى استخدام المكابى هنا للعبرية بأنه كان يتكلم الأرامية هو ورجاله قارن (15 : 29).

أصنام يمنيا
38ثم جمع يهوذا جيشه وسار به إلى مدينة عدلام. ولما كان اليوم السابع، اطهروا بحسب العادة واحتفلوا بالسبت هناك. 39وفى الغد جاؤوا إلى يهوذا ـ عندما كانت تقتضيه الحاجة ـ ليحملوا جثث القتلى ويدفنوهم مع ذوى قرابتهم فى مقابر آبائهم. 40فوجدوا تحت ثياب كل واحد من القتلى أشياء مكرسة لأصنام يمنياً، مما تحرمه الشريعة على اليهود. فتبين لهم جميعاً أن ذلك كان سبب قتلهم. 41فباركوا كلهم تصرف الرب الديان البار، الذى يكشف الخفايا.


عدلام Adulam : اسم عبرى معناه "ملجأ" وهى احدى مدن السهل الشهيرة وتسمى "عين الماء" وفيها تقع المغارة المسمّاة بإسمها، والتى فيها اختبأ داود من وجه شاول، راجع (يش12:15 و 1صم 22: 1 و 2 أخ 11: 17) وبعد هزيمة طيموتاوس العمونى عسكر الجيش عندها. هذا وتقع عدلام على بُعد حوالى 12 كم شمال شرق مريشة، ورغم أن الأدوميين قد تعدّوا على جزء كبير من جنوب اليهودية، فقد بقت عدلام فى أيدى اليهود، أنظر (نحميا 11: 30).

التطهير حسب العادة:
لم يستحم المكابى ورجاله فقط ولكنهم تطهّروا بحسب الطقس، ولكنه لم يكن تطهير بحسب طقس سفر العدد (31: 19 – 24) لأنه يستغرق سبعة أيام، ولكنه كان حسب العادة أو حسبما تقضى تعليمات الحاخامات لمن يدخل الفناء الداخلى للهيكل فقط، فبحسب الرابي يهوذا ابن رابي إيلى كان مجرد غسيل للوجه واليدين بماء دافئ قبل حلول السبت، بينما يحتفظ الحسيديين بعادة التطهير بالغمر الطقسي قبل حلول السبت، كما طالب سكان قمران (الأسينيين) الجنود بتطهير أنفسهم فى الصباح التالى لأية معركة (1).

أصنام يمنيا:
وبعد انقضاء السبت والاحتفال به قام الجنود باتمام الواجب والذى كان قد تأجّل بسبب حلول السبت، فعندما همّ رجال المكابي بتكفين القتلى تمهيداً لدفنهم كلٍ فى قبر آبائه، عثروا فى طيات ثياب القتلى على تمائم (تعاويذ) وتماثيل صغيرة لآلهة يمنياً والتى كانوا قد اجتاحوها، ولم تكن تلك الأشياء قد حملها الرجال على سبيل التفاؤل أو أنها تعكس معتقدات وثنيّة لديهم، وإلاّ لما حاربوا مع المكابى ضد الوثنيين، ولكنها على الأرجح كانت مقتنيات استولوا عليها من يمنيا ( آية 8 ،9) إذ كانت المعابد الوثنية تحتوى على ُحلى ذهبية وفضية مكرسة للآلهة الوثنية وتوضع فوق تماثيلها، ولكن ذلك كان مخالفاً للشريعة إذ يرد فى سفر التثنية: " تماثيل آلهتهم تحرقون بالنار لا تشته فضة ولا ذهباً مما عليها فتأخذ لك لئلا تصاد به لأنه رجس عند الرب إلهك، ولا تدخل رجساً إلى بيتك لئلا تكون مجدفاً مثله، تستقبحه وتكرهه لأنه محّرم (تثنية 7: 25، 26)(1).
وقد رأى القادة المكابيين أن ذلك كان السبب فى قتلهم دون الباقين، حيث لم تحمهم تلك الآلهة التى حملوا تماثيلها وتمائمها.
ويقول العالم إيسيدور ليفي أن أهل يمنيا صوّروا هيرقل وهورون على أنهما الإلهين اللذين يمتلكان يمنيا، ويظهر هذين الإلهين كمدافعين، وكانت يمنيا تقع فى الإقليم الذى كانت تسيطر عليه مدينة عقرون حيث كان بعل زبول يعتبر كإله يدافع ويشفى (2مل 1: 2 – 16) وبذلك كانت تلك الأشياء المكرسة تعتبر تعاويذاً تجلب لحاملها قوة آلهة يمنيا الدفاعية، وكما مات الملك أحازيا عقاباً له على طلب قوة الشفاء من بلعزبول (بعل زبوب) هكذا هلك الجنود اليهود بسبب حملهم التعاويذ الوثنية.
ولكن الأرجح أن خطيّة أولئك الرجال كانت الجشع وليست الوثنية (أى الثقة بآلهة كاذبة) وقد كانت خطية "عخان بن كرمي" هى الجشع ولكنه دفع حياته ثمناً لها (يشوع 7).
ويذكرنا ذلك بأصنام بيت لابان والتى أخفتها راحيل فى أمتعتها، ورغم اعتقاد الكثير من الشراح فى أن ذلك كان يعبّر عن بقايا التأثير الوثنى لدى راحيل، إلاّ أن وثائق " نوزى Nuzi " تفيد بأن ذلك كان يعنى اثبات نصيب الإنسان فى الميراث (تكوين 31 : 14 ـ 16، 30، 32 ، 33 ـ 35).
أما عن مباركة (تمجيد) الشعب للرب الذى كشف الخفايا، فالمقصود به اكتشافهم سبب هزيمة البعض وكذلك الهزيمة العامة التى كانت وشيكة الحدوث فى تلك المواجهة مع جيش جرجياس، معتبرين ذلك خيانة على غرار ما حدث فى عاى بسبب ما فعله عخان بن كرمى.

الصلاة عن الراقدين

42ثم أخذوا يصلون ويبتهلون أن تمحى تلك الخطيئة المرتكبة محوا تاماً. ثم وعظ يهوذا الباسل القوم أن يصونوا أنفسهم من الخطيئة، إذ رأوا بعيونهم ما حدث بسبب خطيئة الذين سقطوا . 43ثم جمع من كل واحد تقدمة، فبلغ المجموع ألفى درهم من الفضة، فأرسلها إلى أورشليم لتقدم بها ذبيحة عن الخطيئة. وكان عمله من أحسن الصنيع وأسماه على حسب فكرة قيامة الموتى، 44لأنه لو لم يكن يرجو قيامة الذين سقطوا، لكانت صلاته من أجل الموتى أمراً سخيفاً لا طائل تحته. 45وإن عد أن الذين رقدوا بالتقوى قد أدخر لهم ثواب جميل، كان فى هذا فكر مقدس تقوى. ولهذا قدم ذبيحة التكفير عن الأموات، ليحلوا من الخطيئة.


شعر يهوذا ورجاله أن المجتمع كله قد ُوصم بخطية عبادة الأصنام، من خلال سلوك الجنود المخالفين، فإذا اعتبر يهوذا ما ورد فى (لاويين 4 : 13) منطبقاً على حالتهم فقد كان (لاويين 4: 14 – 21) بالتالى يحتّم احضار الشعب ثوراً كذبيحة خطية، وفيما بعد نصّت القوانين الحاخامية على أن يُجمع من الشعب مبلغ خاص لشراء الثور، وكان مبلغ الألفى درهم كبيرا جداً كثمن للثور (آية 43) وبالتالى كان المبلغ المتبقى يوهب للهيكل، ولكن يهوذا هنا يقدمها عن الأموات.
تعد هذه الفقرة من أهم المصادر الكتابية فى تدعيم عقيدة الصلاة لأجل الراقدين، غير أن الأهم من ذلك هو عقيدة قيامة الأموات، فإن هؤلاء الذين ماتوا فى الحرب لم يكونوا مجرد كائنات ظهرت حيناً ثم اختفت، مثل أية ظاهرة بيولوجية، ولكنهم أولاد لله أتى بهم إلى هذا العالم ووهبهم ميزة الخلود، وإذا عاشوا هنا بالبر فهم بذلك ُمستحقون لنصيب أبدى أعدّ لهم منذ تأسيس العالم.
أما عن تقديم القرابين عن الراقدين فقد مارست الكنيسة منذ البداية هذا الطقس، إذ ترد إشارة إلى ذلك فى قوانين الآباء الرسل (1: 69) " إذا رغبتم فى ذلك فكلوا بترتيب وخوف الله حتى يمكنكم أن تصلّوا عن الذين انتقلوا من هذا العالم". ويرد أيضاً فى قوانين القديس اكليمندس أن الشرير لن ينتفع حتى ولو ُقدمت كل قنايا (أموال) العالم صدقة نيابة عنه للفقراء، كما يقول القديس أغسطينوس أنه ليس للصالحين جِداً ولا الأردياء جِداً، تقدم هذه القرابين (مدينة الله 21 : 24/2). والمقصود بالطبع أنها تقدم عن أشخاص أبرار لهم بعض الهفوات والخطايا التى ليست للموت. ويرد فى قوانين ابن العسال (القرن13)عن القربان الذين يقدّم يوم الدفن وفى تمام الشهر وعند انقضاء ستة أشهر وعند تمام السنة " ويعطون الفقراء ومن زاد على ذلك فله وللميت زيادة الأجر". كما ورد فى كتاب الجوهرة النفسية لابن السباع (بداية القرن 14) "رفع القربان عن الميت فى اليوم الثالث والتاسع والشهر و ستة أشهر وسنة " ويضيف: أن القربان على الميت مما ُيوجب له الرحمة من الله. فترتيب الثالث، لنشعر أهل الميت أنه رُحم من الله فيتسلّوا ويتعزوا عن فقده، برحمة الله. ويمضى ابن السباع (فى باب 84) فيقول "عند توزيع لقمة البركة فعلى من يأخذها أن يقول ـ قبل أن يأكلها ـ اللهمّ اغفر خطايا مقدم هذا القربان وتستجيب طلبة الكاهن له على وجه الخصوص، وطلبة سائر الشعب على العموم". كما يقول يشوع بن سيراخ: "لا تمنع معروفك عن
الميت" (سيراخ 7 : 33).
أما عن الخطايا التى نصلى عن الميت لأجلها ونرفع القرابين، فهى تلك التى ليست للموت مثل التى نسى الاعتراف بها، أو تلك التى لم يجد من يعترف بها أمامه، أو عندما لم يجد الوسيلة التى يصحح بها ما ارتكبه أثناء حياته، يقول القديس يوحنا الحبيب " إن رأى أحد أخاه يخطئ خطية ليست للموت يطلب فيعطيه حياة للذين يخطئون ليس للموت. توجد خطية للموت ليس لأجل هذه أقول أن يطلب" (1يو 5 : 16).
ويصلى القديس بولس الرسول عن تلميذه أنيسفورس قائلاً " ليعطه الرب أن يجد رحمة من الرب فى ذلك اليوم" (2تيمو1: 18) كما نصلى جميعاً لأجل داود النبى كل يوم قائلين وإذكر يارب داود وكل مذلته" (مزمور 132: 1).
ولكنه ولا شك أن الذين ماتوا فى خطاياهم، لاسيما أولئك الذين كانوا ُمصرّين عليها حتى موتهم، فإن هذه الصلوات والقرابين لن تنفعهم شيئاً ( كما ورد فى أقوال القديس أغسطينوس وقوانين القديس اكليمندس).
وهكذا نصلى كل يوم فى أوشية الراقدين قائلين "وان كان قد لحقهم توان أو تفريط كبشر وقد لبسوا جسداً وسكنوا فى هذا العالم، فأنت كصالح ومحب للبشر اللهم تفضل واغفر لهم".
وفى العصر المسيحى الأول استبدلت القرابين التى ترفع عن الميت (فى شكل طعام وصدقات للفقراء) بالافخارستيا، حيث ترفع ذبيحة الافخارستيا عن الميت سواء فى الثالث أو الأربعين أو وقتما يشاء ذويه، إذ ُتعد الافخارستيا شركة حقيقية بين الأحياء والراقدين من خلال تناول جسد ودم المسيح الذى هو خبز الحياة ( راجع يوحنا 6) كما عرفت فى الولائم ـ التى تعقب الافخارستيا فى هذه المناسبات ـ عادة أكل السمك من قرابين الموتى، حيث يرمز السمك إلى الافخارستيا، وقد أكله السيد المسيح مع تلاميذه بعد قيامته، ويوجد على الكثير من جدران مقابر المسيحيين فى روما رسوم السمك مقترنة بالخبز والخمر.
وفى المقابل فإن الأبرار الذين انتقلوا من هذا العالم هم أيضاً يصلون عنا، ففى سفر المزامير نصلى "من أجل داود عبدك لا ترد وجهك عن مسيحك" (مزمور 132: 10) ثم قال الرب فى سفر إرميا "وإن وقف موسى وصموئيل أمامى لا تكون نفسى نحو هذا الشعب" (إرميا 15: 1) أى أن موسى وصموئيل لهم كرامة عند الرب ويسمع لتضرعاتهم ولكن هذا الشعب تجاوزت تعدياته هذا الحدّ، كما يشفع فينا الملائكة أيضاً، فيرد فى سفر زكريا: " فأجاب ملاك الرب وقال : إلى متى أنت لا ترحم أورشليم ومدن يهوذا التى غضبت عليها هذه السبعين سنة ؟ " ( زكريا 1: 12، 13، 16) . ونقرأ كذلك فى سفر الرؤيا عن الحيوانات الأربعة والقسوس الأربعة والعشرون الذين رفعوا البخور وهو صلوات القديسين (رؤيا 5: 8).
جدير بالذكر أن الصدوقيين والذين تبلورت أفكارهم فى العصر المكابي أيضاً، أنكروا فكرة قيامة الأموات وكذلك وجود الأرواح والحياة الأبدية ويظهر ذلك فى محاجاتهم مع السيد المسيح، راجع ( متى 22: 23-33) وقد أسهم هذا الجزء من السفر فى بلورة فكرة الخلود.
يقول القديس اغسطينوس فى مقاله عن المباحث العقائدية والأخلاقية ".. نقرأ فى سفر المكابين عن الذبيحة التى ُقدمت عن الموتى، فإن استخدام
(مثل هذه الذبائح) واضح للكنيسة كلها، حيث فى صلاة الكاهن التى يقدمها للرب على مذبحه: اطراء للموتى له أيضاً مكانه(1).
وفى وجوب تقديم القرابين عمن ماتوا قبل أن يعتمدوا: " .... على مثال المكابين الذين سقطوا فى المعركة، فإنى أشرح وجهة نظرى فى ضرورة ذلك، فهم ( أى المكابيين) عندما قدّموا خفية التضحيات المحرقة (يقصد أصنام يمنياً) وبعدما سقطوا فى المعركة، نجد أن الكهنة قد لجأوا فوراً إلى هذا الاجراء الشافى، فقد ُقدمت الذبائح بغرض خلاص نفوسهم التى قيّدها الذنب بسبب تصرفهم المحرم" (2).
ويضيف قائلاً فى أن ذبيحة جسد ودم المسيح لن تنفع الأشخاص غير المعتمدين، ولا يمكن تقديمها عن غالبية أولئك الذين يموتون بغير عماد : "فإننا نتكلم عن أولئك الذين بميلادهم بين الاشخاص الوثنيين ومن الوالدين الوثنيين لا يمكن بأى شكل أن ينالوا مثل هذا العون والمساعدة، وحتى إن أمكن تقديم هذه الذبائح فإنها بالتأكيد لن تفيد غير المعمّدين، تماماً كما كانت الذبائح المذكورة فى سفر المكابين غير ذى جدوى للموتى الخطاة الذين قدمت عنهم كما لو كانوا بالضبط غير مختونين" (1) ويقصد القديس فى الفقرتين السابقتين أنه لن تفيد التقدمات الموتى غير المعمدين، مثلما كانت ستصبح غير مفيدة ذبائح المكابيين عن الذين ماتوا إذا لم يكونوا مختتنين إذ كان الختان فى ذلك الحين رمزاً للمعمودية.
ويقول كذلك فى دفاعه "إذا رغبت فى أن تكون مسيحياً، فأضرع إليك ألاّ تؤمن ولا تعلّم بأن تقدمة المسيحيين عن أولئك الذين قد فارقوا الجسد من دون عماد لن ُتقبل، وألا فإن ذبيحة المكابيين عن الموتى لن تقبل إذا كانوا غير مختونين" (2) وكان القديس يعاتب شخصاً يدعى فيكتور أو فيكتوريانوس فى بعض العقائد.
أخيـراً: يجب أن نلاحظ الفرق بين مبلغ الثلثمائة درهم التى جمعها اليهود للإشتراك فى ذبيحة وثنية فى صور مجاملة للسلوقيين، ومبلغ الألفي درهم هنا والتى ُجمعت لأجل الذبيحة عن الأموات، حيث يظهر هنا كرم الشعب وتعاطفه وميله إلى تصديق فعالية هذه الذبيحة. هذا وقد اكتسب هذا العمل الذى قام به يهوذا أهمية كبرى فى الفكر اليهودى والمسيحي تجاه عقيدة الصلاة عن الراقدين.