مشاهدة النسخة كاملة : البابا المحبوب ودرس جديد في قوة تحويل الخد الآخر


emad_fahmy
01-22-2008, 08:37 AM
البابا المحبوب ودرس جديد في قوة تحويل الخد الآخر


21/01/2008 - 08:41:01 CET

بقلم: د. تيتو

لا ندع الأيام تمر من بين أيدينا مرور حفنة ماء أو حفنة رمل دون أن نستوقفها لنسأل أنفسنا لماذا أتينا وماذا نكون وإلى أين سنذهب؟ وستجيبنا الأيام وستنصحنا بأن نقتفي آثار الغنم ونتساءل لمن تكون؟ وسنعرف أنها آثار الشهداء والمعترفين والقديسين واللاهوتيين، والمؤمنين التي كانت أهم محطاتها هو قداسة البابا شنوده الثالث.

إنه درساً جديداً معاشاً علمنا إياه ضمن ما يعلمنا قداسة البابا المحبوب وهو درس القوة في تحويل الخد الآخر أو الحب في مواجهة العنف.

قال الرب يسوع في موعظته على الجبل "سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن، وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً" (مت 5: 38)

فكثير من الآباء والوعاظ والمتكلمين يشرحون هذه الكلمات مركزين على مدى ما تحمله من تسامح، نعم هذه الكلمات إن كان مدارها التسامح فمركزها القوة. وقبل أن نتطرق لكلمات الرب يسوع علينا أن ندرك مفهوم القوة في المسيحية لأن القائل هو الرب يسوع الذي صعد على الصليب بقوة مظهراً عظمة التسامح والرحمة، فنحن نريد تسامحاً نابعاً من القوة.

فالسيد المسيح هو الذي قال: "لأني أضع نفسي لآخذها أيضاً، ليس أحد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضاً هذه الوصية قبلتها من أبي. (يو17:10-18).

كذلك يخبرنا القديس يوحنا الرسول في إنجيله "فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه" (يو18:4).

فهم مراراً كثيرة حاولوا قتل يسوع قبل ساعته التي حددها بحسب التدبير ولكنهم لم يستطيعوا. "وكان قوم منهم يريدون أن يمسكوه ولكن لم يلق أحد عليه الأيادي" (يو7: 44) و"فطلبوا أن يمسكوه ولم يلقي أحد يداً عليه لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد" (يو7: 30) و(يو8 : 20).

ولما أتت الساعة بدأت تدابير الخلاص بحسب علمه السابق تماماً طبقاً للمشيئة الإلهية "وقد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان.. الآن نفسي قد اضطربت، وماذا أقول أيها الآب نجني من هذه الساعة ولكن لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة (يو 12 : 23 – 27)

فالرب يسوع كان يعلم كل شيء من البداية إلى النهاية لأنه "عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد" (1تى 3 : 16).

لأنه عرف مسلمه (يو13 :11).

ففعل التلاميذ كما أمرهم يسوع وأعدوا الفصح، ولما كان المساء اتكأ مع الإثنى عشر، وفيما هم يأكلون قال الحق أقول لكم إن واحداً منكم يسلمني، فحزنوا جداً وابتدأ كل واحد منهم يقول له، هل أنا هو يا رب، فأجاب وقال: الذي يغمس يده في الصحفة هو يسلمني. إن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه، ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان. كان خير لذلك الرجل لو لم يولد. فأجاب يهوذا مسلمه وقال هل أنا هو يا سيدي. قال له أنت قلت. (متى 26 :21- 25).

وهذا ما تعلمنا إياه الكنيسة المرتشدة بالروح القدس في القول الرائع الذي صاغه القديس غريغوريوس في قداسه حين يقول الكاهن قبل التقديس "لأنك في الليلة التي أسلمت فيها ذاتك بإرادتك وسلطانك وحدك". (القداس الغريغوري)

مفهوم القوة:

مما لا شك فيه أن العلاقة وثيقة بين القوة والحياة، وحينما تظهر التجارب الحياتية ضعفنا وخاصة أمام الموت "آخر عدو يبطل هو الموت" (1 كو15 : 26).

لهذا أكد "أدلر" شعورنا بالنقص في حياتنا النفسية، فالقوة بالنسبة له و"لنتشه" الذي أحال هذه القوة إلى "قيمة أخلاقية" وأكد على التميز بين أخلاق السادة وأخلاق العبيد. على عكس"دارون" الذي اعتبرها "قيمة بيولوجية صرفة" ونهج نهجه غيره من دعاة التطور وما زال هذا المعتقد يجد تربة خصبة في شعوبنا الشرق أوسطية، وهو مفهوم: "البقاء للأ قوى".

ووضح هذا المفهوم في أبسط سلوكيات الشعب المصري، فحينما كان يضع المسيحي السمكة (كميدالية أو دلاية في عربته) كرمز ومدلول مسيحي لأنها رمز للسيد المسيح حسب المعتقد الخاص به، كان أخيه المسلم يضع سمكة القرش (أشرس أنواع السمك) "إعلانا للقوة" والتي تلتهم السمك الصغير الضعيف الذي يضعه المسيحي.

وهذا السلوك تنتهجه أمريكا مع الدول الأقل قوة كذلك ينتهجه الإنسان المسلم ضد أخيه المسلم الأضعف وضد أخيه المسيحي الأكثر ضعفاً، كذلك كثيراً ما ينتهجه المسيحي (نتيجة لما اكتسبه من مفاهيم وعادات بيئية) ضد أخيه المسيحي الأضعف. وحينما تسأل أي إنسان (خاصة في منطقتنا العربية) عن مفهوم القوة فإن أول ما يخطر على باله "القوة الجسمانية" وهذا ليس بغريب، فالحضارات القديمة –كالحضارة اليونانية وحضارة الأنجلو ساكسونية– قد عملت على الرفعة من شأن "القوة الجسمانية".

والعالم كله يولي الألعاب الأوليمبية قدراً كبيراً من العناية، وأصبحت القوة البدنية هي الأسا س، وارتدت أكثر من قناع. فلدينا في شعوبنا (القوة السلطوية – قوة المركز – قوة المال – إلى آخره من مظاهر القوة). وهذا ما جعل عالم النفس المعاصر ألفرد أدلر يقول بأن الحضارة البشرية قد قامت منذ البداية على مشاعر النقص؛ لهذا فالجانب الأكبر من حياتنا يمثل جهداً نقوم به في سبيل التعويض عن هذا النقص للحصول على أكبر قدر من القوة والامتياز والتفوق، بل نجده يذهب إلى أبعد من ذلك، حيث يؤكد أننا نطمع في أن نكون آلهة أو أشباه آلهة. إن الإنسان بطبيعته سواء كان سوياً أو مريضاً يكره "الضعف" فلا يريد لنفسه أن يحيا ضعيفاً.. والإنسان لا يدرك كنه نفسه إلا من خلال "الصراع من أجل القوة".

والحكمة التي تعلمنا إياها المسيحية هي "المحبة" فالمحبة في نفسها قوة تحمل صراعاً ضد العالم وشهواته وأمراضه وتجاربه، لكنه صراع ممزوج بالمحبة.

وتطور مفهوم القوة لدى الإنسان المعاصر وأصبحت القوة التي ينشدها هي قدرة الإنسان للسيطرة على نفسه وقدرته على التحكم في أفعاله وحركاته "البطيء الغضب خير من الجبار، ومالك روحه خير ممن يأخذ مدينة" (أم 16 : 32 ).

أما المسيحية فقد رأت أنه كي يكتمل ثالوث القوة فلا بد من الضلع الثالث وهو "القيم الروحية". وكلنا يعلم حق العلم كيف انهزمت القوة البدنية لجليات الجبار ووقع صريعاً أمام داود الشاب الصغير الضعيف جسمانياً العملاق روحياً.

والحق أن مصير كل قوة جسمانية -في خاتمة المطاف– لا بد من أن يكون هو الفشل أو الهزيمة لأ نها حتى إذا نجحت في مواجهة أعدائها الخارجين المختلفين معها سواء في العقيدة أو الجنس أو الفكر؛ فإنها لن تلبث أن تقع فريسة لأعدائها الداخليين (الوهن – التعب الشيخوخة – الزوال –الصراعات الفكرية - شهوة الحكم – الموت).

وفي الحياة المسيحية أمثلة كثيرة وخاصة في كنيستنا القبطية، ألم تواجه الكنيسة كثير من الاضطهادات والحروب بأنواعها المختلفة من نفسية وفكرية واجتماعية ومحاولات إبادة منذ دخولها مصر وحتى الآن؟ لكن ماذا حدث؟ لقد بقيت المسيحية قوية شامخة مستمدة وجودها وبقائها من إلهها وحاميها "الرب يسوع المسيح" الذي قال "كل آلة صورت ضدك لا تنجح" (أش 54: 17). وهذا ما جعل المؤرخين والباحثين "يعتبرون بقاء المسيحية في مصر رغم كل ما تلاقيه من محاربات واضطهادات، لجدير أن يكون من أعاجيب الدنيا". فالقوة الروحية التي تنادي بها المسيحية تعني الإيمان بالقيم والثقة في قدرة الإنسان على "غلبة الوحش"، "مبدأ المعاملة بالمثل".

لقد كانت قوانين "حمورابي" والتي صارت فيما بعد جزءاً من تعاليم العهد القديم كما في (خر 23:21 -25)، (لا 24: 19-0 2)، ( تث 19: 21). إلا أن قانون المعاملة بالمثل وإن كان أساس الشرائع القديمة وهدفه الأساسي هو الرحمة والحد من الانتقام فلم يكن متروكاً للفرد أن يطبقه، لكن لجماعة الحكام والقضاة، ولم يكن ينفذ حرفياً في كثير من الأحيان.

لكن على الرغم من كل هذا فإن السيد المسيح في كلامه عن الخد الآخر قد وضع أهم أسس الحياة المسيحية وأخلاقياتها التي تميزها عن أبناء العالم، وفي كلامه قد محا مبدأ "المعاملة بالمثل" ذلك القانون الذي بني على مبدأ الثأر والمقابلة بالمثل، وهذا ليس له مكان في الحياة المسيحية مهما حددناه ووضعنا في طريقة القيود. فالمسيحية استبدلت هذا القانون القديم للانتقام المحدود بشريعة روحية تنبذ الغل والغيظ، فبعد أن طالبنا "السيد المسيح" بالمبدأ الأول وهو "لا تقاوموا الشر" طالبنا بقوله لنا "بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً" وإن كان البعض يرى أن الإنسان العادي إذا أراد أن يستخدم يده اليمنى ليضرب أخيه الإنسان على خده الأيمن، لما استطاع ذلك إلا اذا عوج يده بكيفية تفقد اللطمة قوتها. وهو يستطيع أن يضرب الآخر على خده الأيمن إذا ضربه بظهر يده، وحسب ناموس الربيين كانت اللطمة بظهر اليد تعتبر احتقاراً مضاعفاً عن اللطمة بكف اليد. لكننا نرى تفسيراً آخر يقوله الآباء وهو يمكن للإنسان بذراعه اليمنى أن يلطم أخيه الإنسان على خده الأيمن إذا كان واقفا خلفه، أي جاءه من الخلف (خانه) وفي هذه الحالة حينما يريد من لطم أن يدير خده الآخر فهنا سيدير وجهه وينظر إليه وتقع عينه في عين من لطمه وكأن لسان حاله يقول له أنني أعرف خيانتك لي وأعرف ممن تأتي اللطمة، وها أنا بكل الحب والتسامح أدير لك الخد الآخر، وهذا ما فعله قداسة البابا ليرينا إنجيلاً معاشاً، فقد أدار وجهه لمواد الدستور التي دفنت المواطنة ليمسح دموع رعيته، وأدار وجهه بكل الحب والتسامح متسائلاً في كامل الحب عن حق شعبه ورعيته مطالباً إياهم بوصية الرب يسوع أن لا يقاوموا الشر بالشر ولا يستجيبوا لمن يطالبوهم برد العنف بالعنف، بل يطالبهم بالسلاح الوحيد القادر أن يسحق أعداء البيعة "الحب" فهذه هي رسالة المسيحية.

والدرس الآخر الذي نتعلمه من قداسة البابا، فهمه وربطه لأقوال وأفعال "السيد المسيح" فإن كان قد عرف من لطمه وأدار خده الآخر نجده يقول للذي لطمه "لماذا تلطمني؟" سالكا مسلك إلهه ومخلصه "الرب يسوع المسيح".

حيث يحدثنا الكتاب المقدس بحسب إنجيل القديس يوحنا الحبيب (ولما قال هذا لطم يسوع واحد من الخدام كان واقفاً قائلاً أهكذا تجاوب رئيس الكهنة؟ أجاب يسوع إن كنت قد تكلمت رديئاً فاشهد على الرديء، وإن حسنا فلماذا تضربني). (يو 18: 22- 23). وهذا ما يفعله قداسة البابا، إذ دائما حينما يحول الخد الآخر يقول للاطميه ما الخطأ الذي ارتكبناه في المطالبة بحقوقنا؟ وأي جريمة ارتكبناها حينما نطالب بمواطنة حقيقية للأقباط؟ وإن كانت مطالب الأقباط حقيقية قبل العبث بالدستور فلماذا تهاجموننا؟

وبهذا قد بين لنا قداسة البابا تفسيراً حياً لكلمات "السيد المسيح" الذي وإن طالبنا بتحويل الخد الآخر للذي يلطمنا يطالبنا أيضاً بالدفاع عن حقوقنا بكل الحب، فهو يريدنا أقوياء في الحق لأنه إله أقوياء وليس إله ضعفاء.

وها هو درساً جديداً يعلمنا إياه ضمن ما يعلمنا "قداسة البابا شنوده الثالث" وإن دل على شيء فمن ثم يدل على مباركة الروح القدس له سواء قبل اختياره الإلهي ليرعى شعب الرب يسوع، واستمرار هذه المباركة له للآن. ولولا علمنا لرفض قداسته للسماح كي يبوح كل من يعرف هذه الحقيقة، وهم كثيرين جداً وخاصة المشهود لهم بالقداسة، منتهجاً نهج كافة القديسين الذين يرفضون الكلام أو حتى الإشارة لقداستهم وما يراه الناس من نعمة لديهم وعمل الله العجيب سواء في صلواتهم أو على أيديهم لاحتجنا لأقلام وكتب كثيرة. فهنيئاً لنا باختيار الرب يسوع لشخصكم الحبيب يا قداسة البابا، وسنستمر نصلي من أجل صحتكم حتى تدوم رعايتكم لشعب المسيح والكنيسة التي ائتمنكم واختاركم الرب لرئاستها.

anton_2012
01-27-2008, 10:35 AM
حلو قوى الموضوع ياعماد ربنا يبارك خدمتك ويقوييك

emad_fahmy
01-27-2008, 11:20 AM
شكرا أنطون

رب المجد يباركك